استراتيجية الصين الدبلوماسية في الشرق الأوسط: غياب تام للدراما وحضور كثير للتثاؤب (والمال)

جسّدت الجولة الأخيرة لوزير الخارجية الصيني وانغ يي في السعودية والإمارات والأردن مقاربة بلاده للمنطقة: كن مملًا.
تحدّث وانغ عن تعزيز التواصل الاستراتيجي، وبناء الثقة المتبادلة، وحلّ الخلافات عبر الحوار. لم تكن هناك إعلانات لافتة للعناوين، ولا أي تلميح إلى تطور دراماتيكي. الكلمة الحاسمة هنا هي الدبلوماسية. فلنتعاطف مع الصحافي الذي سيكلف بصياغة قصص إخبارية من تصريحات باهتة على هذا النحو.

لكن خلف هذا الفتور الظاهري تكمن استراتيجية مركّزة لتوسيع نفوذ بكين في منطقة تؤمّن معظم وارداتها النفطية، وتُعدّ فيها الصين الشريك التجاري الأكبر. الصينيون يريدون الحديث… والحديث… وتجنّب التشابكات الأمنية في الشرق الأوسط التي طالما كانت سمة للحضور الأميركي هنا. فبكين تحمل إلى المنطقة «عصا» مختلفة.

العدد الثالث من «مرصد النفوذ الصيني» الذي يصدر عن شبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN)  يبيّن كيف انخرط قادة الصين مع دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وهم يسعون إلى أسواق أوسع لسلعهم، ومكانة عالمية أعلى، وضمان وصول مستقبلي إلى نفط المنطقة.

على مدى 35 عامًا، كان للرؤساء الأميركيين حضور أكثر وضوحًا في المنطقة، إذ زاروا دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 69 مرة، مقابل 26 زيارة فقط لنظرائهم الصينيين. والعكس بالعكس صحيح: فقد زار قادة المنطقة الولايات المتحدة بوتيرة أعلى بكثير من زياراتهم إلى الصين—545 رحلة مقابل 106. (وتتأثر هذه الأرقام إلى حدّ ما بحقيقة أن أكثر من ثلث الزيارات إلى الولايات المتحدة كانت ضمن المشاركة في اجتماعات الأمم المتحدة في نيويورك).

تعتقد الصين أن صورة الولايات المتحدة ومكانتها العالمية في طور الانحسار، ما يوفّر فرصة سانحة للصين للتقدّم وفرض نفوذها على الساحة الدولية. — بيتس غيل، زميل أول للأمن الآسيوي في المكتب الوطني للبحوث الآسيوية

وبدلًا من ذلك، تودِع بكين جزءًا كبيرًا من أهدافها الاستراتيجية في أطر ومنتديات تتيح لقاء عدة دول دفعة واحدة، بدل الاجتماعات الثنائية، لتُقدّم نفسها بديلًا ناجعا للولايات المتحدة والغرب، وفق ما تظهره البيانات.
وبحسب «مرصد النفوذ الصيني»، عقدت الصين 69 محادثة متعددة الأطراف مع دول المنطقة منذ عام 2020، مقابل 35 للولايات المتحدة.

«شي» الجزيرة العربية

توسّعت مجموعة الاقتصادات الناشئة المعروفة باسم «بريكس»—البرازيل وروسيا والهند والصين—لتضم إيران والإمارات والسعودية ومصر. كما أن إيران عضو في منظمة شنغهاي للتعاون، التي تسعى إلى إنشاء هيكل أمني لأعضائها، بينما تتمتع السعودية ومصر وقطر بصفة «شريك حوار».

وتخطط الصين هذا العام لاستضافة قمة مع الدول العربية لمواصلة الدفع نحو شراكات جديدة، من بينها اتفاق تجارة حرة طال انتظاره مع الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي.

وعلى الرغم من أن الصين تنظر بعين الشك إلى التحالفات مقارنة بالولايات المتحدة، فإنها منحت صفة «الشراكة الاستراتيجية الشاملة» —وهي أعلى تصنيف دبلوماسي لديها—لسبع دول في المنطقة: الجزائر، والبحرين، وجيبوتي، ومصر، وإيران، والسعودية، وتركيا. وفي المقابل، منحت الولايات المتحدة البحرين ومصر صفة «حليف رئيسي من خارج الناتو»، في إشارة إلى أهميتهما الاستراتيجية بالنسبة لواشنطن، إلى جانب تونس والأردن والكويت وإسرائيل.

ويقول بيتس غيل، الزميل البارز لأمن آسيا في «المكتب الوطني للبحوث الآسيوية»، إن مقاربة الصين للمنطقة جزء من استراتيجية أوسع لتعميق الروابط الدبلوماسية والاقتصادية والثقافية مع «الجنوب العالمي»، في وقت تدهورت فيه علاقتها مع الولايات المتحدة.

وأضاف غيل في رسالة إلكترونية: «تعتقد الصين أن الصورة العالمية والانطباع العام عن الولايات المتحدة في تراجع، وأن ثمة فرصة لملء هذا الفراغ وبناء نفوذها وحضورها في مناطق محورية حول العالم، مع طرح رؤية بديلة لكيف ينبغي أن يعمل العالم».

وأشار غيل إلى أن المبادرات العالمية الأربع للرئيس الصيني شي جينبينغ—المركّزة على التنمية، والأمن، والحوكمة، وإصلاح المؤسسات—لقيت ترحيبًا في المنطقة، كما تُظهر استطلاعات الرأي أن المواقف الإقليمية تميل عمومًا لصالح الصين أكثر من الولايات المتحدة.

نافذة غزة

أتاح الصراع في غزة للصين فرصة إضافية لكسب نقاط لدى شركائها العرب والتميّز عن الولايات المتحدة، التي دعمت إسرائيل في النزاع. وقد دأب القادة الصينيون على دعم قيام دولة فلسطينية.

ووفقا ل «مرصد النفوذ الصيني» تظهر مساعي الصين لإبراز تقاربها في كثير من الجوانب مع الدول الأصغر والأفقر في العالم بوضوح ربما في تصويتها داخل الأمم المتحدة. إذ تتوافق الصين ودول المنطقة بصورة منتظمة بشأن قضايا احترام السيادة الوطنية وعدم التدخل، وكذلك الدولة الفلسطينية.

وعلى النقيض من المزاج الإقليمي، تُظهر بيانات «المرصد» أن الولايات المتحدة أكثر ميلًا للتصويت لصالح قرارات تُعدّ مؤيدة لإسرائيل، أو دفاعًا عن حقوق الإنسان، أو لفرض عقوبات تعاقب أطرافًا يُنظر إليها على أنها «سيئة السلوك».

وتقول الصين إن مقاربتها أثمرت في عام 2023، حين ساعدت في التوسط لتقارب بين السعودية وإيران—الدولة التي تنظر إليها الولايات المتحدة بوصفها خصمًا استراتيجيًا.

غير أن علاقة الصين بإيران، رغم كونها من أقرب حلفائها في المنطقة، تُظهر أيضًا تردّد بكين في وضع كل بيضها في سلّة واحدة. فقد أشار فرزين نديمي، الزميل البارز في «معهد واشنطن»، مؤخرًا إلى أن الصين امتنعت عن بيع أي معدات عسكرية «كاسرة للتوازن» لإيران، التي بدت أوجه قصورها جلية خلال حربها التي استمرت 12 يومًا مع إسرائيل، وكذلك إثر القصف الأميركي لمواقع نووية في فوردو ونطنز وأصفهان. وكتب فان هونغدا، مدير مركز الصين–الشرق الأوسط في جامعة شاوشينغ، في مقال لموقع  ThinkChina، أن الاضطرابات الداخلية في إيران تحدّ من استعداد الصين للانخراط معها.

ولم يكن للصين أي دور مركزي بالمقارنة مع تدخل الولايات المتحدة الحاسم في التوسط لوقف القتال في غزة أو في ضمان حرية حركة ناقلات النفط في المنطقة. ومع ذلك، يبدو أن استراتيجية الصين لكسب النفوذ من دون تحمّل كلفة «المسؤولية» المباشرة للملفات الأمنية تؤتي ثمارها.

Unknown's avatar
جيم سنايدر

جيم سنايدر هو صحفي ومحرر استقصائي سابق في إذاعة آسيا الحرة

 


اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي

اترك رد

https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading