كيف أصبحت الصين القوة الاقتصادية في الشرق الأوسط

الإحباط من التورط طويل الأمد في كل من العراق وأفغانستان دفع إدارة الرئيس باراك أوباما عام 2011 إلى “إعادة التوازن” في استراتيجيتها من خلال التركيز على منطقة آسيا-المحيط الهادئ، حيث كانت الصين تبرز بوصفها المنافس الرئيسي لواشنطن. ولم تتخلَّ دول الخليج عن المظلّة الأمنية الأميركية، لكن عددا منها بدأ يعتمد سياسات احتياطية نشطة عبر تنويع شراكاتها الخارجية، في الوقت الذي أخذت الطلبات المتنامية من الصين وعروض رأس مالها وصادراتها الصناعية تعيد تشكيل الخيارات الاقتصادية في المنطقة.

وقد تجلّت هذه الدينامية خلال الفترة من 12 إلى 16 ديسمبر/كانون الأول، أثناء جولة وزير الخارجية الصيني وانغ يي إلى الإمارات والسعودية والأردن. وتركّزت البيانات الرسمية والتغطية الإعلامية على التعاون التجاري والاستثماري، وروابط الطاقة، والمشاريع المرتبطة بمبادرة «الحزام والطريق». وفي الرياض، حضّ وانغ أيضاً دول الخليج على إبرام اتفاقية التجارة الحرة بين الصين ومجلس التعاون الخليجي، التي يجري التفاوض بشأنها منذ وقت طويل، واصفاً الصين بأنها شريك «موثوق» في التنمية.

وكما يُبين عدد هذا الأسبوع من مرصد النفوذ الصيني من شبكة  MBN، برز تقسيم واضح للأدوار: تبقى الولايات المتحدة محور الأمن الإقليمي، فيما تعمّقت الصين أكثر في اقتصاد الخليج بوصفها مشترياً رئيسياً للنفط الخام في المنطقة ومورّداً بارزاً للآلات والإلكترونيات والبنية التحتية التي تقوم عليها معدلات النمو الاقتصادي الإقليمي.

ارتفعت قيمة التجارة بين الصين ودول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى 480.7 مليار دولار في عام 2024، بزيادة تقارب 80 في المئة مقارنة بعام 2020، وبما يفوق بأكثر من ضعفين ونصف حجم التجارة الأميركية مع الدول نفسها في العام الماضي.

وتشير أحدث بيانات عام 2025، التي تشمل أرقام أكتوبر/تشرين الأول، إلى مزيد من النمو. ووفق البيانات التي جُمعت لصالح مرصد النفوذ الصيني، بلغت تجارة الصين مع دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 414.8 مليار دولار خلال الأشهر العشرة الأولى من هذا العام.

ويقدّم العراق انموذجا مفيدا في بيان كيفية نمو الروابط الاقتصادية الإقليمية للصين. فقد ارتفعت التجارة بين البلدين بنحو 80 في المئة بين عامي 2020 و2024، لتتجاوز 54 مليار دولار، وهو ما يزيد على خمسة أضعاف قيمة التجارة بين الولايات المتحدة والعراق في ذلك العام.

وفي نمطٍ يتكرر عبر الخليج، تكاد واردات الصين تقتصر فقط على النفط الخام، في ترجمة لتوجيه الرئيس شي جينبينغ بضرورة تنويع مصادر إمدادات النفط لتحقيق قدر أكبر من أمن الطاقة. وفي المقابل، يعتمد العراق، شأنه شأن جيرانه، بشكل متزايد على الصين في البنية التحتية الثقيلة، من توليد الكهرباء إلى التصنيع والإنشاءات. ويُعدّ، على سبيل المثال، مشروع محطة واسط للطاقة بقدرة 2.3 غيغاواط، التي تنفذها شركة «شنغهاي إلكتريك» في شرق العراق، ركناً أساسياً في الشبكة الوطنية للكهرباء.

وتتكرر القصة نفسها في السعودية والإمارات، وهما شريكان محوريان آخران للولايات المتحدة. فقد بلغت التجارة الصينية مع السعودية نحو 102 مليار دولار في عام 2024، أي ما يقارب أربعة أضعاف قيمة التجارة بين الولايات المتحدة والدولة الخليجية. وإلى جانب الآلات الثقيلة والمعدات الصناعية، زوّدت الصين المملكة بالمركبات الكهربائية، وهو مجال أصبحت الصين فيه رائدة على مستوى العالم.

كما تضاعفت التجارة بين الإمارات والصين أكثر من مرتين منذ عام 2020، لتصل أيضاً إلى نحو 102 مليار دولار في عام 2024، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف قيمة تجارة الإمارات مع الولايات المتحدة في ذلك العام.

ويعود جزء من هذا الفارق إلى تراجع اعتماد الولايات المتحدة على نفط الشرق الأوسط مع ازدهار الإنتاج المحلي في حوض بيرميان وتشكيلات النفط الصخري الأخرى. ففي عام 2024، أنتجت الولايات المتحدة نحو 13.2 مليون برميل من النفط الخام يومياً، مقارنة بنحو 4.3 ملايين برميل للصين. وقد جعل هذا الارتفاع في الإنتاج الولايات المتحدة أكثر قدرة على تحمّل تقلبات إنتاج «أوبك».

ومع ذلك، لا تزال الروابط الأمنية الوثيقة ومبيعات السلاح تجعل من واشنطن الشريك الاستراتيجي الأبرز في المنطقة، متقدمة بفارق كبير على الصين، كما أظهر الإصدار الأول من مرصد النفوذ الصيني. ويبدو أن الصين راضية بترك الانخراط السياسي المعقّد للأميركيين، رغم أن دور بكين في رعاية تقارب دبلوماسي بين السعودية وإيران قبل عامين يشير إلى قدرتها على توظيف قوتها الاقتصادية لأهداف سياسية عندما تختار ذلك.

ولا تتطور كل علاقات الصين في المنطقة بالوتيرة نفسها. فلا تزال الصين تعتمد بشكل كبير على النفط الإيراني، الذي يُعاد تصديره في معظمه إليها عبر ماليزيا للتحايل على العقوبات. فقد استوردت بكين نحو 70 مليون طن متري من النفط الخام من ماليزيا في عام 2024، أي سبعة أضعاف الكمية المسجّلة في عام 2018، في وقت تراجعت فيه الواردات الرسمية المباشرة من إيران إلى الصفر.

وعلى النقيض، تبقى إسرائيل راسخة الارتباط بالولايات المتحدة. ففي عام 2024، تجاوزت التجارة الإسرائيلية مع أميركا تجارتها مع الصين بنحو 14 مليار دولار، فيما كان الفارق في الاستثمار الأجنبي المباشر أوسع من ذلك بكثير. إذ ارتفع الاستثمار الأميركي المباشر في إسرائيل إلى 52.7 مليار دولار في عام 2024، مقارنة بـ41.3 مليار دولار قبل خمس سنوات، بينما بلغ الاستثمار الصيني مستوى متواضعاً قدره 2.5 مليار دولار، وهو تفاوت اتسع أكثر بفعل انتقادات بكين لحرب غزة وتركيز مبادرة «الحزام والطريق» على الأسواق الأقل نمواً.

وبرزت السعودية، وهي أكبر مورّد للنفط الخام إلى الصين، بوصفها أكبر المستفيدين من تلك المبادرة في الشرق الأوسط، إذ تستضيف 93 مشروعاً ضمن «الحزام والطريق» منذ عام 2021. وتكمل الإمارات والعراق والجزائر ومصر قائمة الدول الخمس الأولى. وفي السعودية، تمتد المشاريع إلى مجالات الطاقة المتجددة والعقارات والنقل وتوليد الكهرباء، وهي قطاعات محورية في مسعى المملكة لإعادة تشكيل اقتصادها لمرحلة ما بعد النفط. أما العراق، فاعتمد بشكل كبير على الصين في تطوير بنيته التحتية للنفط والغاز.

وخلاصة القول، إن الأرقام التي جمعها «مرصد النفوذ الصيني» لا تعكس تحوّلاً كبيراً في علاقات القوتين العالميتين بقدر ما تُظهر تقاسما في العمل: القوة الأميركية تؤمّن الخليج، ورأس المال الصيني يساهم في تنميته.

Unknown's avatar
مين ميتشل

مين ميتشل شغلت سابقاً منصب رئيسة ومديرة تنفيذية لـ Frontline Media Fund وكانت أيضاً المديرة التنفيذية للتحرير في راديو آسيا الحرّة (Radio Free Asia).


اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي

اترك رد

https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading