هل يصبح لبنان رئة بديلة لـ”الجهاد الإسلامي”؟

في لحظة إقليمية متوترة سياسيا وأمنيا، أعلن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، الأسبوع الماضي، استهدف عنصرين من حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية في بلدة مجدل عنجر على الحدود اللبنانية – السورية، خلال محاولتهما العبور من لبنان إلى سوريا، بحسب قوله.

الإعلان الذي يعد الأول من نوعه، منذ اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل في نوفمبر 2024، يعيد إلى الواجهة السؤال: هل يضطر تنظيم الجهاد الإسلامي، الذي كان يتموضع في دمشق تحت حكم بشار الأسد، إلى التمركز في لبنان؟

على مدى عقود، شكّلت دمشق رئة عسكرية وسياسية لعدد من الفصائل الفلسطينية. وبالنسبة إلى حركة الجهاد الإسلامي، لم تكن سوريا مجرّد ملاذ سياسي، بل عقدة محورية في شبكة دعم تمتد من طهران إلى حزب الله في لبنان، وصولا إلى فصائل فلسطينية في غزة.

مع اندلاع الحرب السورية، أعادت فصائل فلسطينية عدة تموضعها، فغادرت دمشق أو خفّضت مستوى حضورها. لكن حركة الجهاد الإسلامي اختارت البقاء إلى جانب النظام، ما رسّخ اندماجها في المحور الذي تقوده طهران، وعمّق اعتمادها على الحرس الثوري الإيراني في مختلف مفاصل بنيتها العسكرية واللوجستية.

وقلب سقوط نظام الأسد المعادلة رأسا على عقب. ومع صعود سلطة جديدة تسعى إلى إعادة ضبط نشاط الفصائل المسلحة ومنع استخدام الأراضي السورية منصة لعمليات إقليمية، كما تقول، لم تعد سوريا مساحة مفتوحة لنشاط الحركة كما كان الحال في المرحلة السابقة.

وعقب سقوط الأسد، اعتبر الأمين العام لـ”الجهاد الإسلامي”​ زياد نخالة، في تصريح له “أن ما حدث من تغييرات في سوريا هو شأن سوري، ويتعلق بخيارات الشعب السوري الشقيق”، وقال إن الحركة “تأمل أن تبقى سوريا نصيرا وسندا حقيقيا” للشعب الفلسطيني وقضيته كما كانت دوما.

وفي أبريل الماضي، أعلنت حركة الجهاد الإسلامي اعتقال اثنين من قيادييها في سوريا، فيما تعرّضت مقراتها في دمشق، بالتزامن مع تعرض منزل أمينها العام، زياد النخالة، في  شمال العاصمة دمشق إلى ضربات جوية إسرائيلية.

وحاولت الحركة، شأنها شأن فصائل فلسطينية أخرى استكشاف إمكانية أعادة فتح خطوط اتصال مع دمشق، وقفا للباحث في الشأن السياسي نضال السبع، “إلا أن المعطيات تشير إلى أن السلطة السورية الجديدة قدّمت تعهدات للولايات المتحدة الأميركية بمنع نشاط هذه التنظيمات انطلاقا من الأراضي السورية، وكذلك منع تمرير السلاح إلى لبنان”.

خلافا لحركة حماس التي نسجت شبكة علاقات إقليمية امتدت بين قطر وتركيا ودول أخرى، بقيت “الجهاد الإسلامي” أكثر التصاقا بطهران، سياسيا وماليا وعسكريا. وقد وفرت لها العلاقة مع إيران استقرارا نسبيا في مصادر الدعم، لكنه في المقابل ضيّق هامش مناورتها السياسية وربط خياراتها بإيقاع القرار الإيراني.

اليوم، تبدو إيران المرجعية شبه الوحيدة للحركة، وسط غياب ظهير إقليمي بديل. ومع صعوبة عملها في سوريا ما بعد الأسد، يبرز لبنان، الساحة الأقرب جغرافيا إلى إسرائيل، والأكثر التصاقا بمحور طهران عبر حضور حزب الله، ما يمنحه أهمية خاصة في الحسابات الاستراتيجية للحركة.

لكن الساحة اللبنانية لم تعد مفتوحة لأنشطة الفصائل المسلحة كما كانت في السابق، إذ باتت محكومة بتوازنات داخلية وحسابات إقليمية متشابكة.

تعيش البلاد انقساما داخليا حول سلاح حزب الله ودوره الإقليمي، فيما تتفاقم أزمات لبنان الاقتصادية والسياسية والأمنية. وعلى خلفية هذا المشهد الهش، فإن أي توسيع لدور تنظيم مسلح إضافي خارج إطار الدولة لم يعد أمرا متيسيرا كما كان عليه الحال قبل إضعاف حزب الله وإيران ومحورها في المنطقة خلال الحرب على غزة.

مدير مركز تطوير للدراسات الاستراتيجية والتنمية البشرية، الباحث الفلسطيني هشام دبسي، يصف حضور الحركة في لبنان بأنه “محدود وصغير”، لافتا إلى أنها “موجودة في معظم المخيمات الفلسطينية ولكن بأعداد قليلة، ومن دون قواعد معلنة أو مساحة جغرافية واضحة يمكن اعتبارها منطقة نفوذ خاصة بها”.

ويشير دبسي في حديث لموقع “الحرة” إلى أن قدراتها العسكرية “تقتصر في معظمها على تسليح فردي، وتعتمد نمط العمل السري في تحركاتها”. ويضيف أن “كون عناصرها عرضة للاستهداف يحدّ من قدرتها على الظهور أو الفعل العلني، ما ينعكس أيضا على غياب أي حضور إعلامي مباشر لها في لبنان، سواء عبر منابر رسمية أو شخصيات تتولى التعبير باسمها”.

أما السبع، فيرى، في حديثه مع “الحرة” أن حضور الحركة “محصور في البيئة الفلسطينية داخل المخيمات، من دون امتداد تنظيمي في البيئة اللبنانية الأوسع”، مع ترجيحه سيناريو “إعادة انتشار محدودة”، تشمل انتقال بعض القيادات أو الكوادر من سوريا إلى لبنان، من دون القدرة على بناء تموضع علني واسع.

تأسست “حركة الجهاد الإسلامي” في أواخر سبعينيات القرن الماضي على يد مجموعة من الطلاب الفلسطينيين في مصر، يتقدمهم فتحي الشقاقي، وقامت على قاعدة فكرية تضع العمل المسلح في صلب مشروعها، وتتعامل معه باعتباره الأداة المركزية في الصراع مع إسرائيل.

وخلال العقود اللاحقة، شكّلت الحركة عددا من الخلايا والمجموعات العسكرية التي حملت مسميات مختلفة، من بينها “كتائب سيف الإسلام” و”القوى الإسلامية المجاهدة – قسم”، قبل أن يستقر جناحها العسكري على اسم “سرايا القدس”. وقد صُنفت الحركة منظمة إرهابية من جانب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، في سياق تصنيفات تشمل عدداً من الفصائل المسلحة في المنطقة.

دبسي يوضح أن الحركة نشأت خارج إطار جماعة “الإخوان المسلمين” خلافا لحركة حماس، و”قدّمت نفسها نموذجا إسلاميا سنياً يركّز حصراً على الاشتباك العسكري، من دون الانخراط في العمل السياسي أو الإداري كما فعلت حماس لاحقا في غزة”.

ومع تعرّضها لأزمات مالية متكررة واغتيال عدد من قياداتها من المؤسسين، تعمّق اعتمادها على الدعم الإيراني، وفق دبسي، “لا سيما في مرحلة قيادة زياد النخالة، لتتحول عمليا إلى إطار عسكري يعمل ضمن محور تقوده طهران، أكثر مما هو تنظيم سياسي وعسكري ذي مشروع مستقل”.

ويلفت السبع إلى أن الفارق الجوهري بين الحركة وحماس “يكمن في المرجعية العقائدية والسياسية، فحماس ترتبط فكرياً وتنظيمياً بالإخوان المسلمين، بينما الجهاد الإسلامي أقرب إلى النموذج الإيراني في بنيتها وخياراتها الإقليمية. وقد انعكس هذا التباين بوضوح خلال مرحلة ‘الربيع العربي’، حين غادرت حماس دمشق، في حين حافظت الجهاد الإسلامي على تموضعها هناك، انسجاماً مع تحالفها الوثيق مع طهران ودمشق آنذاك”.

وأعاد القصف الإسرائيلي الذي استهدف مخيم عين الحلوة جنوب لبنان، الجمعة الماضي، تسليط الضوء على الفصائل الفلسطينية في لبنان واحتمالات التصعيد انطلاقا من المخيمات.

فهذه المخيمات، التي ترزح تحت أوضاع اقتصادية قاسية وانقسامات فصائلية داخلية تتأثر مباشرة بأي حدث إقليمي أو محلي لبناني. وتحويلها إلى مركز توتر إضافي من أي فصيل فلسطيني يضاعف هشاشتها.

أما بالنسبة لـ”الجهاد الإسلامي”، فبين تضييق سوري، واستهداف إسرائيلي متواصل، وواقع لبناني جديد، تجد الحركة نفسها في مساحة رمادية: قد تكون حاضرة في المشهد اللبناني، لكن بهامش محدود.


اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي

اترك رد

https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading