آية الله خامنئي: التشدد حتى الرمق الأخير

أندريس إلفيس's avatar

أُعلن مقتل علي حسيني خامنئي، المرشد الأعلى لإيران منذ عام 1989 وأحد أبرز مهندسي النهج المتشدد، المعادي للغرب في الجمهورية الإسلامية، بضربة أميركية إسرائيلية مشتركة استهدفت طهران، عن عمر ناهز 86 عاما.

كان خامنئي ثاني مرشد أعلى في تاريخ الجمهورية الإسلامية الممتد لسبعة وأربعين عاما، بعد روح الله الخميني.

كان الخميني شخصية لا تجارى، إذ جمع بين مكانة المؤسس والسلطة الدينية العليا مع الكاريزما الثورية، بشكل لم يستطع أي خليفة له أن يضاهيه. وورث خامنئي نظاما بُني على أساس هالة الخميني الشخصية، لكنه افتقر إلى مكانته، فاضطره إلى بناء سلطته من خلال المؤسسات.

وفي غياب الشرعية التي تمتع بها سلفه، اعتمد بدرجة أكبر على أدوات الضبط البيروقراطي والقمع بدلا من السلطة الشخصية، الأمر الذي أسهم في تكريس طابع أمني متصاعد وعملية سياسية يطغى عليها التنافس والصراع بين الأجنحة داخل الجمهورية الإسلامية.

وُلد الخميني عام 1939 في مدينة مشهد الدينية، وانخرط مبكرا في صفوف المعارضة الإسلامية لنظام الشاه، مقتربا من دائرة الخميني. أمضى سنوات تحت مراقبة جهاز “السافاك”، الشرطة السرية للشاه، وتعرض للاعتقال والاستجواب والنفي الداخلي بسبب خطبه المناهضة للنظام الملكي.

وبعد ثورة 1979 برز كأحد مهندسي الترتيبات السياسية في النظام الجديد، إذ كان من القيادات البارزة في الحزب الجمهوري الإسلامي، وإمام جمعة طهران، ثم تولى رئاسة الجمهورية بين عامي 1981 و1989 خلال الحرب الإيرانية – العراقية. وخلال تلك المرحلة دعم ترسيخ النظام الجديد بقبضة صارمة، ونسج تحالفا وثيقا مع الحرس الثوري.

عقب وفاة الخميني عام 1989، أقدم مجلس خبراء القيادة، الجهة المخوّلة باختيار المرشد الأعلى في إيران، على تعديل الدستور لخفض المتطلبات الدينية للمنصب، ثم اختار خامنئي رغم مرتبته الدينية المتوسطة. وقد جعله ذلك في بداياته معتمدا على المؤسسات الثورية، وفي مقدمتها الحرس الثوري الإيراني، لكنه مع مرور الوقت حوّل موقع المرشد إلى قمة هرم السلطة غير القابلة للمساءلة في النظام الإيراني.

وبصفته مرشدا أعلى، تولى قيادة القوات المسلحة، وأشرف على السلطة القضائية، وهيئة الإذاعة والتلفزيون الرسمية، وأجهزة الاستخبارات، كما أحكم سيطرته على عملية تدقيق المرشحين للانتخابات الوطنية الكبرى عبر نفوذه على مجلس صيانة الدستور، ما أتاح له التأثير في نتائج كل استحقاق انتخابي رئيسي وتوجيه الخطوط العامة للسياسات.

على الصعيد الخارجي، تمثّل مشروعه الأبرز في بناء ما أطلق عليه “محور المقاومة”، الذي يضم حزب الله اللبناني، وميليشيات في سوريا والعراق، وجماعة الحوثيين في اليمن، وفصائل فلسطينية. وخلال فترة قيادته، تحوّل الحرس الثوري الإيراني وفيلق القدس التابع له إلى أداتي إيران الرئيسيتين للنفوذ الإقليمي، إذ أشرفا على حروب الوكالة وتطوير الصواريخ الباليستية، مع ترسيخ حضورهما في الاقتصاد الداخلي.

جمع خامنئي بين العداء العقائدي للولايات المتحدة ولإسرائيل، واستراتيجية تعتبر المواجهة واجبا أيديولوجيا وأداة ضغط في آن واحد. وفي الملف النووي، أقر برنامج تخصيب واسع النطاق، لكنه شدد عبر فتوى دينية على تحريم امتلاك السلاح النووي. وأفضى هذا المسار المزدوج إلى الاتفاق النووي عام 2015، ثم، بعد انسحاب واشنطن منه، إلى تسارع جديد في البرنامج النووي وتقارب أوثق مع روسيا والصين.

داخليا، أشرف خامنئي على دولة اتسمت بتصاعد طابعها الأمني، وكانت تواجه الاحتجاجات بالقوة. فقد جرى قمع اضطرابات الطلبة عام 1999، والحركة الخضراء عام 2009، واحتجاجات الأوضاع الاقتصادية ورفع أسعار الوقود في 2017–2018 و2019، وانتفاضة “المرأة، الحياة، الحرية” في 2022 – 2023، وأحدث موجة اضطرابات منذ نهاية ديسمبر 2025، باستخدام الرصاص الحي والاعتقالات الجماعية والإعدامات.

وتحمّل منظمات حقوقية وحركات معارضة في المنفى خامنئي مسؤولية شخصية عن آلاف القتلى وعن التعذيب الممنهج، من مجازر السجون في ثمانينيات القرن الماضي، حين كان رئيسا للجمهورية، إلى عمليات إطلاق النار والشنق التي أعقبت الاحتجاجات اللاحقة.

 

في سنواته الأخيرة، غذّت تقارير عن معاناته من أمراض خطيرة وتراجع إدراكي الجدل بشأن خلافته، في وقت كانت العمليات الإسرائيلية تتوغل أعمق داخل إيران وتقترب من دائرته الأمنية الخاصة، بينما شهدت البلاد بعضاً من أكبر الاحتجاجات في تاريخها. ووصف خامنئي تلك الانتفاضات علناً بأنها نتاج «مؤامرات» أميركية وإسرائيلية، مطالباً بقمع لا هوادة فيه.

ويغلق مقتله في ضربة استهدفت طهران، ضمن حملة أعلنت صراحة استهداف قيادة إيران، دائرة ذلك المسار، لكنه يترك سؤالاً مفتوحاً حول ما إذا كان النظام شديد المركزية الذي صممه قادراً على إدارة انتقال السلطة من دون انقسام في القمة أو انفجار من القاعدة.

 

أندريس إلفيس

أندريس إلفيس هو مدير المبادرات الاستراتيجية في مؤسسة الشرق الأوسط للإرسال. وتشمل خبراته الصحفية عقدين في بي بي سي وراديو أوروبا الحرة.


اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي
https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading