استهداف إيران لدول الخليج

في أواخر عام 2025 وبداية هذا العام، اتسم الموقف الخليجي تجاه التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران برفض استخدام الأجواء والأراضي الخليجية في أي عمل عسكري يستهدف إيران، والسعي إلى احتواء التوتر عبر قنوات دبلوماسية نشطة واتصالات مباشرة وغير مباشرة مع كل من واشنطن وطهران.

هذا التوجه عكس محاولة خليجية لإدارة توازن دقيق بين الشراكات الأمنية القائمة مع الولايات المتحدة وتجنب الانخراط في مواجهة مفتوحة مع إيران.

في 23 يونيو 2025، استهدفت إيران قاعدة “العديد” الجوية في قطر في إطار “حرب الـ12 يوماً”. ودفع هذا التطور عددا من دول الخليج إلى إغلاق أجوائها مؤقتا أمام الملاحة الجوية المدنية، بالتوازي مع صدور بيانات رسمية داعمة لقطر ورافضة للضربة الإيرانية، دعت إلى التهدئة وضبط النفس وتجنب انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.

وشكل هذا التطور مؤشرا عمليا مبكرا على تداعيات أي حرب بين الولايات المتحدة وإيران على الدول الخليجية التي تستضيف قواعد عسكرية أميركية رغم محاولة هذه الدول النأي بنفسها عن مثل هذه الحرب.

وفي يناير الماضي، ومع تصاعد التوترات الإقليمية قبيل الضربة التي نُفذت اليوم ضد إيران، نقلت تقارير إعلامية أن دولا خليجية، بينها السعودية والإمارات وقطر والكويت وسلطنة عُمان، أبلغت واشنطن بشكل واضح أنها لن تسمح باستخدام أجوائها أو قواعدها العسكرية لشن هجمات على إيران، بما في ذلك رفض استخدام المجال الجوي لعمليات التزود بالوقود أو أي دعم لوجستي مرتبط بضربات محتملة.

وبالتوازي مع هذه المواقف، برزت تحركات خليجية لاحتواء التصعيد، تضمنت اتصالات مع الإدارة الأميركية بهدف تجنب توجيه ضربات لإيران، إضافة إلى أدوار وساطة، خصوصا من سلطنة عُمان وقطر، لتسهيل قنوات التواصل بين طهران وواشنطن. وجاءت هذه الجهود ضمن مقاربة إقليمية سعت إلى منع تحول التوتر إلى مواجهة شاملة، مع تأكيدات خليجية متكررة على أن استقرار المنطقة وأمنها يمثلان أولوية تتقدم على أي انخراط في صراع مباشر.

إلا أن المشهد تبدّل اليوم مع تنفيذ الولايات المتحدة وإسرائيل عملية عسكرية استهدفت مواقع داخل إيران، أعقبها رد إيراني طال قواعد عسكرية مرتبطة بالوجود الأميركي في المنطقة في دول خليجية.

كما امتدت بعض الأضرار إلى مناطق مدنية في دول خليجية، بما في ذلك مبان سكنية ومنشآت عامة، في ظل عمليات متواصلة استهدفت مواقع عسكرية يُنظر إليها باعتبارها جزءا من البنية العسكرية الأميركية في الخليج.

وقد وقعت هذه التطورات رغم المواقف الخليجية المعلنة سابقا بعدم استخدام أراضيها أو أجوائها في ضرب إيران، ورغم الجهود الدبلوماسية التي سبقت التصعيد.

القواعد الأميركية في الخليج

انتقلت الضربات الإيرانية، اليوم، إلى قلب البنية العسكرية الأميركية في منطقة الخليج، مستهدفة مواقع تعد العمود الفقري للانتشار العسكري الأميركي في المنطقة.

وطالت الهجمات قواعد العديد الجوية في قطر، وعلي السالم في الكويت، والظفرة الجوية في الإمارات، إضافة إلى منشآت مرتبطة بمقر قيادة الأسطول الخامس الأميركي في البحرين.

وتعتبر قاعدة العديد في قطر القاعدة الأميركية الأكبر في الشرق الأوسط، وتضم آلاف الجنود وتمتد على مساحة تقارب 24 هكتارا.

ووفق ما نقلته وكالة رويترز عن مصدر مطلع، اليوم، فانه جرى إجلاء بعض الأفراد من القاعدة في أعقاب الهجوم الذي شنته الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران.

وفي الإمارات، تعد قاعدة الظفرة جنوب أبوظبي، مركزا رئيسا للقوات الجوية الأميركية، وهي منشأة مشتركة مع القوات الجوية الإماراتية.

وفي دبي، ورغم أن ميناء جبل علي لا يصنف قاعدة عسكرية رسمية، فإن سفناً عسكرية أميركية ترسو فيه لأوقات قصيرة.

وفي السعودية، يتمركز2321 جنديا أميركيا وفق رسالة صادرة عن البيت الأبيض عام 2024، يعملون بالتنسيق مع الحكومة السعودية لتوفير قدرات الدفاع الجوي والصاروخي ودعم تشغيل الطائرات العسكرية الأميركية. ويتمركز عدد كبير من هؤلاء الجنود في قاعدة الأمير سلطان الجوية الواقعة على بعد نحو 60 كيلومترا جنوب الرياض، حيث تدعم أنظمة الدفاع الجوي التابعة للجيش الأميركي، بما في ذلك بطاريات باتريوت ومنظومة ثاد.

أما في البحرين، فيقع مقر قيادة الأسطول الخامس، المسؤول عن مسرح عمليات يمتد من الخليج إلى البحر الأحمر وبحر العرب وأجزاء من المحيط الهندي، وهو من أكثر الأساطيل الأميركية أهمية استراتيجية في المنطقة.

وفي الكويت، تنتشر منشآت واسعة تشمل معسكر عريفجان، المقر المتقدم للقيادة المركزية للجيش الأميركي، وقاعدة علي السالم المعروفة باسم الصخرة، إضافة إلى معسكر بيورنج الذي أنشئ خلال حرب العراق عام 2003 ويستخدم كنقطة انطلاق للقوات المنتشرة في العراق وسوريا.

الخليج بين واشنطن وطهران

يستغرب كثيرون تعرّض دول خليجية لهجمات صاروخية إيرانية رغم تكرار محاولات نأيها بنفسها عن أي ضربة عسكرية أميركية لإيران، لكنهم يتساءلون حول مدى قدرة هذه الدول على استيعابها.

وفي هذا الإطار، يعتبر الباحث والكاتب البحريني جعفر سلمان أن طهران تدرك أن دول الخليج قد تستوعب هذه الضربات الصاروخية، طالما أنها موجهة نحو القواعد الأميركية فقط، وأنها ستكتفي بالدفاع دون تصعيد مباشر.

ويحذر سلمان من استمرار الضربات لفترة طويلة أو توسعها لتشمل أهدافا داخل الدول الخليجية نفسها قد يغيّر قواعد اللعبة بالكامل، لا سيما في ظل تصاعد أصوات متشددة داخل إيران تتحدث عن توسيع نطاق الضربات في الدول التي تستضيف قواعد أميركية، وهو ما قد يدفع إلى رد خليجي مختلف ويدخل المنطقة مرحلة أكثر خطورة.

من جانبه يعتبر الأكاديمي والكاتب القطري الدكتور علي الهيل أن دول الخليج يمكن النظر إليها بوصفها “كبش فداء” في الصراع القائم، باعتبارها الطرف الأضعف في المعادلة الإقليمية. ويرى الهيل أن الرسالة الإيرانية قد تكون موجهة بالدرجة الأولى إلى الولايات المتحدة، ومفادها القدرة على الوصول إلى مصالحها سواء عبر حلفائها أو عبر استهداف المنشآت النفطية، وفي الوقت نفسه يشكل ذلك ضغطا متزامنا على دول الخليج لإعادة النظر في طبيعة علاقاتها مع إسرائيل وواشنطن.

وفي ضوء هذا التسلسل، يظل السؤال الاستراتيجي مطروحًا حول ما إذا كان استهداف إيران للقواعد العسكرية في الخليج، رغم التعهدات بعدم استخدامها، سيدفع إلى إعادة صياغة الاستراتيجية الخليجية وإعادة النظر في الموقف تجاه استخدام الأجواء والقواعد العسكرية الأميركية، خاصة إذا كانت الضربات ستقع في كل الأحوال ضمن ديناميكيات الصراع، وما إذا كانت دول الخليج ستعيد حساباتها الأمنية وتتعامل مع الواقع بمنطق الردع والموازنة الاستراتيجية، أم ستواصل التمسك بالنهج القائم على تحييد أراضيها والسعي لاحتواء التصعيد عبر المسارات الدبلوماسية.

ويؤكد جعفر سلمان أن وجود القواعد الأميركية في الخليج يبقى مسألة استراتيجية عميقة لا تتغير بسبب حادثة هنا أو تطور عابر هناك.

ويعتبر سلمان أنه في حال طال أمد الصراع واشتد، فإن ذلك سيعزز قناعة دول الخليج بأهمية هذه القواعد باعتبارها حاجز ردع لإيران.

سكينة المشيخص

كاتبة وباحثة ومقدمة برامج سعودية


اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي
https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading