سُحقوا في الشرق الأوسط.. الجهاديون ينتعشون في غرب أفريقيا

الحرة's avatar الحرة2025-06-18

لأعوام طويلة، كان ذكر “معاقل الجهاديين” يعني تلقائيا الصحارى الممتدة بين العراق وسوريا، أو وديان أفغانستان وباكستان الوعرة، أو عناوين الأخبار القادمة من غزة ولبنان.

من القاعدة إلى تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، كان الشرق الأوسط وآسيا الجنوبية مرادفا للجهاد العالمي.

لكن في عام 2025، بدأت الخريطة تتغير.

استغرق تفكيك الدولة الإسلامية  سنوات، حتى مع جهود جمعت بين أعداء تقليدييين: من الأميركيين والإيرانيين والأوروبيين، وكذلك الأتراك والأكراد.

كان داعش يعادي العالم أجمع، وقد سُحق أخيرا في عام 2019. لكن انتهى التنظيم كليا؟

يقول جاكوب زين، من مركز الدراسات الأمنية في جامعة جورج تاون، لقناة الحرة: “على الرغم من أن داعش قد ينهض ويحاول قتال الحكومة السورية الجديدة، التي كانت في السابق حليفة للقاعدة، إلا أنني أعتقد أن داعش لم يتبن حتى الآن سوى هجوم واحد ضد دمشق، وهو ليس مؤثرا بشكل كبير”.

وماذا عن سوريا في عهد أحمد الشرع الذي كان، هو نفسه، جهاديا في تنظيم القاعدة سابقا؟

يقول توم واريك، من المجلس الأطلسي، لقناة “الحرة” إن هناك عوامل متعددة.

“هل سيُعاد المقاتلون الأجانب إلى أوطانهم؟ هل سيُمنحون الجنسية السورية؟ إذا كان الأمر كذلك، فهل سيكونون أصواتا معتدلة، كما ظهر الشرع علنا؟ هل يشغلون مناصب مؤثرة في أجهزة الأمن السورية؟”.

ومع ذلك، فإن المسار الذي سلكته منظمات مثل طالبان وهيئة تحرير الشام قبل حلها، هو النأي بنفسها رسميا عن القاعدة والنشاط الجهادي لكسب قبول المجتمع الدولي.

وبتقديم عقاب الساعة إلى العام 2025، يطلّ تنظيم داعش برأسه من جديد، ولكن ليس في الشرق الأوسط حيث كان أكثر شهرة، ولا في أفغانستان وباكستان حيث غالبا ما استحوذ الإرهاب الجهادي على عناوين الصحف العالمية، بل في غرب أفريقيا، في ثلاث دول في منطقة الساحل: مالي وبوركينا فاسو والنيجر.

هذا هو المعقل الجديد لداعش، أو بالأحرى أحد فروعها. فبدلا من تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” (ISIS)، نجد تنظيم “الدولة الإسلامية في ولاية الساحل” (ISSP).

كان (ISSP)  في السابق جماعة متمردة متناثرة في مالي، وهو الآن في طريقه إلى بناء دولة أسوة بأعدائه.

بايع تنظيم الدولة الإسلامية في ولاية الساحل (ISPP) خلافة داعش في عام 2015، لكن الخلافة لم تعترف به رسميًا حتى عام 2022، عندها كانت الخلافة قد انهارت تقريبا، ولكن حتى بدون الاعتراف، كان (ISSP) يُحدث دمارا في منطقة الساحل. إلى جانب جماعات إرهابية أخرى، مثل جماعة نصر الإسلام والمسلمين (JNIM)، وهي فرع محلي لتنظيم القاعدة.

استولت جماعتا نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) وداعش (ISSP) معا على أجزاء كبيرة من مالي وبوركينا فاسو والنيجر. وقد انتشرتا بشكل واسع منذ ما يقرب من عقد من الزمان، ووسعتا نطاق سيطرتهما تدريجيا.

وقد تسبب وجود هذه التنظيمات في اضطرابات سياسية في دول الساحل. شهدت مالي وبوركينا فاسو والنيجر انقلابات عسكرية، وفي جميع الحالات، بررت الجيوش ذلك بالقول إن الحكومات المدنية لم تبذل ما يكفي من الجهد لوقف الإرهابيين. قطعت المجالس العسكرية علاقاتها مع حلفائها الغربيين السابقين، مثل فرنسا والولايات المتحدة، بل وأمرت جنودها بالمغادرة.

والآن، تعمل المجالس العسكرية في تلك البلدان مع روسيا. ويساعد المرتزقة الروس، مثل مجموعة فاغنر، المجالس العسكرية في قتال نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) وداعش (ISSP). على الرغم من ذلك، يواصل الإرهابيون كسب مزيد من الأراضي، مما يُشكل “تهديدات جسيمة للحكومات الموالية لروسيا في مالي وبوركينا فاسو والنيجر”، كما أشار جاكوب زين.

يسيطر تنظيم (ISSP) على مساحات شاسعة من الأراضي خارج المدن الكبرى. ويبدو أنهم في طريقهم لإنشاء خلافة جديدة، مقرها غرب أفريقيا.

وتشعر الولايات المتحدة بالقلق إزاء ذلك.

يقول كبار مسؤولي مكافحة الإرهاب الأميركيين إن هذا يُمثل تهديدا طويل الأمد للمصالح الأميركية. ويعتقدون أنه إذا سُمح لخلافة جديدة بالظهور في غرب أفريقيا، فقد تُستخدم نقطة انطلاق لهجمات على أجزاء أخرى من العالم. إن وجود خلافة في غرب أفريقيا لن يُزعزع استقرار غرب أفريقيا ككل فحسب، بل سيُزعزع استقرار الولايات المتحدة وأوروبا أيضا.

طُردت القوات الغربية من المنطقة. وتعمل المجالس العسكرية التي تحكم مالي وبوركينا فاسو والنيجر مع روسيا، لكن تركيز روسيا محدود لأنها غارقة في حربها  ضد أوكرانيا. ولا تستطيع روسيا توفير ما يكفي من الجنود للقضاء على الجماعات الإرهابية في منطقة الساحل.

إذا انتهت الحرب في أوكرانيا، قد تتمكن روسيا من سحق جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) وجماعة الدولة الإسلامية في بوركينا فاسو (ISPP). ولكن إلى أن يحدث ذلك، يتمتع إرهابيو غرب أفريقيا بحرية في التصرف. ومع ذلك، هل هم في طريقهم إلى أن يصبحوا تهديدا عالميا؟

وفقا لزين، فإن جماعة الدولة الإسلامية في بوركينا فاسو (ISPP) تُشكل تهديدا محليا “عنيفا للغاية”، لكن لا يبدو أن الجماعة تمتلك القدرة على شن هجمات في الخارج كما فعل تنظيم داعش عندما كان في ذروة قوته. من ناحية أخرى، فإن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) “تتوسع بسرعة على الأرض في جميع أنحاء غرب أفريقيا، بل وتهدد بأخذ بعض من عواصم غرب أفريقيا، مثل باماكو في مالي، أو حتى واغادوغو في بوركينا فاسو مستقبلًا.

ويشعر المسؤولون الأميركيون بالقلق إزاء نشاط الجهاديين في غرب أفريقيا، ويشعرون بالإحباط أيضا، لأن يبدو ألا أحد يُولي القلق الذي يشعرون به اهتماما كافيا.

وفي مقابلة مع بوليتيكو، قال بريت هولمغرين، القائم بأعمال المدير السابق للمركز الوطني لمكافحة الإرهاب: “إن تهديد داعش في أفريقيا، من وجهة نظرنا، يُحتمل أن يكون أحد أكبر التهديدات طويلة المدى للمصالح الأميركية”.

ووفقا لمسؤول أميركي في مكافحة الإرهاب لم يُكشف عن هويته، “يدرك عالم مكافحة الإرهاب الأمر، لكن واشنطن، في معظمها، منشغلة بأوكرانيا أو الصين أو أزمة إسرائيل. إذا سمحنا لهذا التهديد في منطقة الساحل بالانتشار، فسنندم على ذلك بشدة”.

الجهاد السني

بعد نشأته كفرع من تنظيم القاعدة، شهد تنظيم الدولة الإسلامية لحظة حاسمة جعلته قوة رئيسية في الشرق الأوسط. في أوج قوته، استولى تنظيم الدولة الإسلامية على ثلث سوريا و40% من العراق، وأرعب أوروبا بعمليات دهس بالسيارات، وقتل مدنيين شيعة في جميع أنحاء العالم العربي، بل واستولى على مدينة في الفلبين.

بحلول عام 2017، خسر تنظيم الدولة الإسلامية 95% من مواقعه، وتحول إلى جماعة متمردة صغيرة في المنطقة، وترك إرثا من الارتباط بالتطرف السياسي والديني في تونس.

منذ ذلك الحين، اختفى وجود الجهاديين المتطرفين السنة عن الأضواء، وحل محلهم مسلحون شيعة من الحوثيين في اليمن، وحزب الله في لبنان، والميليشات في العراق.

وهنا يطرح السؤال: هل انتهى زمن الجهاد السني؟

أين الجهاديون في الشرق الأوسط؟

في سوريا، العديد من الجهاديين الذين استحوذوا على اهتمام العالم قبل التغيير، ووجدوا أنفسهم الآن رجال دولة يحاولون بناء مجتمع جديد. هل سيحكم الشرع كجهادي يُصدّر القضية الإسلامية؟ أم سيكون لاعبًا عاديًا في النظام الدولي؟ وفقا لتوم واريك من المجلس الأطلسي، الأمر غير واضح حتى الآن.

“مع سقوط حكومة الأسد وقرار الرئيس ترامب رفع العقوبات عن سوريا، هناك أمل كبير في إمكانية معالجة هذا التهديد من خلال إجراءات تتخذها الحكومة الجديدة في دمشق”.

تقع مسؤولية تحديد مسار الجهاد في سوريا بشكل كبير على الشرع، وخاصة في ما يتعلق بالمقاتلين الأجانب.

“هل سيُعادون إلى ديارهم؟ هل سيصبحون مواطنين سوريين؟ إذا كان الأمر كذلك، فهل سيكونون أصواتا معتدلة، كما يُظهر الشرع نفسه علنا؟”.

هناك مخاوف عديدة في جميع أنحاء الشرق الأوسط، ومن أبرزها جماعة الإخوان المسلمين. وكما يلاحظ توم واريك، فإن “الإخوان المسلمين” ليسوا جماعة واحدة، إذ يعمل كل فرع منها بشكل مستقل ويتأثر بالسياقات السياسية المحلية.

وعلى الرغم من هذا التنوع، فقد شهدت العديد من الفروع نمطا مشتركا من القمع الحكومي، لا سيما في مصر، حيث حُظرت الجماعة عقب انقلاب عام 2013، وفي الأردن، حيث حُظرت أنشطتها في عام 2025.

في غضون ذلك، واصل تنظيم داعش جهوده لإعادة ترسيخ وجوده في شمال غرب العراق. ورغم أن الجماعة اشتبكت بانتظام مع قوات الأمن العراقية منذ عام 2017، لم تتمكن من تحقيق أي مكاسب إقليمية كبيرة.

الصراع في أفريقيا

بينما واجه الجهاديون صعوبة في الحصول على موطئ قدم في الشرق الأوسط، حققوا نجاحا هائلا خارجه، وخاصة في غرب أفريقيا. فما بدأ كجماعة إسلامية متمردة في مالي انتشر في جميع أنحاء منطقة الساحل إلى بوركينا فاسو والنيجر، ما أسفر عن مقتل 50 ألف شخص وتسبب في أزمة لاجئين قارب عددهم 6 ملايين شخص، تلتها انقلابات عسكرية في هذه الدول الثلاث، وهو ما أكسبها لقب “حزام الانقلابات”.

بعد الإحباط من الحلفاء الأمنيين التقليديين مثل الولايات المتحدة وفرنسا لتقديم المساعدة ضد التهديد الإسلامي، لجأت العديد من دول غرب إفريقيا إلى جماعات مثل روسيا ومجموعة فاغنر للحصول على مساعدة مقابل الموارد. وبينما كانت تكتيكات روسيا وفاغنر مختلفة عن أساليب الجنود الفرنسيين أو الأميركيين، لم يكن لهؤلاء الحلفاء الجدد تأثير يُذكر على تسارع عمليات داعش منذ عام 2019.

وعلى غرار الاستيلاء على الموصل عام 2014، حقق تنظيم الدولة الإسلامية في غرب إفريقيا مكاسب غير مسبوقة، ويسيطر على جيوب متعددة في جميع أنحاء المنطقة، وأبرزها في جنوب شرق مالي، وشرق وسط بوركينا فاسو، وجنوب غرب النيجر.

هذا أمر مثير للقلق بشكل خاص لأن السيطرة الإقليمية غالبا ما تعني مزيدا من المجندين، ما يخلق حلقة مفرغة خطيرة تعزز من خلالها الجماعات الجهادية نفسها، خاصة في البلدان ذات الوسائل الأضعف لمقاومة الإرهابيين.


اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي

اترك رد

https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading