بينما تمضي الحملة الإسرائيلية ضد إيران قدما، يرى السفير جيمس غلاسمن في ما يحدث صدمةً جيوسياسية قد تحمل في طياتها إمكانات اقتصادية غير متوقعة. في مقابلة موسّعة مع “الحرة”، قدّم غلاسمن — الذي شغل منصب مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الدبلوماسية العامة والمعلق المالي المخضرم— تقييمًا لكيف يمكن لهذه الحرب أن تعيد تشكيل أسواق الطاقة، الابتكارات في ميدان الدفاعي، وتمهّد لمرحلة التعافي بعد الحرب.
“فوجئت بأن إسرائيل مضت قدمًا دون دعم مباشر من الولايات المتحدة”، يقول غلاسمن. ويضيف: “بحسب ما يجري، من الواضح أن الإدارة الأميركية تستثمر في النجاح الظاهر للإسرائيليين لدفع الأمور نحو نوع الاتفاق الذي كانت إدارة ترامب تطمح إليه منذ البداية”.
يعتقد غلاسمن أن هذه المواجهة قد تقوي أوراق الضغط الدبلوماسي لاحتواء الطموحات النووية الإيرانية. يقول: “هناك فرصة قوية لأن نحقق الهدف السياسي، وهو إنهاء البرنامج الإيراني لتطوير سلاح نووي”.
أسواق النفط
يقلل غلاسمن من المخاوف إزاء حدوث صدمة محتملة في قطاع الطاقة. “الولايات المتحدة لن تسمح بإغلاق مضيق هرمز. مثل هذا الإغلاق سيدفع أميركا إلى دخول الحرب، لا شك في ذلك”، يقول.
ويلفت إلى تحولات بنيوية كبرى شهدها إنتاج الطاقة عالميًا: “إيران تمثل 3٪ فقط من إنتاج النفط العالمي. هي دولة مهمة في مجال النفط، لكنها ليست حاسمة إلى ذلك الحد”، يقول. “الولايات المتحدة الآن لاعب رئيسي في سوق الطاقة، وهو أمر لم يكن موجودا خلال أزمة حظر النفط في السبعينيات”.
وبفضل التقدم في مجال الحفر وتخفيف القيود المفروضة على التنقيب في الأراضي الفيدرالية، يرى غلاسمن أن الأسواق باتت أكثر قدرة على امتصاص الصدمات: “في الوقت الحالي، الولايات المتحدة هي المنتج الأول للنفط في العالم”، يقول. ويتابع: “في آخر مرة طالعت الأسعار، كان سعر البرميل عند 72 دولارًا. سعر النفط يجب أن يبقى في مستوى معين، بحيث يشجع المنتجين على الاستمرار في الحفر — بين 65 و75 دولارا، وربما 80”.
ويقدّم غلاسمن فرضية معاكسة، قائلًا: “حتى قبل 20 عامًا، لو اندلعت حرب في روسيا ثم أخرى في إيران، كان سعر البرميل سيقفز إلى أكثر من 100 دولار أيضا. اليوم ارتفعت الأسعار قليلًا ثم عادت للانخفاض. لا توجد حالة ذعر”.
الحرب القادمة
إذا لم يعد النفط هو العامل المحدد في المنطقة، فإن التكنولوجيا ستكون هي البديل. يرى غلاسمن أن شكل الحروب الحديثة تغير بفعل الطائرات المسيّرة، والذكاء الاصطناعي، والأدوات غير التقليدية.
يقول: “هناك تطور هائل في تكنولوجيا الحرب. هائل. نحن أمام ثورة”.
ويستشهد غلاسمن بحرب أوكرانيا والتجربة الإسرائيلية في استخدام المسيّرات، مركزا على مجالي الابتكار الهجومي وتكيف آليات الدفاع. يقول: “نرى تزايدًا في استخدام الطائرات المسيّرة، لكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد. أنظمة الدفاع كذلك تتطور بسرعة. الآن، تُربط المسيّرات بأسلاك دقيقة جدًا، بحيث لا يمكن التشويش عليها إلكترونيًا لأنها تعمل عبر الاتصال السلكي”.
هذه السرعة في التطور تعكس تحولًا أعمق: “لم يعد أحد بحاجة إلى ميزانيات ضخمة لبناء منظومات دفاع. أدوات غير تقليدية رخيصة باتت قادرة على مواجهة منظومات باهظة الثمن”.
ويلفت غلاسمن أيضًا إلى التحولات في مجال الحروب البحرية: “في عالم أصبحت فيه الصواريخ بهذه الأهمية الفائقة، باتت السفن الحربية شديدة الهشاشة. حاملات الطائرات – وهي أسلحة باهظة – أصبحت اليوم أكثر عرضة للخطر”.
القطاع الخاص يبتكر والعام يحدد الرهانات
يعزو غلاسمن الجزء الأكبر من هذا التحول إلى القطاع الخاص. يقول: “هذه الشركات ينبغي أن تكون أداة في يد الدولة… لكن لا شك أن شركات القطاع الخاص هاته — في إسرائيل، والولايات المتحدة، وأوروبا — تطور أسلحة مبتكرة للغاية”.
ويلفت إلى أنه حتى في الصين، ذات النظام المركزي، فإن الحكومة تدعم الشركات الخاصة لتولي زمام الأمور في مجال تطوير المسيّرات. يقول: “الحكومة الصينية تحدد الأولويات، لكنها بعد ذلك تفسح المجال للشركات. اليوم، آلاف المسيّرات في الصين توصل وجبات الغداء يوميا. وهذا نموذج جيد”.
القواعد، الأعراف، والرسوم الجمركية
بعيدًا عن ساحة المعركة، يحذّر غلاسمن من أن تقويض الأعراف الدولية لا يقل خطورة عن الصواريخ. يقول: “لدينا أعراف مستقرة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وهي تُنتهك الآن بطرق صارخة”.
وانتقد غلاسمن سياسة الرسوم الجمركية الأميركية الأخيرة، واصفًا إياها بالمزعزعة. يقول: “الرئيس يريد فرض رسوم بنسبة 20 أو 25%. لو قمنا بذلك، فسنكون أمام حرب تجارية ضخمة. الدول سترد. وسيكون ذلك كارثيًا على الاقتصاد العالمي”.
غلاسمن يربط هذه التحولات بعدم استقرار أوسع. يوضح: “عبر التاريخ، أدت الانهيارات الاقتصادية الكبرى إلى اضطرابات جيوسياسية. لم يكن من قبيل الصدفة أن الحرب العالمية الثانية اندلعت عقب الكساد الكبير”.
من الحرب إلى التعافي؟
عند سؤاله عن مستقبل النظام الإيراني، يقول غلاسمن: “فرص سقوط النظام اليوم أكبر من أي وقت خلال الخمسين عامًا الماضية. قد يؤدي ذلك إلى فوضى، لكنه قد يفتح الباب أيضًا لازدهار حقيقي في إيران، إذا تغيرت الأمور”.
غلاسمن يرى أن عملية التعافي بعد الحرب ممكنة، لكنها غير مضمونة. يقول: “غالبًا ما نشهد بعد هذا النوع من الانفجارات، فترة من الهدوء النسبي أو السلام”.
خلال المقابلة الموسعة مع “الحرة”، كانت الوضعية في قطاع غزة إحدى القضايا التي عاد إليها غلاسمن مرارًا. دعا مساعد وزير الخارجية السابق صناع القرار الأميركيين والعرب إلى اغتنام اللحظة: “هناك فرصة حقيقية الآن. سيتطلب الأمر تعاونًا إسرائيليًا، لكن التوقيت مناسب جدًا”.
لدى غلاسمن أيضا رسالة مباشرة إلى قادة الخليج: تولوا القيادة!
يقول: “أود حقًا أن أرى الدول العربية تسهم في إيجاد حل لغزة. سيتطلب ذلك أن يوافق الإسرائيليون ويشعروا بالأمان، لكن إذا تولّت الدول العربية زمام المبادرة، فسيكون لذلك أثر بالغ الإيجابية”.
ويشدّد غلاسمن على أن الحل يجب أن يجمع بين الأمن والدعم الاقتصادي: “الجواب هو الاستقرار والنمو الاقتصادي للشعب الفلسطيني. أعتقد أن هذا الجزء من الشرق الأوسط يمكن أن يزدهر. لكن ذلك يتطلب جهدًا حقيقيًا — وجهدًا يجب أن يأتي من الدول العربية”.
يختم بالإشارة إلى تحسن أداء اقتصادات المنطقة مقارنة بالفترة التي كان فيها منصبه الحكومي: “هي اليوم في وضع أفضل بكثير مما كانت عليه قبل 10 أو 15 عامًا. اقتصاداتها تنوعت. قياداتها جيدة. وهي تفهم السوق. يمكنهم أن يقوموا بذلك”.


