ثلاثة أسئلة كبرى

أهلا بكم مجددا في إحاطة إيران.

قبل بضعة أيام فقط كنا نتحدث عن مفاوضات في جنيف. أما الآن فنحن في خضم حرب شاملة، نعيش حالة من تقلبات غير مسبوقة. اليوم نحاول أن نتجاوز الضجيج ونركّز على أبرز القضايا المطروحة.

شاركوني أفكاركم وتحليلاتكم وتوقعاتكم عبر البريد الإلكتروني: ailves@mbn-news.com

 وإذا وصلتك هذه النشرة عبر إعادة توجيه، فندعوك للاشتراك فيها. ويمكنكم قراءة النسخة الإنجليزية هنا، أو متابعتي عبر الموقعين الإخباريين الرئيسيين للحرة بالعربية والإنجليزية.

اقتباس الأسبوع

“أقسى الضربات من الجيش الأميركي لم تأتِ بعد. المرحلة التالية ستكون أشد إيلاماً لإيران مما هي عليه الآن.”
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو

أبرز الأخبار

إلى أي مدى يمكن أن تمضي الولايات المتحدة وإسرائيل؟ وكم من الوقت يستطيع الإيرانيون الصمود؟ وهل ستنتقل دول الخليج أو تركيا أو أطراف أخرى في المنطقة إلى دور أكثر فاعلية؟ وماذا عن روسيا والصين، اللتين تُعدّان ظاهرياً من أصدقاء إيران؟

هذه أسئلة مهمة، لكننا سنتركها لغيرنا الآن. فلنركّز بدلاً من ذلك على إيران نفسها.

نظام يتغير

لنبدأ بحقيقة مركزية:  المرشد الأعلى علي خامنئي قد مات.
(يمكنكم قراءة مقال النعي الذي كتبته عنه هنا).

كان خامنئي الشخص الثاني فقط الذي يتولى هذا المنصب خلال تاريخ الجمهورية الإسلامية الممتد ل 47 عاماً. الكيفية التي سيتعامل بها النظام مع اختيار خليفته، وما إذا كان قادراً في الوقت نفسه على خوض حرب وجودية، ستشكّل اختباراً حاسماً.

ويزداد هذا التعقيد بسبب الخسائر الكبيرة في صفوف القيادات العليا للنظام؛ إذ قُتل العشرات من كبار المسؤولين الحكوميين والعسكريين في الضربات الجوية.

وقد تولّى مجلس مؤقت مهام القيادة وفق الدستور، لكن مجلس خبراء القيادة لا يزال مطالباً بالاجتماع لاختيار مرشد أعلى جديد (انظروا تحليلي الأكثر تفصيلاً هنا).

MBN China Tracker
مرصد النفوذ الصيني من MBN

منصة تفاعلية قائمة على البيانات ترصد تمدّد النفوذ الصيني الاقتصادي والسياسي والعسكري في الشرق الأوسط مقارنةً بالولايات المتحدة.

بعض وسائل الإعلام الغربية أعلنت بالفعل فوز مجتبى خامنئي، نجل المرشد الراحل، في هذا السباق. وربما يكون ذلك صحيحاً في نهاية المطاف، لكن من المرجح أنه من المبكر الجزم بذلك.

التقارير القادمة من طهران تشير إلى أن رجال الدين وقادة الأجهزة الأمنية منقسمون بين من يريد الإسراع في اختيار خليفة حفاظاً على الاستمرارية، ومن يفضّل الانتظار حتى تخفّ ضغوط الحرب.

نعلم أيضاً أن هناك معارضة شعبية واسعة لفكرة التوريث.  لكن يبقى السؤال: هل للرأي العام وزن فعلي؟

هناك مرشحون آخرون يملكون نفوذاً أكبر داخل مجلس الخبراء، الجهة التي يجب أن تمنح الشرعية للفائز، كما أن بعضهم يتمتع بقواعد قوة داخل المؤسسة الدينية.

من بين الأسماء التي ينبغي مراقبتها غلام حسين محسني إيجئي، رئيس السلطة القضائية وشخصية أمنية مخضرمة، إذ تجمع مسيرته بين العمل القضائي والأمني. وهو بالفعل عضو في مجلس القيادة المؤقت الثلاثي إلى جانب علي رضا أعرافي والرئيس مسعود بزشكيان، ومن المرجح أن يتولى دوراً قيادياً مهماً.

هناك أمر واحد واضح:  الحرب تدفع الحرس الثوري الإيراني إلى الواجهة.

فالحرس الثوري، بوصفه دولة داخل الدولة، يدخل هذه الحرب وهو متغلغل بعمق في الاقتصاد والبيروقراطية وهياكل السلطة المحلية في المحافظات. كما يمتلك جهازاً استخباراتياً خاصاً وشبكات إعلامية خاصة به.

ورغم خسارته بعضا من قواعده وأفراده في الحملة الجوية الأميركية-الإسرائيلية، فإن الحرب تمنحه حجة قوية لتعزيز مركزية السلطة. ومن المتوقع أن يؤكد الحرس أن الدولة التي يهيمن عليها الأمن وحدها القادرة على الدفاع عن البلاد.

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، وغلام حسين محسني إيجئي، رئيس السلطة القضائية، وعلي رضا أعرافي، نائب رئيس مجلس خبراء القيادة، يحضرون اجتماع مجلس القيادة الانتقالي في إيران. الصورة: رويترز

بغض النظر عمّن سيُعيَّن في قمة السلطة، فإن علاقته بالحرس الثوري ستكون عاملاً حاسماً. فقد يكون المرشد الجديد لاعباً مستقلاً، أو مجرد واجهة للحرس.

وقد يفضّل بعض كبار الضباط نظاماً تُديره المؤسسة الأمنية بشكل أكثر صراحة، ما قد يعني دعم شخصية مثل محسني إيجئي. أو ربما يتجهون إلى صيغة قيادة جماعية تمنح النخبة الأمنية دوراً أساسياً.

حتى لحظة كتابة هذه السطور، لم يُعلن عن خليفة رسمي. وحتى الأسئلة الأساسية، مثل كيف وأين سيجتمع مجلس الخبراء في زمن الحرب، لا تزال بلا إجابة.

هذا الغموض في قمة السلطة ينعكس على كامل النظام، من قادة الحرس الثوري الذين يحاولون استشراف تسلسل القيادة القادم، إلى المواطنين الإيرانيين الذين يتابعون التلفزيون الرسمي بحثاً عن إشارات حول من سيمسك فعلياً بزمام الحكم.

امرأة في طهران بعد اندلاع الأعمال القتالية. الصورة: رويترز.

92 مليون إيراني في قلب العاصفة

فقد الإيرانيون إمكانية الوصول إلى العالم الخارجي بعد وقت قصير من بدء الضربات الجوية. وربما كان ذلك نتيجة هجمات سيبرانية أميركية-إسرائيلية إلى جانب القصف الجوي، كما يبدو أن النظام نفسه عمد إلى قطع معظم ما تبقى من الإنترنت.

وقد استغل الإيرانيون تطبيق تلغرام وتطبيقات المراسلة الأخرى لنشر المعلومات ما دام ذلك ممكناً.

لكن في ظل شح المعلومات القادمة من داخل البلاد، ينبغي التعامل مع أي تقييم للرأي العام بحذر. ومع ذلك، يمكننا قول بعض الأمور بدرجة معقولة من الثقة.

فالمجتمع الذي يعيش هذه الحرب كان متوتراً أصلاً.
إذ امتدت احتجاجات  2025–2026 إلى مئات المدن والبلدات في أكثر من عشرين محافظة، وأسفرت عن آلاف القتلى في واحدة من أعنف حملات القمع منذ عام 1979.

الحرب الخارجية يمكن أن تؤدي إلى نتائج متناقضة. فعلى المدى القريب قد يؤدي الهجوم الخارجي والغموض حول الخلافة إلى التفاف وطني حول القيادة وتبرير تشديد القبضة الأمنية.

وسنرى قريباً ما إذا كان الإيرانيون العاديون سيلقون اللوم على القوى الأجنبية بسبب خسائرهم، أم على القيادة التي تركت البلاد مكشوفة نتيجة قراراتها.

وصلتنا روايات تفيد بأن قوات الحرس الثوري والشرطة وميليشيا الباسيج تجوب المدن لمنع اندلاع احتجاجات. لكن في المقابل وردت تقارير عن خروج إيرانيين إلى الشوارع للاحتفال بمقتل خامنئي، وهو شعور ليس مستغرباً تماماً لدى شعب شاهد مؤخرا مقتل الآلاف من مواطنيه بأوامر ذلك القائد.

على المدى الأطول، سيؤدي صراع طويل إلى تفاقم البؤس الاقتصادي، وزيادة تآكل الثقة في الدولة، وكشف الانقسامات داخل النخبة، ما قد يشعل اضطرابات واسعة بعد انقضاء الصدمة الأولى.

وسيكون الكثير معتمداً على كيفية تعامل القيادة المؤقتة مع القضايا اليومية الأساسية:
الغذاء والوقود، والتجنيد العسكري، ومعلومات الضحايا، وما إذا كانت ستعتمد سياسة التخويف القصوى أو بعض التنازلات المحدودة لإبقاء الوضع تحت السيطرة.

من الممكن أن تجد شبكات الاحتجاج التي تشكّلت خلال الأشهر الماضية طرقاً للظهور مجدداً في ظل الحرب. وإذا حدث ذلك، فيبدو أنها ستكون بمفردها إلى حد كبير.

فباستثناء بعض الضربات على قواعد الحرس الثوري ومقار المحاكم الثورية، يبدو أن الولايات المتحدة وإسرائيل تركزان بدرجة كبيرة على الأهداف العسكرية الواضحة: المنشآت النووية، والصواريخ ومنصات إطلاقها، والقطع البحرية.

ومن دون انشقاقات واسعة داخل قوات النظام، يصعب تصور كيف يمكن لمتظاهرين عُزّل أن يصمدوا أمام رجال مدججون بالسلاح.

مهسا جينا أميني، الفتاة الكردية التي أشعل مقتلها على يد «شرطة الأخلاق» التابعة للنظام احتجاجات «المرأة، الحياة، الحرية» في عامي 2022 و2023.
الصورة: رويترز.

إيرانيون ولكن ليسوا فرساً

يشكّل الفرس نحو 61% من السكان، بينما تتوزع النسبة المتبقية بين الأكراد والبلوش والعرب وأقليات أخرى.

هذه الجماعات تسكن مناطق حدودية وممرات طاقة مهمة، وقد تتحول إما إلى مراكز مقاومة أو إلى مناطق عازلة تخضع لرقابة أمنية مشددة تساعد النظام على ضبط بقية البلاد.

السؤال: هل تبقى هذه المجتمعات مجزأة بفعل الجغرافيا والأيديولوجيا والانقسامات الحزبية، أم تجد أرضية مشتركة كافية لتحويل الحرب إلى تمرد داخلي أوسع؟

المناطق الكردية في العراق وإيران تقع على خطوط إمداد وطرق تهريب حيوية، وتواجه الأحزاب الكردية ضغوطاً شديدة من طهران ومن خصومها في آن واحد.

وتفيد تقارير لـ CNN وغيرها بأن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية تعمل على تسليح القوات الكردية الإيرانية للمساعدة في إشعال انتفاضة.

فهل تستغل الحركات الكردية هذه اللحظة لفتح جبهة شمالية ضد النظام، أم تتراجع خوفاً من أن تُترك مرة أخرى لمصيرها وتُقمع؟

MBN Alhurra
أجندة MBN

نشرة أسبوعية تقدّم رؤى وتحليلات من داخل دوائر واشنطن حول قضايا الشرق الأوسط.

وهناك عامل آخر يزيد المشهد تعقيداً. فقد أدى الدور المحتمل للأكراد (وجماعات عرقية أخرى) إلى انقسام لافت داخل المعارضة الإيرانية.

فعندما أعلنت عدة جماعات كردية تشكيل تحالف يهدف إلى “إسقاط الجمهورية الإسلامية”، هاجمها فوراً شخص قد يُفترض أنه حليف طبيعي لها:
رضا بهلوي، نجل الشاه الذي أُطيح به عام 1979.

فوالده جعل من قمع الأكراد سياسة أساسية في نظامه، ويبدو أن بهلوي الابن يميل إلى النهج ذاته، إذ قال إن الأكراد الذين أعلنوا هذه الخطوة “قدموا ادعاءات لا أساس لها ومشينة ضد وحدة الأراضي الإيرانية ووحدة الأمة”.

ويرى المحلل المقيم في واشنطن كريم سجادبور أن “القومية الإيرانية التعددية” هي القوة الأكثر جدية في مواجهة النظام الإسلامي، وأن الأنباء عن دعم الـ CIA للأكراد قد “تثير قلق كثير من الإيرانيين وتضعف معارضة النظام”.

ربما يكون على حق.
هل ستتوحد الأقليات المختلفة في إيران ضد خصومها المشتركين؟ وهل سيقود ضعف السيطرة المركزية إلى تفكك أعمق؟  تلكم من أهم الأسئلة التي ينبغي مراقبتها مع تطور الأحداث.

الخاتمة

أخيراً، دعونا ننظر إلى دور مجموعة أثبتت بالفعل قدرتها على المقاومة رغم الصعاب: جيل الشباب الإيراني.

فهم يشكلون نسبة كبيرة من بين الذين فقدوا حياتهم في موجة الاحتجاجات الأخيرة، لكن تلك ليست المرة الأولى التي يظهرون فيها تحديهم للنظام.

في بيانه الأول عند اندلاع الأعمال القتالية، دعا الرئيس دونالد ترامب الإيرانيين إلى “تولي زمام حكومتكم”، قائلاً:
“إنها ستكون لكم إن أخذتموها.”

لكن كما أظهرت المجازر الأخيرة بوضوح، فإن قول ذلك أسهل بكثير من فعله.

فإذا واصلت الولايات المتحدة وإسرائيل الاعتماد على القوة الجوية فقط لفرض أجندتهما، فمن شبه المؤكد أن الحرس الثوري والباسيج وقوات الأمن الداخلي سيحتفظون بالقدرة على قمع المعارضة الداخلية.

جيل تشكّل تحت وطأة العقوبات والاحتجاجات والإنترنت سيقرر الآن:
هل يصمد، أم ينسحب من السياسة، أم يخاطر بجولة جديدة من المواجهة مع أجهزة أمن لا تتردد في القتل؟

يمكنكم قراءة هذه الشهادة الشخصية المؤثرة عن قوة الشباب الإيراني في مواجهة النظام.

فهل سيرى هذا الجيل في الحرب سبباً للانتفاض، أم سبباً للصمت والاختباء؟

أندريس إلفيس

أندريس إلفيس هو مدير المبادرات الاستراتيجية في مؤسسة الشرق الأوسط للإرسال. وتشمل خبراته الصحفية عقدين في بي بي سي وراديو أوروبا الحرة.


اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي
https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading