لم تكن عائلة وحيد بن عامريان تعرف أن ابنها سيُعدم في ذلك الصباح. لم يصلها إخطار من المحكمة، ولم يُبلّغ محاموه بتنفيذ الحكم، فيما كان ملفه لا يزال منظورا أمام المحكمة العليا. علمت العائلة من وسائل الإعلام الرسمية أن الطالب المتفوق في الهندسة الكهربائية أُعدم في الرابع من أبريل الماضي مع خمسة سجناء آخرين.
قبل إعدامه، كان وحيد قد أرسل إلى والدته رسالته الأخيرة: “أيُّ شرفٍ أعظم من أن ندفع أنا وأنتِ يا أمي ثمنَ الصمود، وأن نتحمّل هذا الألم، ونكون قد أحدثنا تأثيرا في مصير شعبنا؟”.
لم تكن قصة وحيد استثناءً. فهي تكشف مسارا متكررا في القضايا السياسية داخل إيران، كما تصفه منظمات حقوقية ومحامون إيرانيون: اعتقال أمني، وحبس انفرادي، وتحقيقات مغلقة، ومحاكمات سريعة أمام محاكم ثورية، ثم أحكام قد تنتهي بحبل المشنقة.
أما التهم، فتتراوح بين المشاركة في احتجاجات شعبية أو دعم قوى معارضة للنظام، لكنها تُصاغ قانونيا تحت عناوين مستمدة من قانون العقوبات الإسلامي الإيراني، مثل “محاربة الله”، و”الإفساد في الأرض”، و”إهانة المرشد الأعلى”، و”الإخلال بالنظام العام”، و”البغي” أو ما يُعرف بالتمرد المسلح.
وفقا للتقرير السنوي لمنظمة العفو الدولية حول عقوبة الإعدام لعام 2025، نفذت السلطات الإيرانية ما لا يقل عن 2159 عملية إعدام خلال عام واحد فقط، وهو أعلى رقم ترصده المنظمة في إيران منذ بدء توثيقها المنهجي عام 1981.
كما كانت إيران مسؤولة عن نحو 80 في المئة من جميع الإعدامات الموثقة عالميا خلال العام نفسه. ولا تشمل هذه الأرقام الحالات التي تعذر على المنظمات الحقوقية توثيقها بسبب السرية التي تحيط بعمليات التنفيذ داخل السجون الإيرانية.
وبحسب مصادر حقوقية تحدثت لـ”الحرة”، نفذت السلطات الإيرانية خلال الشهر الماضي وحده أكثر من 200 عملية إعدام، في مؤشر إلى أن وتيرة الإعدامات لم تتراجع بعد الرقم القياسي الذي سجّلته البلاد عام 2025.
يشرح المحامي الإيراني حسين رئيسي، الذي يتابع عشرات الملفات من مكتبه في كندا بعد مغادرته إيران نتيجة الضغوط التي تعرض لها، أن السلطات الإيرانية تنطلق من مبدأ اعتبار الدولة الإسلامية تجسيدا للإرادة الإلهية، ما يجعل المعارضة السياسية، من وجهة نظر النظام، جريمة بحق الدولة وبحق الله في آن واحد.
يقول رئيسي: “يستخدم النظام مفهومي محاربة الله والإفساد في الأرض لتجريم النشاط السياسي والاجتماعي المعارض، وتبرير إصدار المزيد من أحكام الإعدام”.
لفهم جذور هذه المنظومة، لا بد من العودة إلى السنوات الأولى التي أعقبت الثورة الإسلامية عام 1979. فقد أُنشئت المحاكم الثورية أساسا لمحاكمة مسؤولي النظام السابق، ونُفذت آنذاك أحكام إعدام استنادا إلى فتوى أصدرها آية الله الخميني، أجازت إعدام كل من يتعاون مع من وصفهم بـ”المنافقين”، بغض النظر عن طبيعة القضية أو تفاصيلها.
وبعد أكثر من أربعة عقود، تحولت هذه المحاكم إلى واحدة من أكثر المؤسسات القضائية نفوذا في البلاد.
ويرى قانونيون وحقوقيون أن تلك الفتوى لا تزال تشكل مرجعية فكرية وقانونية مؤثرة في عمل القضاء الثوري الإيراني، إذ إن المادة 286 من قانون العقوبات الإسلامي، التي تُعد إحدى الركائز الأساسية لتجريم المعارضين تحت تهمة “الإفساد في الأرض”، تستند في جوهرها إلى المفاهيم ذاتها التي أرستها الفتوى.
اليوم، تنظر المحاكم الثورية في ملفات الأمن القومي، والتجسس، والنشاط السياسي، والاحتجاجات الشعبية، إضافة إلى قضايا “الإفساد في الأرض” و”محاربة الله”.
وتؤكد منظمة هيومن رايتس ووتش أن هذه المحاكم تعاني بصورة مزمنة من غياب معايير المحاكمة العادلة، بما في ذلك حرمان المتهمين من الوصول الفوري إلى محامين مستقلين، والاعتماد على اعترافات قسرية، وعقد جلسات قصيرة ومغلقة أمام الرأي العام.
وبعد احتجاجات “المرأة، الحياة، الحرية” التي اندلعت إثر وفاة مهسا أميني عام 2022، دخل استخدام عقوبة الإعدام مرحلة جديدة. فبحسب منظمة العفو الدولية، لجأت السلطات الإيرانية بصورة متزايدة إلى تنفيذ أحكام الإعدام بحق متظاهرين ومعارضين سياسيين، في محاكمات وصفتها المنظمة بأنها “صورية” وتفتقر إلى الحد الأدنى من ضمانات العدالة. كما وثقت المنظمة عشرات الحالات لأشخاص واجهوا تهما قد تؤدي إلى الإعدام بسبب مشاركتهم في احتجاجات أو أنشطة معارضة.
وتشير بيانات منظمات حقوقية إلى أن الأقليات العرقية، ولا سيما البلوش والأكراد، تتأثر بصورة غير متناسبة بأحكام الإعدام مقارنة بغيرها من المكونات السكانية.
ويلفت حسين رئيسي إلى تحول آخر يراه لافتا في سلوك السلطة القضائية الإيرانية. فبعد سنوات طويلة كانت خلالها عمليات الإعدام تُنفذ بعيداً عن الأضواء، باتت السلطات اليوم تعلن عن كثير من تلك الأحكام بعد تنفيذها عبر وسائل إعلامها الرسمية، ولا سيما وكالة “ميزان” التابعة للسلطة القضائية.
ويقول رئيسي إن “الأمر مختلف اليوم تماما. يقوم النظام بهذه الممارسات للضغط على المجتمع ومنع أي حراك اجتماعي محتمل.” ويرى أن الحرب الأخيرة وفرت للسلطات الإيرانية فرصة إضافية لتشديد القبضة الأمنية وتوسيع استخدام عقوبة الإعدام.
وعند مقارنة ملفات متعددة وثقتها منظمات حقوقية، يظهر تسلسل متكرر يكاد يتحول إلى نموذج ثابت: اعتقال، ثم حبس انفرادي، ثم تحقيق أمني، فاعترافات، فمحكمة ثورية، ثم حكم بالإعدام. ويؤكد رئيسي أن كثيراً من المتهمين في القضايا السياسية لا يحصلون على محاكمة عادلة، ولا يُسمح لهم باختيار محاميهم بحرية. كما يوضح أن القانون الإيراني يفرض في بعض القضايا الأمنية الاستعانة بمحامين معتمدين من السلطة القضائية حصراً، الأمر الذي يحرم معظم المحامين المستقلين من الوصول إلى هذه الملفات.
وبحسب مصادر إيرانية مطلعة تحدثت لـ”الحرة”، اعتُقل خلال الفترة الأخيرة نحو 30 محاميا، لا يزال بعضهم في السجن بسبب ممارستهم مهنتهم باستقلالية أو سعيهم للدفاع عن السجناء السياسيين.
في قضية وحيد بن عامريان، يقول أحد أقاربه لـ”الحرة” إن المحامين كانوا لا يزالون بانتظار قرار المحكمة العليا عندما نُفذ الحكم بصورة مفاجئة. كان وحيد، الطالب المتفوق في الهندسة الكهربائية، قد اعتُقل للمرة الأولى عام 2018 وصدر بحقه حكم بالسجن، قبل أن يُتهم لاحقاً بالتحريض ضد النظام، لتصدر المحكمة بحقه حكماً بالإعدام بتهمة “محاربة الله”. ويضيف قريبه أن المحامين لم يتمكنوا من لقاء المتهمين إلا داخل قاعة المحكمة، وأن المتهمين الستة تقاسموا ما بين ساعة وساعتين فقط للدفاع عن أنفسهم جميعاً.
ويؤكد رئيسي أن هذا النمط تكرر بالفعل في عدد من القضايا الحديثة، مضيفاً أن النظام بات يتعامل مع أي معارضة محتملة باعتبارها تهديداً أمنياً ينبغي احتواؤه عبر الاعتقالات وأحكام الإعدام.
لكن مراجعة البيانات المتاحة عبر الإنترنت، إلى جانب المعلومات التي حصلت عليها “الحرة” من مصادر حقوقية، تكشف نمطاً آخر أكثر إثارة للاهتمام. فالأسماء نفسها تتكرر بصورة لافتة في ملفات المحاكمات السياسية وأحكام الإعدام، سواء على مستوى القضاة أو المحاكم الثورية أو الأجهزة الأمنية المشرفة على التحقيقات.
ويشير تحليل أولي للشبكة القضائية المرتبطة بهذه القضايا إلى احتمال تمركز نسبة كبيرة من أحكام الإعدام السياسية داخل دائرة محدودة من القضاة والمحاكم، بدلاً من توزيعها على نطاق واسع داخل المنظومة القضائية الإيرانية. كما يتيح الربط بين بيانات السجناء والقضاة والمحاكم والسجون بناء خريطة للعلاقات المؤسسية داخل منظومة الإعدام، بما يساعد على تحديد الجهات والمسؤولين الأكثر حضوراً في القضايا التي تنتهي بأحكام الموت، ورصد الأنماط المتكررة في إصدار الأحكام وتنفيذها.
وتشير البيانات إلى أن أربعة قضاة رئيسيين في الفروع 15 و26 و28 من المحكمة الثورية في طهران أشرفوا وحدهم على مئات القضايا السياسية، وأصدروا عشرات أحكام الإعدام وآلاف سنوات السجن بحق معارضين ونشطاء.
فبين مارس 2016 وديسمبر 2020، نظرت هذه المحاكم في ما لا يقل عن 836 قضية سياسية، وأصدرت 76 حكماً بالإعدام وما يقارب 3994 سنة سجن بحق معارضين ومنتقدين للنظام.
وتتكرر أسماء أربعة قضاة بصورة خاصة في ملفات أحكام الإعدام السياسية: أبو القاسم صلواتي، ومحمد مقيسه، ومحمد رضا أموزاد، وإيمان أفشاري.
ويكشف التحليل الشامل للسجلات المتوفرة أن ما يُوصف عادة بـ”القضاء الإيراني” لا يبدو كتلة مؤسساتية متجانسة، بل شبكة أكثر ضيقاً وتركيزاً، تقف وراء جزء كبير من أحكام الإعدام السياسية في البلاد.
لكن القصة لا تنتهي عند تنفيذ الحكم. يقول قريب وحيد إن السلطات لم تسلم الجثامين إلى العائلات، كما منعت إقامة مراسم عزاء عامة، وأخضعت الأسر لضغوط متواصلة، وصلت إلى حد منع الجيران والأقارب من تقديم واجب العزاء. ويبقى السؤال الأصعب الذي يواجه عائلة وحيد، كما تواجهه عشرات العائلات الأخرى في إيران: أين دُفن أبناؤهم؟

رندة جباعي
رندا جباعي صحافية استقصائية تتمتع بخبرة مهنية تزيد على عشرين عامًا في العمل الإعلامي. انضمت عام 2020 إلى فريق التحقيقات في قناة الحرة كمراسلةاستقصائية، حيث نال عملها في شبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN) جوائز عدة في مسابقات دولية مرموقة، من بينها AIB وNew York Festivals TV & Film Awards وTelly Awards. شغلت سابقًا مناصب متعددة، منها منتجة في تلفزيون المستقبل، ومراسلة في صحيفة السفير، ورئيسة تحرير لعدة مواقع إلكترونية ومجلات ومقدمة برامج في إذاعة صوت لبنان. تحمل درجتي ماجستير في الحقوق من الجامعة اللبنانية وفي الصحافة من جامعة باريس 2 بانتيون–أساس.


