3 أسباب تمنع الخليج من ضرب إيران

Picture: Smoke rises from the BAPCO refinery in Bahrain (March 9, 2026 – Reuters)

أكثر من ألفي هجوم بالصواريخ والطائرات المسيّرة أطلقت على دول الخليج العربية منذ بداية الهجمات الإميركية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير الماضي حتى الآن، في تصعيد عسكري غير مسبوق. فلماذا لا ترد هذه الدول على هجمات طهران بطريقة مماثلة؟

قد لا تنظر العواصم الخليجية  إلى المسألة بهذه البساطة. فقرار الرد في حسابات صُنّاع القرار الخليجيين يرتبط بتقدير أوسع يتعلق بشكل الحرب التالية، وكلفة توسيعها، وما إذا كان الرد المباشر سيكبح الخطر أم يدفعه إلى مستوى أكثر اتساعا. هذا ما تعكسه البيانات الرسمية الخليجية منذ الأيام الأولى للحرب. فقد جمعت بين إدانة واضحة للهجمات، وتشديد على السيادة وحق الدفاع عن النفس، من دون الانتقال إلى تبني رد هجومي مباشر.

قالت الإمارات إنها “لا تسعى إلى الانجرار إلى صراعات أو تصعيد”، فيما شدد مجلس التعاون على أن أمن دوله “غير قابل للمساومة”، مع التركيز في الوقت نفسه على حماية الملاحة والمنشآت الحيوية واستقرار أسواق الطاقة.

لكن ما يبدو على أنه شكل من أشكال ضبط النفس تحكمه ثلاثة عوامل رئيسية، بحسب خبراء تحدثت إليهم “الحرة”.

تجنب الانزلاق إلى حرب إقليمية أوسع

تدرك العواصم الخليجية، وفقا للخبراء، أن الرد المباشر على إيران يتجاوز مجرد توجيه ضربة انتقامية، بل ينطوي على إعادة تحديد لمكانتها في هذا الصراع. هذا التحول سيغير من طبيعة المواجهة ويوسع قائمة الأهداف المحتملة.

الأخطر من ذلك هو أن مثل هذا الرد قد يوفر لطهران الذريعة اللازمة لتحويل منطقة الخليج بحد ذاتها إلى ساحة المعركة الرئيسية.

يشير السفير الأميركي السابق، جيمس جيفري، في حديثه مع “الحرة” إلى أن معظم دول الخليج، على الرغم من تعرضها للهجمات الإيرانية وتضرر صادراتها النفطية، “لا تريد أن تبدو” طرفا في القتال، كما أنها لا تريد أن “ترتبط بعملية عسكرية إسرائيلية”. بدلا من ذلك، تفضل هذه الدول الاحتفاظ بهامش مناورة يسمح لها بلعب دور الوسيط في أي مفاوضات محتملة لإنهاء الحرب.

هذا الهامش هو ما يدفع العواصم الخليجية نحو التهدئة بدلا من التصعيد، وتتعامل مع موضوع الحرب الدائرة بين إيران، والولايات المتحدة وإسرائيل، كـ”جبهة واحدة” سياسيا ودبلوماسيا، وفقا لرئيسة مركز الإمارات للسياسات، ابتسام الكتبي، التي تصف الموقف الخليجي بأنه أقرب إلى “منظومة تضامن سياسي وردع دفاعي مشترك” منه إلى حلف عسكري متجانس جاهز لقرار قتالي موحد.

ويؤيدها اللواء الركن المتقاعد محمد القبيبان، الذي يرى أن التهديد الحالي “يهدد كامل المنظومة”. ومع ذلك، تركز الاستجابة الخليجية على “الدفاع عن أجوائها” وتعزيز التعاون في القيادة والسيطرة وتبادل المعلومات.

كلفة الرد العسكري

السؤال هنا لا يتعلق بقدرة دول الخليج على الرد بقدر ما يتعلق بجدواه: هل سيغير ميزان القوة فعلا؟، أم سيضيف كلفة أكبر من أثره؟

في ظل الانخراط العسكري الأميركي – الإسرائيلي القائم، تبدو مساهمة أي دور هجومي خليجي محدودة. وكما وضفها جيفري، فإن هذه المشاركة  “لن تضيف” سوى “القليل” مقارنة بحجم القوة المستخدمة بالفعل ضد إيران، خصوصا أن معظم دول الخليج لا تمتلك مخزونا مؤثرا من الصواريخ بعيدة المدى القادرة على ضرب أهداف داخل إيران.

في المقابل، تواجه هذه الدول تهديدا مباشرا ومتكررا من الصواريخ والطائرات المسيّرة، ما يجعل توظيف قدراتها الجوية في الدفاع عن الأجواء والمنشآت الحيوية أكثر إلحاحا من استخدامها في عمليات هجومية بعيدة.

وبحسب المحلل السياسي مساعد المغنم، لا يزال سقف ضبط النفس الخليجي مرتفعا، لكنه قد ينخفض إذا تجاوزت الهجمات حد الضغط إلى “شلّ الدولة” أو إصابة بنيتها الحيوية.

ومن زاوية أخرى، يرى القبيبان أن ما حدث كشف خللا في أداء المظلة الأمنية الأميركية، لا سيما أن الهجوم جرى “دون تنسيق مع دول مجلس التعاون”، في ما وصفه بـ”سقطة واضحة” من الجانب الأميركي. لكن ذلك لا يعني، بالضرورة، اتجاه العواصم الخليجية إلى فك شراكتها مع واشنطن، بقدر ما يعكس حاجة متزايدة إلى مراجعة هذا الدور وبناء دفاع خليجي أكثر تكاملا.

كلفة التصعيد على الاقتصاد

أما العامل الثالث، والأثقل في الحسابات الخليجية، فهو كلفة التصعيد على الاقتصاد نفسه، واحتمال تحوله إلى “حرب استنزاف ضد البنية التحتية والاقتصاد”، بحسب الكتبي.

فالمسألة لا تتعلق بالنفط فقط، بل بمنظومة مترابطة تشمل الموانئ والمطارات والخدمات اللوجستية ومحطات التحلية والأسواق المالية والتي أصبحت مؤخرا ضمن قائمة الأهداف الإيرانية المعلنة.
وقد بدأت هذه الكلفة بالظهور سريعا.

مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من النفط العالمي، هو مصدر الأهمية الاستراتيجية للخليج، لكنه في الوقت نفسه أحد أكبر مصادر هشاشته مع كل تصعيد. ومع دخول الحرب أسبوعها الثالث، انخفضت صادرات النفط من ثماني دول خليجية بنحو 61%، حيث بلغت 9.71 ملايين برميل يوميا في الأسبوع المنتهي في 15 مارس، مقارنة بـ25.13 مليونا في فبراير.

وكالة الطاقة الدولية قالت إن الحرب التي بدأت في 28 فبراير خفّضت تدفقات النفط والمنتجات من الخليج إلى أقل من 10% من مستويات ما قبل النزاع، ما دفعها إلى إطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطيات الطارئة، وهو أكبر سحب في تاريخها.

كما أن التجربة السابقة تعطي مؤشرا واضحا على حجم المخاطر.

ففي هجمات 2019 على منشآت بقيق وخريص النفطية في السعودية، تعطّل نحو 5.7 ملايين برميل يوميا من الإنتاج مؤقتا، أي أكثر من 5% من الإمدادات العالمية آنذاك.

ولعل المؤشرات الاقتصادية الأوضح جاءت من ما وراء النفط نفسه وتأثر معظم بورصات الخليج التي أغلقت على انخفاض مع دخول الحرب أسبوعها الثالث. وتراجعت السعودية 0.1%، وقطر 0.2%، والبحرين 0.5%، والكويت 0.1%، وسلطنة عمان 0.4%.

وتسببت الحرب في اضطراب واسع لحركة الطيران، مع تجاوز عدد الرحلات الملغاة 40 ألف رحلة منذ 28 فبراير، وفق رويترز، في وقت تحدثت فيه تقديرات قطاعية عن إلغاء أكثر من 6 ملايين مقعد جوي حتى منتصف مارس.

هذا الضغط امتد سريعا إلى قطاع الطيران نتيجة استهداف المطارات وإغلاق بعض المجالات الجوية. فقد أشارت “آياتا” إلى ارتفاع عدم اليقين في حركة الطيران وكلفة الوقود، بينما أظهرت بيانات يوروكنترول تراجع الرحلات بين أوروبا والشرق الأوسط بنسبة 66% في الأيام الأولى للحرب، كما قُدّرت الرحلات الملغاة بأكثر من 21 ألف رحلة منذ بدء التصعيد.

وفي الخلفية، ينعكس ذلك على السياحة والخدمات، مع تراجع الطلب وارتفاع كلفة السفر والتأمين، وهو ما يضغط على قطاعات الفنادق والتجزئة والفعاليات حيث أُعلن إلغاء سباقي الفورمولا 1 في البحرين والسعودية المقررَين في أبريل بسبب الحرب.

ما الذي قد يغير هذه الحسابات؟

إذا انتقلت الهجمات من مستوى الضغط العسكري إلى استهداف واسع للبنية التحتية أو المدنيين، أو تكررت الاختراقات الدفاعية بشكل يكشف هشاشة الحماية، يتوقع الخبراء أن تغير دول الخليج حساباتها سريعا.

وفي هذه الحالة، قد لا يكون التحول نحو حرب شاملة، بل نحو ردود محدودة ومحسوبة تهدف إلى إعادة رسم خطوط الردع.

ولكن حتى الآن، يبدو أن كفة التريث لا تزال أرجح.

عزت وجدي

عزت وجدي صحفي ومنتج أفلام وثائقية يمني يقيم في العاصمة الأميركية واشنطن، يحمل درجة الماجستير في الدراسات الإعلامية

 


اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي
https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading