قبل حرب إيران كانت القواعد التي تحكم الملاحة في مضيق هرمز واضحة، لكن هذه الحرب غيّرت الكثير.
ومع الإغلاق العملي للمعبر من قبل إيران، وإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب”، الثلاثاء الماضي، تعليق الضربات العسكرية ضد طهران لمدة أسبوعين، ودعوته إلى “فتح كامل وفوري وآمن للمضيق”، لم يعد الخلاف يتعلّق بمن يسيطر على الممر، بل بما إذا كانت قواعد الملاحة الدولية نفسها لا تزال قائمة.
عبر هذا المضيق تمر 4.5% من التجارة العالمية، وخُمس تجارة النفط والغاز. لكن مضيق هرمز ليس ممراً استراتيجياً فحسب، فهو بنية تحتية عالمية خفية: كابلات إنترنت بحرية، خطوط إمداد نفط وغاز، شرايين تجارية تربط الخليج بآسيا وأوروبا.
يقول الباحث الاقتصادي عادل صبري، في حديثه مع “الحرة”، إن تعطّل حركة المرور في هذا الممر قد يحول دون وصول الشحنات إلى الأسواق العالمية بالكامل.
منذ عام 1982، يحكم المضيق نظام قانوني مستقر عبر اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، التي أرست مبدأ “حق المرور العابر”: حرية ملاحة مطلقة في المضائق الدولية دون قيود أو رسوم، حتى في أوقات التوتر.
لا يمنح هذا المبدأ الدول المشاطئة حق التحكم في المرور، بل يُلزمها بضمان استمراره.
أستاذ القانون البحري في كلية الحرب البحرية الأميركية جيمس كراسكا يؤكد أن حرية المرور في المضائق الدولية حرية مطلقة، لا يمكن لأي طرف تعطيلها أو فرض شروط عليها. وأي تعطيل، وفق ما قاله لـ”الحرة”، يُعد خرقاً صريحاً للقانون الدولي يترتب عليه التزام بوقف الانتهاك والتعويض.
خلال الأسابيع الماضية، بدأت مؤشرات تعطيل فعلي لحركة الملاحة، دون إعلان رسمي عن إغلاق، لكن مع تغيّر واضح في سلوك السفن وشركات الشحن.
يصف صبري المشهد بقوله إن الإغلاق غير معلن، لكنه قائم من حيث التأثي، مشيراً إلى أن التهديد وحده يكفي لتعطيل الملاحة. استناداً إلى بيانات رويترز وS&P Global، بقيت نحو 200 سفينة عالقة قرب سواحل الخليج في مطلع مارس 2026، مع نحو 40 ناقلة نفط داخله. وبذلك، تراجعت الأرقام لاحقاً، لكن شركات الشحن باتت تُعيد تقييم مساراتها، وتؤجّل رحلات، أو تغيّر وجهتها بالكامل.
في خضم هذا التصعيد، برز مقترح إقليمي يقضي بتطبيق نموذج مشابه لقناة السويس على مضيق هرمز، بما يعني تحويله من ممر مفتوح إلى مرفق مُدار برسوم عبور. لكن الفارق القانوني بين الحالتين جوهري.
يوضح صبري أن قناة السويس ممر صناعي يقع بالكامل داخل السيادة المصرية، ما يمنح مصر حق إدارته وفرض رسوم عليه. أما مضيق هرمز فهو ممر طبيعي دولي لا يخضع لسيادة دولة واحدة، وبالتالي لا يمكن تسعيره قانونياً.
ومن جهته، يلفت كراسكا إلى أن الدول المشاطئة للمضائق الدولية لا تملك أصلاً صلاحية فرض رسوم على المرور، لأن حق المرور العابر يظل مكفولاً لجميع الدول بموجب القانون الدولي.
المشكلة لا تتوقف عند هرمز.
إذا كُسرت هذه القاعدة القانونية، فقد يمتد الأثر إلى مضائق أخرى حول العالم، كما يقول خبراء، مثل مضيق ملقا، الذي يربط المحيط الهندي ببحر الصين الجنوبي، والذي يُدار عبر تعاون دولي يهدف إلى تسهيل الملاحة.
في هذا السياق، يحذر صبري من أن فرض رسوم على مرور السفن في هرمز سيمنح دولاً أخرى مسوّغاً للمطالبة بالمثل في مضائقها، ما قد يفتح الطريق أمام رسوم في جبل طارق، وإعادة تسعير ملقا، ونماذج مشابهة في باب المندب، لتتحوّل بذلك شرايين التجارة العالمية من نظام مفتوح إلى شبكة من نقاط عبور مدفوعة، كما يؤكد.
ثلاثة أطراف تتصادم الآن على هرمز: واشنطن التي تسعى لإبقاء الممر مفتوحاً كما كان، وإيران التي تسعى لفرض رسوم على المرور عبره، ودول الخليج التي تراقب الوضع بعد أن تأثرت كثيراً بإغلاق المضيق. هرمز لم يعد ساحة اختبار لموازين القوى فحسب. بات اختباراً لقدرة النظام الدولي نفسه على الصمود.

هدى البوكيلي
هدى البوكيلي صحفية استقصائية مغربية مقيمة في الولايات المتحدة، حائزة على عدة جوائز دولية. تحمل شهادة ماجستير في الصحافة والإعلام المؤسساتي من المعهد العالي للإعلام والاتصال بالرباط، وإجازة في علوم الاقتصاد من جامعة القاضي عياض بمراكش.


