ينتشر مسلحون من مليشيات فاطميون وزينبيون وفصائل عراقية في إيران وفق سياق خطة أمنية أعدها الحرس الثوري الإيراني استعدادا لمواجهة أي محاولة لانتفاضة شعبية أو حرب برية قد تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل.
ووفق معلومات خاصة حصل عليها مراسل “الحرة” في إقليم كردستان العراق، من مصادر إيرانية تضم قيادات في المعارضة وناشطين من داخل إيران، قسم الحرس الثوري إيران إلى ثلاثة محاور أمنية، وأوكلت مهمة حفظ الأمن الداخلي فيها لثلاث مجموعة هي مليشيات فاطميون وعناصرها من الأفغان الشيعة، وزينبيون وعناصرها من الباكستانيين الشيعة، وفصائل عراقية وهي كتائب حزب الله العراق وحركة النجباء ومنظمة بدر، وكتائب الإمام علي وسيد الشهداء وعصائب أهل الحق وأنصار الله الأوفياء.
وتشير المصادر ذاتها الى أن مليشيات فاطميون تتولى مهامها حسب الخطة في وسط إيران وجزء من شرقها الى جانب شمالها بما في ذلك العاصمة طهران. وتتولى زينبيون مهام أمنية في شرق إيران وجنوب شرقها، في إقليم بلوشستان وساحلها على خليج عمان، بينما تتمركز المليشيات العراقية، وفق الخطة، في الأحواز وقسم من مدن كردستان إيران خاصة محافظات إيلام وكرمانشاه وسنه “سنندج”.
وأكدت المصادر أن الحرس الثوري بعد تعرضه لضربات مكثفة من الطائرات الأميركية والإسرائيلية خلال حرب الأربعين يوما الماضية، وفقدانه كثيرا من عناصره، وتعرض قواعده للتدمير، واستعدادا لحرب برية أو اندلاع انتفاضة شعبية، قرر استخدام قسم من أذرعه الخارجية في الداخل الإيراني لتنفيذ مهام وعمليات عسكرية الى جانب الحرس الثوري والاستخبارات الإيرانية والباسيج، خاصة وأن هذه المليشيات لديها خبرة كبيرة في حرب المدن وعمليات الكر والفر لمشاركتها في الحرب الأهلية السورية لنحو 13 عاما، وكذلك تنفيذها لعمليات ميدانية داخل العراق.
وتشمل مهام هذه المليشيات، بحسب المصادر ذاتها، نصب نقاط تفتيش على الطرق ووسط الأحياء في المدن الإيرانية، والمشاركة في حماية المنشآت الحيوية والعسكرية، إلى جانب تنفيذ عمليات مداهمة وتفتيش واعتقالات في صفوف الإيرانيين بتهمة التعاون مع أميركا وإسرائيل والمعارضة الإيرانية.
وعلى الرغم من أن السلطات الإيرانية تتكتم على خطتها الأمنية الداخلية، فهي تسعى إلى إبراز الدور المدني لهذه المليشيات في الداخل الإيراني، كمشاركتها في التجمعات التضامنية أو تحت غطاء الحملات الإغاثية للإيرانيين أثناء الحرب.
ونشرت وكالة تسنيم التابعة للحرس الثوري الإيراني على صفحتها في منصة (X) مطلع أبريل الجاري مقطع فيديو لمسيرة مدنية استعراضية بالمركبات شاركت فيها مليشيا فاطميون إلى جانب حزب الله ومليشيات أخرى وسط العاصمة الإيرانية طهران، ورفع المشاركون في المسيرة أعلام المليشيات إلى جانب العلم الإيراني وصور المرشد الإيراني السابق علي خامنئي والمرشد الحالي مجتبى خامنئي.
ويعتبر الأمين العام لـ”الجبهة العربية لتحرير الأحواز”، سمير ياسين، استخدام الحرس الثوري لأذرعه الخارجية في داخل إيران تحولا لافتا لا يمكن فصله عن تصاعد التوترات الداخلية الأمنية داخل إيران.
ويشير ياسين إلى أن انتشار هذه المليشيات لا يظهر على شكل وحدات عسكرية واضحة، بل ضمن تشكيلات شبه منظمة أو عناصر تعمل بلباس مدني داخل شبكات أمنية موازية، خاصة في الأحواز وبلوشستان وكردستان.
“الحرس الثوري يوظف هذه المليشيات كقوة مساندة يمكن استدعاؤها في لحظات التوتر، سواء لاحتواء احتجاجات أو لتعزيز السيطرة في مناطق توصف بالحساسة. كما أن الخبرة القتالية التي اكتسبتها هذه التشكيلات في ساحات النزاع الخارجية تجعلها مؤهلة للقيام بأدوار تدخل سريع في سياقات أمنية معقدة،” يقول ياسين لـ”الحرة”.
ويرى ياسين النظام يحاول تفادي استنزاف القوات النظامية والحرس الثوري في الداخل، عبر إسناد بعض المهام إلى قوى موازية، خاصة مع استمرار التوتر مع الولايات المتحدة واسرائيل واحتمالات التصعيد.
أسس قاسم سليماني، القائد السابق لفيلق القدس “جناح الحرس الثوري الخارجي” مليشيات لواء فاطميون في مايو 2013 في اللاجئين الأفغان الشيعة الذين لجأوا الى إيران بسبب تدهور الأوضاع في بلادهم ومن ثم التحق بهم عشرات من الباكستانيين الشيعة اللاجئين في إيران الذين شكلوا فيما بعد مليشيات خاصة بالباكستانيين تحت اسم مليشيات لواء زينبيون.
وكان الهدف من تأسيس هاتين القوتين هو المشاركة في الحرب الاهلية في سوريا، وبالفعل خاضتا معارك ضارية في سوريا تحت قيادة فيلق القدس، وكانت فاطميون تتمركز في درعا ودمشق وتدمر وحلب، فيما شاركت زينبيون في معارك اللاذقية وحلب ودمشق.
ووفق تقارير سابقة نشرتها “الحرة”، انسحبت مليشيات فاطميون وزينبيون مع المليشيات العراقية والعديد من الضباط والجنود السوريين السابقين إلى داخل الأراضي العراقية قبل سقوط نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد في ديسمبر 2024، وبعد الانسحاب مركز فيلق القدس هاتين القوتين في معسكر أشرف التابع للحشد الشعبي في محافظة ديالى شمال شرق بغداد، قبل البدء بنقلهم على شكل دفعات الى داخل إيران خلال مارس الماضي.
ويؤكد فرزين كرباسي، وهو محلل سياسي إيراني كردي معارض، يقيم في إقليم كردستان العراق، على أن قرار استخدام مليشيات فاطميون وزينبيون والفصائل العراقية داخل إيران أصدره قائد الحرس الثوري الإيراني أحمد وحيدي، وتضمن نقل عناصر هذه المليشيات إلى جانب المليشيات العراقية برا إلى داخل إيران.
“نقلت هذه المليشيات من العراق إلى إيران تحت غطاء حملات الإغاثة الإنسانية وحملات الدعم والتأييد لإيران التي أعلن عنها الحشد الشعبي مع انطلاقة الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، وشمل القرار نشر مليشيات فاطميون وزينبيون وتكليفهم بمهام أمنية وعسكرية في المدن الإيرانية،” يوضح كرباسي لـ”الحرة”.
ويشدد كرباسي على أن الهدف الرئيسي من استخدام هذه المليشيات في الداخل هو لقمع أي انتفاضة شعبية تسعى لإسقاط النظام خاصة في ظل ما تشهده إيران من انهيار داخلي وأزمة اقتصادية خانقة، لافتا الى أن الهزيمة التي لحقت بإيران خلال أيام الحرب الأربعين، تسببت في فقدان القوات الإيرانية لقدراتها، كما أن الجنود والضباط الإيرانيين يعانون من انهيارات نفسية وفقدوا الثقة بالنظام وقياداتهم.
“النظام الإيراني ضعيف جدا ومتخوف من أوضاع قواته ويكاد أن يفقد السيطرة على قواته، لذلك يلجأ الى هذه المليشيات لتكون بديلا عن القوات الإيرانية”.
ونقل مراسل “الحرة” عن معارضين إيرانيين قولهم إن اللاجئين الأفغان والباكستانيين في إيران تلقوا وعودا مغرية من الحرس الثوري مقابل الانضمام لفاطميون وزينبيون، تمثلت بمنحهم رواتب كبيرة وأراضي، والجنسية الإيرانية بعد انتهاء الحرب السورية، لكن الحرس لم ينفذ وعوده حتى الآن سوى لعدد قليل من أفراد هذه القوات وهم قادتها، بينما لا يزال المقاتلون ينتظرون أن تفي إيران بوعودها.
“تكمن خطورة هذه المليشيات في أنها عند ارتكاب الجرائم، غالبا ما تفلت من المساءلة، نظرا لكون عناصرها قادمة من خارج النسيج المحلي، ما يجعلها أكثر اندفاعا نحو ارتكاب الانتهاكات وأكثر وحشية في التعامل مع المدنيين، خلافا للقوات المحلية التي تبقى مكشوفة الهوية ومعرضة للمحاسبة،” يبين الأمين العام للجبهة الديمقراطية الشعبية الأحوازية، صلاح أبو شريف الأحوازي، لـ”الحرة”.
يقول الأحوازي إن لجوء النظام الإيراني إلى هذه المليشيات الخارجية يعكس ما يعيشه من ضعف ميداني وفقدان الثقة بقواته المحلية، وسعيه لتعويض هذا التراجع عبر أدوات أكثر تطرفا وأقل التزاما بأي ضوابط قانونية أو أخلاقية.
من جانبه يرى الخبير الاستراتيجي الدولي، عامر السبايلة، أن هدف السلطات الإيرانية من استخدام هذه الاذرع الخارجية، هي التهيؤ لانفلات أمني داخلي.
“الضربات التي تعرضت لها مراكز النظام خلال الفترة الماضية من شأنها أن تؤسس إلى فكرة خروج الناس ضده مجددا. وبالتالي هو بحاجة الى التعامل مع هذا الموضوع بمنطق القمع لذلك فإن جلب هذه الميليشيات هي أقرب إلى ضبط حالة الانفلات المتوقعة من مواجهة مع أي قوات برية”، يبين السبايلة لـ”الحرة”.



