لم تكن سوسن – الاسم مستعار – وهي شابة من محافظة ميسان، تتخيل أن شح المياه قد يكون سببا في مقتل والدها وتغيّر مسار حياتها كليا.
لم يكن والدها طرفا في النزاع الذي نشب في القرية، لكنه كان في الشارع، فأصابته رصاصة طائشة، وأردته قتيلا.
كان الجيران يتقاتلون بسبب خلاف على مياه الري.
“تركنا القرية إلى مدينة العمارة مركز المحافظة،” تقول لـ”الحرة”. فمع استمرار النزاعات على المياه في المناطق الريفية من جنوب العراق أصبحت الحياة مخاطرة كبيرة.
هذه الحكاية، التي تبدو فردية، ما هي إلا انعكاس مأساوي لواقع يتكرر في جنوب العراق، حيث يتصاعد العنف بين الأهالي في كل صيف بسبب شح المياه.
يعيش العراق منذ أكثر من 5 سنوات تحت وطأة موجة جفاف مدمرة.
ومع تفاقم تأثيرات تغير المناخ، لم تعد المياه مجرد مورد طبيعي شحيح، بل أصبحت وقودا لنزاعات عشائرية دامية تهدد الأمن الاجتماعي، وتدفع آلاف العائلات إلى الهجرة من قراها نحو المجهول.
يعيش الناشط البيئي، مرتضى الجنوبي، منذ سنوات على مقربة من هذه النزاعات، ويرى أنها فاقمت من معاناة سكان الأهوار مع انتشار الجفاف وتآكل مهن الزراعة والصيد والرعي.
حتى صيف عام 2021، كان الناشط الجنوبي وهو من سكان أهوار العمارة، يعمل صيادا، لكنه فقد مهنة الصيد التي توارثها أبا عن جد، بسبب جفاف الأهوار الناتج عن انخفاض مناسيب مياه نهري دجلة والفرات وانحسار هطول الأمطار.
قرر أن يصبح ناشطا بيئيا لتسليط الضوء على قضية الأهوار وسكانها.
تقصّت “الحرة” على مدى عدة أيام، عن النزاعات العشائرية على المياه في جنوب العراق، باعتبارها أحد أبرز الانعكاسات التي خلفها تغيير المناخ على حياة السكان المحليين.
وفق بيانات القوات الأمنية في محافظة ميسان، قتل منذ مطلع العام الحالي نحو 7 أشخاص في قرى المحافظة بسبب نزاعات مسلحة على مياه السقي.
وغالبا ما تستمر النزاعات عدة أيام، ولا تتوقف إلا بعد تدخل من السلطات.
يشير الجنوبي الى أن الحصص المائية التي تصل إلى مدينة العمارة غير كافية، لأنها آتية من الأنهر المتفرعة من نهر دجلة، وعند مرورها بالقرى تنشئ عليها كل قرية سدا ترابيا لحجز أكبر كمية من المياه، فتنخفض مناسيب المياه بدرجة كبيرة عند وصولها إلى القرى الواقعة بعيدا عن هذه الأنهر.
وهكذا تشعل الخلافات بشأن الحصص المائية النزاعات المسلحة بين القرى والعشائر في تلك المناطق.
“زادت البرك والبحيرات على ضفاف الأنهر، وازدادت الى جانبها المساحات الزراعية، فمن يقع قرب النهر يستهلك المياه أكثر من الذي يقع بعيدا، ولهذا تنشأ مشاكل بين القرى المتجاورة،” يقول الجنوبي لـ”الحرة”.
وخرجت هذه الخلافات عن نطاق القرى المحلية، إذ أخذت المحافظات الجنوبية تتبادل الاتهامات بشأن حيازة حصص أكبر من المياه”.
كما أن تدخل القوات الأمنية لإزالة التجاوزات لا يتم من دون حصول احتكاكات أحيانا مع المتجاوزين.
وتواصل مفارز وزارة الموارد المائية العراقية بالتعاون مع القوات الأمنية شن حملات لإزالة التجاوزات المائية والبحيرات التي ينشئها أصحاب المزارع والحقول على ضفاف الأنهر خاصة في المناطق الواقعة شمال محافظة البصرة وفي محافظتي ميسان وذي قار.
الهجرة إلى المدن
اضطرت سوسن إلى ترك الدراسة بعد انتقالها إلى مدينة العمارة.
تعمل حاليا في محل خياطة نسائية لتوفير لقمة لأسرتها: أم مريضية وأخوات صغيرات السن.
يقول الناشط الجنوبي إن الهجرة من القرى والأرياف مستمر في جنوب العراق منذ سنوات.
“أعداد كبيرة من العائلات هجرت قراها وانتقلت إلى مدن كربلاء، وبغداد، والبصرة وغيرها، بحثا عن سبل جديدة للعيش،” يقول.
الأهوار مسطحات مائية تغطي الأراضي المنخفضة الواقعة جنوبي السهل الرسوبي في العراق، وهي على شكل مثلث تتوسط محافظات ميسان وذي قار والبصرة، حيث تقع كل محافظة منها على رأس من رؤوس هذا المثلث المكتظ بنبات قصب البردي.
يُعد هور “الحمار” أكبر أهوار العراق، ويمتد بين محافظتي البصرة وذي قار، يليه هور “الحويزة” الواقع قرب الحدود العراقية – الإيرانية، ثم هور “الجبايش” الواقع في مدينة الناصرية، مركز محافظة ذي قار.
وقد أدرجت منظمة اليونسكو عام 2016 منطقة الأهوار على لائحة التراث العالمي كونها محمية طبيعية تمتاز بتنوعها البايولوجي الغني، إلى جانب قربها من مدن الحضارات الرافدينية القديمة كمدن أور وأريدو والوركاء، أحد مواطن الحضارة الإنسانية القديمة.
لكن الأهوار فقدت الكثير من مميزاتها الطبيعية خلال السنوات القليلة الماضية بسبب الجفاف.
سجلت الأهوال والقرى القريبة منها نفوق كثير من قطعان الجاموس والمواشي الأخرى، ونفوق كميات كبيرة من الأسماك والأحياء المائية، ولم تعد مركزا لاجتماع الطيور المهاجرة المتنوعة التي كانت تحط فيها سنويا على مدى الفصول الأربعة.
وفقد الفلاحون في الأهوار أراضيهم الزراعية.
يقول الخبير البيئي العراقي حيدر رشاد إن النزاعات الناتجة عن الجفاف في جنوب العراق تنقسم الى نوعين: الأول عشائري على المياه، والثاني بين سكان الأرياف وسكان المدن التي هاجروا إليها بسبب المنافسة على فرص العمل.
“سكان الريف يزاحمون سكان المدينة في المهن والوظائف، كما يحملون البنى التحتية أكثر ما تتحمل،” يقول. ويلفت إلى أن “الهجرة المتواصلة من الأرياف باتجاه المدن تسبب اختلالا في التوازن.
ويشدد رشاد على ضرورة إيجاد حلول لمشاكل هذه الهجرة، عبر توطين سكان الأرياف وإيجاد البدائل لهم في مناطقهم الأصلية كي لا يغادروها.
ويعد القطاع الزراعي من أكثر القطاعات استهلاكا للمياه في العراق.
وبحسب الاستراتيجية التي وضعتها وزارة البيئة للفترة بين 2024 – 2030، يستهلك العراق سنويا نحــو 30 مليار متر مكعب من المياه. وتتراوح نسـبة اسـتهلاك المياه في القطاع الزراعي بين 75-80 %.
وتبين الاستراتجية أن تناقص موارد المياه سيؤثر بشكل كبير على الجانب الزراعي، وسيؤدي الى فقدان كثيـر من المزارعين لأراضيهم، مما يتسبب بخسائر مالية باهظة جراء اعتماد العراق على الواردات الخارجية من المحاصيل.
وليست هذه المرة الأولى التي تجف فيها الأهوار.
خلال العقود الأربعة الماضية، جفت الأهوال ثلاث مرات. الأولى في عام 1985 عندما جفف النظام العراقي السابق الأهوار في سياق الحرب العراقية الإيرانية، وتحولت مساحات عديدة من الأهوار إلى جبهات قتال.
وتسببت الحرب في تهجير معظم سكان الأهوار، لكن تلك الفترة لم تشهد نزاعات عشائرية على تقاسم المياه، بل فقط كانت هناك نزاعات بين سكان الريف مع سكان المدن التي اختاروها للعيش بشكل مؤقت لحين انتهاء الحرب.
تشير معلومات صادرة عن وزارة البيئة العراقية إلى أن المرحلة الثانية من تجفيف الأهوار بدأت مطلع تسعينيات القرن الماضي، عقب انتهاء حرب الخليج الثانية. وتمثلت هذه المرحلة في حملة هندسية واسعة أطلقتها السلطات، أفضت إلى إنشاء “نهر العز” الذي جرى تحويل الأنهار المغذية لأهوار البتيرة والعريض والمجر الكبير إليه، ما أدى إلى تحويل معظم أراضي تلك الأهوار إلى مشاريع شبه مستصلحة بلغت مساحتها نحو 450 ألف دونم.
وقد اعتمد المشروع على بناء سدود ترابية لقطع تدفق المياه من الأنهار التي تغذي الأهوار، وتوجيهها لتصب في نهر الفرات عند منطقة القرنة. كما تضمن إنشاء سدود ترابية بين قضاء المدينة ومحافظة ذي قار، لمنع تدفق مياه الفرات إلى هور الحمار عبر الروافد، إضافة إلى إقامة سدود ترابية داخل الأهوار لتسريع عملية تجفيفها.
وبعد سقوط النظام السابق عام 2003، عادت المياه لتغمر أجزاء من الأهوار مجددًا، بعد أن أقدم السكان المحليون على إزالة السدود. وقد بادرت وزارة الموارد المائية عقب ذلك إلى وضع خطط وتنفيذ مشاريع تهدف إلى إنعاش الأهوار، خاصةً أن العام نفسه شهد هطول أمطار غزيرة ساهمت في رفع مناسيب المياه.
أما موجة الجفاف الثالثة، فهي تلك التي يشهدها العراق حاليًا، والناجمة عن التغير المناخي الذي أدى، منذ عام 2021، إلى تراجع معدلات هطول الأمطار، وارتفاع كبير في درجات الحرارة، واتساع رقعة التصحر والجفاف في البلاد.
وأظهرت إحصائيات صادرة عن الأمم المتحدة أن العراق شهد في عام 2021 ثاني أكثر مواسمه جفافًا خلال أربعة عقود، نتيجة الانخفاض القياسي في كميات الأمطار.
وعلى مدى الأربعين عاما الماضية، تراجعت تدفقات المياه في نهري دجلة والفرات، اللذين يؤمنان نحو 98% من المياه السطحية في البلاد، بنسبة تقارب 40%.
وبحسب إحصائيات حصلت عليها “الحرة” من محافظة ذي قار جنوبي العراق، اضطر نحو 10 آلاف عائلة إلى النزوح من المناطق الريفية إلى مراكز الأقضية ومدن المحافظة، بسبب تفاقم أزمة الجفاف.
ويؤكد مستشار محافظ ذي قار لشؤون المواطنين، حيدر سعدي، على أن طرق السقي القديمة المتبعة حتى الآن، وتناوب الفلاحين في عملية سقي المساحات الزراعية رغم اختلافها من منطقة إلى أخرى، وعدم التزامهم بالحصص المائية المقررة، الى جانب عملية الزراعة خارج الخطة الزراعية، أدى الى توليد نوع من المشاجرات التي تصل إلى حد الاقتتال بين الفلاحين والعشائر والقرى.
ويضيف سعدي لـ”الحرة”، “هذه النزاعات تولد ضغطا على الحكومة المحلية والأجهزة الأمنية التي تتدخل لإنهاء النزاعات سريعا، لكن في بعض المرات تكون المضاعفات سريعة بسبب هذه النزاعات وتؤدي إلى توتر”.
ويعتبر السعدي ملف النزاعات على المياه ملفا شائكا في فصل الصيف، يشكل بين فترة وأخرى نزاعات تنعكس على ملفات أخرى في المحافظة، كتوقف العمل في الدوائر والمدارس إذا كانت أثناء الفترة الدراسية بسبب قطع الطرق الشوارع في تلك المناطق.
ويحذر سعدي من إمكانية استغلال المناطق والقرى المهجورة بفعل الجفاف من جانب عصابات الجريمة المنظمة، واتخاذها منطلقا لتنفيذ عملياتهم الإجرامية وتهديد الأمن الداخلي والمجتمعي.
ولعل من أبرز طرق حل النزاعات على المياه أو التخفيف منها التي تستخدمها فرق محافظة ذي قار، وفق سعدي، هي العمل على تحقيق نوع من التوازن في السقي بين الفلاحين والقرى من خلال تقليص الحصص الزراعية واستخدام المحاصيل التي لا تحتاج إلى كثير من المياه، مع مراقبة المنطقة للكشف عن التجاوزات على المنظومة المائية عبر تسيير دوريات مشتركة مع القوات الأمنية، وأخذ تعهدات من المتجاوزين بعدم تكرار تجاوزاتهم.



