عودة “حزب الله” إلى رحمه الإيراني

في العام 1982، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان، سافر صبحي طفيلي، الذي سيصبح لاحقا أول أمين عام لـ”حزب الله” ومعه راغب حرب، وهو رجل دين شيعي من جنوب لبنان، إلى طهران من دمشق. كان هدف زيارتهما “تأمين دعم إيراني لقوة مقاومة شيعية جديدة لمواجهة الإسرائيليين”.

وعلى الرغم من أن تركيز إيران كان منصبا في تلك الفترة على الحرب مع الجار العراق، أقرّ القادة الإيرانيون بأن الإجتياح الإسرائيلي للبنان يشكّل فرصة لنشر الثورة الإسلامية على خطوط المواجهة في النزاع العربي- الإسرائيلي، لابد من اغتنامها، على حسب ما ينقل نيكولاس بلانفورد في كتابه “المارد الشيعي يخرج من القمقم”.

يقول طفيلي لبلانفورد: “التقيت ببعض القادة، وأقرّوا بالحاجة إلى الدعم. كان الإمام الخميني واقعياً جداً حيال هذا الأمر”.

بعد الزيارة صدر بيان عسكري في طهران أكد انه تم نشر جنود إيرانيين وعناصر من الحرس الثوري في لبنان “للدخول في معارك وجها لوجه ضد إسرائيل، العدو الأول للإسلام والمسلمين”.

وينقل بلانفورد عن الخميني قوله: “بالنسبة إلينا، لا فرق بين الجبهات في جنوب إيران (ضد العراق) وفي جنوب لبنان”، وتابع: “نحن مستعدون لوضع منشآتنا والتدريب الضروري بتصرف كل المسلمين المستعدين لمقاتلة النظام الصهيوني”.

هذه كانت بداية ولادة “حزب الله” من رحم الثورة الإسلامية في طهران. لم يكن بعد يحمل اسمه، وكان عمله سريا وتحت مسميات أخرى، حتى منتصف الثمانينيات، تحديدا في السادس عشر من فبراير 1985، حينما أطلق الحزب بيانه التأسيسي وهو عبارة عن رسالة مفتوحة وجهها الحزب إلى “المستضعفين في لبنان والعالم”، في الذكرى الأولى لمقتل راغب حرب.

العودة إلى هذه التفاصيل حول ولادة الحزب، مردّها إلى تصريحات أدلى بها مسؤول عسكري في الحزب، أشار فيها عودة “حزب الله” إلى تكتيكات الثمانينات في قتال إسرائيل، وعن إعداد مقاتلين “استشهاديين” ينفذون عمليات انتحارية ضد الجيش الإسرائيلي. ومع أن التصريح يضعه خبراء في خانة التهويل الإعلامي والحرب النفسية ضد الإسرائيليين، إلا أن هناك مؤشرات أخرى كثيرة تدل إلى عودة الحزب، ليس فقط عسكريا، بل كمنظومة أيديولوجية وسياسية، إلى فترة الثمانينيات وأدبياتها.

في كتابه المرجعي حول تاريخ “حزب الله”، يولي اوغستوس ريتشارد نورتون أهمية كبيرة للرسالة التي أعلن الحزب فيها عن نفسه للعالم في شباط 1985. يقول إنها تحمل بصمة “صنع في طهران”، وأنها تجد الحل لجميع المشاكل في الإسلام، وأن العالم منقسم بين “مستضعفين ومستكبرين”، وبالمستكبرين يقصد الحزب الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي، اللذين كانا لا يزالان في خضم حرب باردة آنذاك. كما أن الوثيقة تُبرز تقديم الحزب العنف سبيلاً لـ”تحرير لبنان من تلاعب القوى الخارجية”، و”طرد أميركا وفرنسا وحلفائهم”. وقد جاءت الوثيقة بعد أقل من سنتين على استهداف السفارة الأميركية ومركز قوات المارينز في بيروت بهجمات انتحارية قتلت عشرات الأميركيين، كما تزامنت مع فترة انتشرت فيها عمليات خطف الأجانب في لبنان، وهي أمور تشكّل الحمض النووي التأسيسي للحزب، الذي حاول لاحقاً محو هذه الفترة من ذاكرة اللبنانيين ومحاولة التطبّع مع التغييرات الإقليمية والداخلية.

فالحزب الذي خضع لتغييرات في نبرة خطابه وفي شعاراته ورموزه بعد انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية، وتخلى عن رايته التي كانت تحمل شعار “الثورة الإسلامية في لبنان”، واستبدلها بـ”المقاومة الإسلامية في لبنان”، حاول على مدى سنوات، وخصوصاً بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان في مايو من العام 2000، ان يعتمد مفهوم “التقية” في التعامل مع باقي الأطراف السياسية في لبنان لجهة تقديم نفسه كحزب سياسي يرغب بالتواصل والتحالف مع جماعات أخرى، وانه يسعى لتأمين قبول وطني وإجماع على دوره المقاوم لإسرائيل. حدث ذلك بوضوح في الاتفاق الذي عقده الحزب مع التيار الوطني الحر برئاسة ميشال عون قبل شهور قليلة من حرب يوليو 2006، وقد أمن له هذا الاتفاق غطاءً شعبياً مسيحياً، فضلاً عن تحالفات أخرى عززت حضوره السياسي في مجلس النواب وفي الحكومات المتعاقبة.

صمد “حزب الله” بهذه الصيغة حتى الثامن من أكتوبر 2008، تاريخ فتحه الجبهة اللبنانية الجنوبية ضد إسرائيل إسناداً لحركة “حماس” في غزة، ليعود النقاش حول مدى خدمة الحزب للمصالح الوطنية اللبنانية، مع ربطه مصير لبنان بساحات إقليمية أخرى. ومع الضربات الإسرائيلية القاسية لقيادة الحزب التاريخية في خريف العام 2024، فضلاً عن منظومته العسكرية التي أمضي عقدين في بنائها، بدا الحزب الجديد الذي خرج من تحت الركام، شبيهاً جداً بالحزب المولود من رحم إيران في الثمانينات. كما بدأت تظهر بوضوح البصمات الإيرانية من دون مواربة، عبر ملاحظة وجود ضباط من الحرس الثوري يعملون عسكرياً مع الحزب على الأرض، وعبر خطاب إعلامي استعاد أدبيات الثمانينات.

والحزب في مخاضه الأخير هذا وجد نفسه، كما في سنوات تأسيسه، بلا حلفاء داخليين وبلا إجماع وطني مفترض حوله، وفوق ذلك حظرت الحكومة اللبنانية في قرار تاريخي، نشاطه العسكري، بعد إطلاقه صواريخ انتقاماً لمقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، في شهر مارس الماضي، ليعود الحزب منظمة محظورة لا تحظى بالشرعية الداخلية، تماماً كما كانت عليه حاله في الثمانينيات.

على الجانب العسكري، يستبعد الباحث في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي كوبي ميخائيل، أن يكون الحديث عن تفعيل العمليات الانتحارية كتكتيك عسكري من الثمانينيات ممكناً. بالنسبة إلى ميخائيل، مقاتلو “حزب الله” ليسوا على تماس مباشر مع الجنود الإسرائيليين في جنوب لبنان، والمنطقة التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي، لا وجود فيها للسكان الشيعة، “وحقيقة أنهم يخضعون لمراقبة دقيقة من قبل جيش الدفاع، فإنهم غير قادرين على الوصول جسدياً إلى الجنود الإسرائيليين”. الخيار الوحيد المتاح لهم في ما يتعلق بهذا الأسلوب، بحسب ميخائيل، هو “في الخارج ضد الإسرائيليين أو اليهود، وليس من السهل تحقيقه”.

أما في ما يتعلق بعودة الحزب إلى إيرانيته، فيرى ميخائيل أن هذا الترابط الواضح يؤكد أن المسارين اللبناني والإيراني مترابطان، وأن “حل معضلة حزب الله يتطلب في النهاية إضعاف إيران”.

رامي الأمين

كاتب ومراسل لبناني، يغطي قضايا الشرق الأوسط، ويعدّ ويقدم فقرة "حامض حلو" النقدية الساخرة. حائز درجة ماجستير في العلاقات الإسلامية والمسيحية من كلية العلوم الدينية في جامعة القديس يوسف في بيروت. من بين اصداراته كتيّب سياسيّ عن "حزب الله"، بعنوان "يا علي لم نعد أهل الجنوب"، وكتاب بعنوان "الباكيتان"، يتناول سيرة تمثال "الشهداء" في بيروت.  


اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي
https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading