لا أذكر بيت جدي في بنت جبيل فحسب، بل أستعيده بكل حواسي: شكله، أصوات ساكنيه، رائحة الخبز وطعمه.
للوصول إلى البيت، لم تكن هناك طريق للسيارات. كنا نصعد درجاً حجريّا طويلاً ينتهي بقاعة مفتوحة تتوزّع حولها الغرف. كنت أصعد تلك الدرجات مع إخوتي ونحن نعرف ما ينتظرنا في الأعلى: خبز ساخن، وأقارب، وقرية كانت الحياة فيها تمضي بهدوء.
في إحدى المرّات، صنعنا أرجوحة داخل البيت. علّقناها على إحدى العوارض الخشبية القديمة. كنا نمضي ساعات نلعب ونقلد أبطال القصص المصوّرة. لم تكن السياسة جزءاً من عالمنا بعد.
اليوم لم يعد البيت موجوداً: الدرج الحجريّ اختفى، القاعة اختفت، والأرجوحة كذلك.
على أن خسارة البيت لم تبدأ مع الحرب الأخيرة. في الحقيقة، بدأت قبل ذلك بسنوات طويلة.
رزنامة التحوّل
عام 1978 كنت طفلة عندما أطلقت إسرائيل “عمليّة الليطاني”. يومها، وجدت عائلتنا نفسها، مثل آلاف العائلات اللبنانية، وسط حرب جديدة.
كان والدي في الجيش اللبناني ولم يستطع الوصول إلينا. أما والدتي فكانت في المستشفى بعدما أصيبت بشظيّة في الرأس خلال معارك بيروت. نجت، لكنها بقيت عاجزة عن المشي واستخدام يديها بشكل طبيعي.
لذلك، انتقلت أنا وإخوتي إلى بنت جبيل للعيش عند عمي. هناك، داخل المنطقة المحتلة، بدأت مرحلة جديدة من حياتنا.
حين أعود بذاكرتي إلى تلك المرحلة، أتذكر أمرين. أوّلهما، بنت جبيل نفسها. أتذكر حقول التين والزيتون وسوق الخميس الأسبوعي. كنا نرتدي أفضل ما لدينا فقط لنمشي بين الناس. كانت العائلات من كلّ الطوائف تأتي من القرى المجاورة.
كانت بنت جبيل مركز المنطقة، وكنت صغيرة بما يكفي لأشعر بالفخر كلما رأيت هذا الحشد. قريتي بالنسبة لي مركز العالم.
الأمر الثاني الذي أتذكره جيداً هو الحواجز. حواجز جيش لبنان الجنوبي، المدعوم من إسرائيل، كانت جزءاً من الحياة اليومية. كانت تتحكّم بحركة الناس ودخولهم وخروجهم من المدينة. حتى وأنا طفلة، كنت أرى كيف يمكن للسلطة أن تتحوّل أحياناً إلى تسلط على الناس أكثر منها خدمة لهم.
بعد فترة، لحقت بنا والدتي. أعادتها الحرب إلينا على سرير، نظراً لإصابتها بالشلل.
في عام 1982، اجتاحت إسرائيل لبنان ووصلت إلى بيروت. خرجت منظمة التحرير الفلسطينية من البلاد، وعدنا نحن إلى العاصمة.
أتذكر مشهداً لا يزال حاضراً في ذهني حتى اليوم: بعض سكان الجنوب يرمون الأرز على الدبابات الإسرائيلية.
كثيرون أساؤوا فهم تلك اللحظة لاحقاً.
لم يكن الأمر حباً بإسرائيل أو ترحيباً بالاحتلال، بل تعبير عن ارتياح لانتهاء مرحلة عاشها الجنوب تحت سلطة منظمة التحرير الفلسطينية، أو ما كان يعرف شعبياً بـ”فتح لاند”.
بالنسبة لكثير من الأهالي، أصبح هذا الواقع الجديد عبئاً ثقيلاً مثل أيّ قوة مسلحة أخرى تعمل خارج سلطة الدولة.
كان شعوراً حقيقياً في ذلك الوقت.
هويّة جديدة
عدنا إلى بيروت، وبدأنا نسمع أكثر فأكثر كلمة “مقاومة”.
آنذاك، لم تكن الكلمة تحمل المعنى الذي تحمله اليوم. بالنسبة لكثير من اللبنانيين، كانت تعني مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، لا أكثر. تحت هذا المصطلح، انضوت أطراف عدة: فصائل فلسطينية، أحزاب يسارية وقومية لبنانية، ومجموعات مختلفة يجمعها هدف واحد هو مواجهة الاحتلال.
لكن منعطفاً آخر كان يتشكّل في الوقت نفسه.
بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، بدأت إيران تبني حضورها داخل هذا البلد، فقد وصل مقاتلون من الحرس الثوري إلى منطقة البقاع، وبدأوا تدريب مجموعات جديدة تحمل رؤية مختلفة. لم تكن القضية بالنسبة إليها محصورة بلبنان أو بالحدود الجنوبية، بل كانت جزءاً من مشروع أوسع يتجاوز لبنان نفسه.
من رحم هذا المشروع، وُلد حزب الله.
خلافاً لحركة أمل التي نشأت بفعل مطالب اجتماعية وسياسية تخصّ الشيعة اللبنانيين، جاء حزب الله مرتبطاً منذ البداية بالمشروع الإيراني وبفكرة ولاية الفقيه. لم يكن يتحدّث فقط عن تحرير الأرض، بل عن صراع أكبر يمتد إلى ما هو أبعد من الحدود اللبنانية.
كبر الحزب مع الوقت، وكبرت معه قدراته ونفوذه. وحين انسحبت إسرائيل من الجنوب عام 2000، في لحظة اعتبرها معظم اللبنانيين تحريراً حقيقياً، دخل الجنوب مرحلة جديدة.
عندما عدت إلى بنت جبيل بعد سنوات، لم أجد المدينة نفسها التي عرفتها في طفولتي.
لم يحدث التغيير دفعة واحدة. ولم يأتِ عبر القوة المباشرة. جاء بهدوء وعلى مدى سنوات.
المدارس تغيّرت. النشاطات الاجتماعية تغيّرت. المخيمات الصيفية تغيّرت. حتى المشهد البصري للقرية تغيّر، إذ حضرت أعلام وصور جديدة، وشعارات لم تكن موجودة في السابق.
بدأ حضور المؤسسات المرتبطة بحزب الله يكبر في تفاصيل الحياة اليومية. مدارس، جمعيات، مراكز صحّية، ومؤسسات اجتماعية. وفي ظل غياب الدولة اللبنانية عن كثير من المناطق الجنوبية، أصبحت هذه المؤسسات جزءاً أساسياً من حياة الناس.
وكان للاقتصاد دوره أيضاً.
بعد كلّ حرب أو جولة قتال، كانت مؤسسات الحزب حاضرة في إعادة الإعمار. كانت توفر فرص عمل، ومساعدات، وخدمات لا تستطيع الدولة توفيرها. بالنسبة لكثير من العائلات، لم يكن الأمر مسألة أيديولوجيا بقدر ما كان مسألة حياة يومية وتأمين احتياجات أساسية.
لهذا السبب لا يمكن فهم ما جرى في الجنوب من خلال السياسة وحدها.
الناس لا تنضم دائماً إلى المشاريع الكبرى لأنها مقتنعة بكلّ شعاراتها. أحياناً تنضم لأنها تبحث عن وظيفة، أو مدرسة، أو علاج، أو شعور بالأمان في بلد لا يوفّر لها شيئاً.
وعلى مدى سنوات طويلة، تغيّرت بنت جبيل.
المدينة التي أتذكرها من طفولتي كانت أكثر تنوّعاً وانفتاحاً مما أصبحت عليه لاحقاً. لم يحدث ذلك في يوم واحد، ولم يكن نتيجة قرار واحد. كان مساراً طويلاً أعاد تشكيل المجتمع، جيلاً بعد آخر.
بين حربين
في 12 يوليو 2006، نفّذ حزب الله عملية عبر الحدود، أسفرت عن مقتل جنود إسرائيليين وأسر آخريْن بهدف التفاوض على تبادل أسرى.
سارعت إسرائيل إلى الرد.
خلال أسابيع قليلة تعرّضت البنية التحتية اللبنانية لضربات كبيرة. أُغلق مطار بيروت، وتضررت المرافئ والطرق والجسور ومحطات الكهرباء. قُتل أكثر من ألف لبناني، ونزح نحو مليون شخص من منازلهم في الجنوب ومناطق أخرى.
الأمر الذي يتوارى أحياناً عند الحديث عن تلك الحرب هو أن الدولة اللبنانية لم تكن صاحبة قرار إطلاقها، فقد أعلنت حكومة فؤاد السنيورة آنذاك أنها لم تكن على علم بالعملية مسبقاً، ولم توافق عليها.
دفع اللبنانيون جميعاً ثمن حرب لم يشاركوا في اتخاذ قرار بشأنها.
بعد انتهاء الحرب، خرج الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصرالله في مقابلة تلفزيونية وقال جملة لا تزال عالقة في ذهني حتى اليوم: لو علمت أن عملية الأسر ستؤدي إلى هذه النتيجة، لما قمنا بها قطعاً.
ربما كانت تلك من أكثر اللحظات صراحة في مسيرة الرجل، لكن بالنسبة للعائلات التي فقدت أبناءها، وللمدن والقرى التي دُمّرت، لم يكن ذلك كافياً.
كانت بنت جبيل من أكثر المدن والمناطق تضرراً، بعد أن شهدت معارك عنيفة، وتعرضت أجزاء واسعة منها للدمار، بما في ذلك السوق القديمة وبيت جدي.
لاحقاً، جاءت عملية إعادة الإعمار، وعاد بناء السقوف والجدران والمنازل والمحال التجارية.
لكن الذاكرة لا يمكن إعادة إعمارها بالسهولة نفسها.
حين زرت المدينة بعد ذلك، لم أستطع أن أقول: هنا كنت أقف مع أقاربي، أو هناك كانت الأرجوحة التي لعبنا بها.
أُعيد بناء الحجر. أما المكان الذي حمل ذكرياتنا، فكان قد تغيّر إلى الأبد.
ومع ذلك، عاد لبنان للحياة مرة أخرى.
بين عامي 2007 و2010 شهد الاقتصاد نمواً ملحوظاً، وعادت حركة السياحة والاستثمارات، وبدأ اللبنانيون في الداخل والخارج يشعرون بأن البلاد قد تكون على أبواب مرحلة مختلفة.
حتى صيف 2023، كانت هناك مؤشرات على تعافٍ تدريجيّ رغم كل الأزمات.
ثم جاء السابع من أكتوبر.
مرة أخرى، وجد لبنان نفسه في آتون حرب لم يتخذ قرارها.
فتح حزب الله جبهة الجنوب دعماً لحماس فيما عرف بـ”حرب إسناد غزة”. جرى ذلك دون توافق وطني أو قرار صادر عن مؤسسات الدولة.
وبين ليلة وضحاها، اختفت مؤشرات التعافي، وبدأ اللبنانيون يدفعون ثمن حرب لم يختاروها.
هذه ربما تكون القصة التي تطفّلت بكتابة القسط الأكبر من تاريخ لبنان الحديث.
كلما بدأ البلد يلتقط أنفاسه، يجد نفسه داخل صراع أكبر منه.
تتغير الأسماء، وتتغير الشعارات، وتتغير الجهات الراعية، بيد أن النتيجة تبقى واحدة: اللبنانيون هم من يدفعون الثمن في النهاية.
وصيّة أبي
آخر مرة زرت فيها بنت جبيل، كانت في أكتوبر 2025.
توفي والدي، وكانت وصيته بسيطة، كما هي وصايا كثير من الآباء اللبنانيين المرتبطين بعائلاتهم وأقاربهم وأرضهم حتى اللحظة الأخيرة: أن يُدفن إلى جانب والده.
بعد انتهاء مراسم الدفن، اجتمعنا نحن الإخوة في منزل أخي والتقطنا صورة معاً. كأننا كنا نعرف أن شيئاً ما يقترب من نهايته.
ربما كانت المرة الأخيرة التي نجتمع فيها جميعاً في هذا المكان.
غادرت لبنان قبل سنوات إلى واشنطن، ولم تقف الحرب وحدها وراء قراري.
كنت أشعر أن المكان الذي عرفته يتغير تدريجياً. لم أكن أريد لأولادي أن يكبروا داخل مناخ سياسي وأيديولوجي ابتلع جيلاً كاملاً من أبناء المنطقة.
رأيت ما حدث لبنت جبيل على مدى عقود، ولم أكن أريد أن أرى القصة نفسها تتكرر مع جيل جديد.
حين كنت طفلة أصعد درج بيت جدي ورائحة المرقوق تملأ المكان، لم أكن أتخيّل أنني سأكتب هذه الكلمات يوماً.
بلد لا يقرر مصيره
في ربيع 2026، كنت في واشنطن عندما اتصل بي أخي.
كان قد نزح من منزله، وبدأ يرسل عبر “واتساب” صوراً ملتقطة من الأقمار الصناعية، محاولاً أن يعرف ما إذا كان بيته لا يزال قائماً. كان يبحث أيضاً عن بيت والدي وبيت أخي الأصغر.
لم تكن الصور واضحة بما يكفي.
كنا نحاول أن نتعرف إلى الشوارع والأبنية من مواقعها.
بعد يومين فقط، نشر الجيش الإسرائيلي مقاطع مصورة من بنت جبيل: لم نعد بحاجة إلى التخمين.
كان كل شيء واضحاً. لقد اختفى البيت كما اختفت أجزاء واسعة من المدينة.
في تلك اللحظة، أدركت أن إسرائيل أخذت الحجر، لكن شيئاً آخر كان قد ضاع قبل ذلك بسنوات طويلة.
الدرجات الحجرية، السوق القديمة، البيت، اختفوا. حتى بنت جبيل، بنسختها القديمة في ذاكرتي اختفت أيضاً.
اختفت بنت جبيل التي كانت تشبه لبنان بكونها ملتقى الناس من كلّ الخلفيات.
لا إسرائيل سألت سكان المدينة قبل أن تدمرها. ولا حزب الله فعل عندما جعلها جزءاً من حروب أكبر منها.
في النهاية، لم يكن لأهلها رأي في أي من القرارين.
بعد سنوات من العمل الصحافي ومتابعة ما يجري في المنطقة، ما زلت أعتقد أن ما يريده اللبنانيون ليس معقداً. يريدون حدوداً آمنة، ودولة تحتكر السلاح، وضمانات تمنع العودة إلى الحرب، وأن يعيشوا حياة طبيعية مثل بقية شعوب العالم.
قد تُبنى بنت جبيل مرة أخرى، كما بُنيت مرات عدة من قبل، لكن السؤال لم يعد عن الحجر، بل عمّن يقرر مصير هذه الأرض ومستقبل أهلها.
اختفى بيت جدي وأرجوحته، لكن مستقبل لبنان بقي يتأرجح.

ليلى بزي
ليلى بزي هي رئيسة التحرير في شبكة MBN–الحرة، وصحفية حائزة على جوائز دولية مرموقة تشمل مهرجانات نيويورك وتيلي وكان للإعلام المؤسسي. تقود جهود تطوير العمل التحريري عبر السرد الرقمي أولاً وتعزيز استخدام الذكاء الاصطناعي في الإعلام.


