مفاوضات في واشنطن واشتباكات في جنوب لبنان

مع انعقاد الجولة الرابعة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية في واشنطن، تمضي إسرائيل قدماً في عملياتها العسكرية في جنوب لبنان، ويتم إصدار المزيد من إنذارات الإخلاء إلى بلدات جنوبية، فيما يواصل حزب الله استهداف إسرائيل، في مشهد يعكس التناقض بين مسار دبلوماسي يُفترض أن يقود إلى التهدئة وواقع ميداني لا يزال يتجه نحو مزيد من التصعيد.

ويستمر تبادل القصف بين حزب الله وإسرائيل رغم إعلان واشنطن التوصل إلى تفاهم لوقف إطلاق النار بين الجانبين، وقول الرئيس الأميركي دونالد ترامب إنه أجرى اتصالاً وصفه بـ”المثمر للغاية” مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إلى جانب اتصالات عبر “ممثلي رفيعي المستوى” مع حزب الله، وإن الطرفين وافقا على الترتيب المقترح.

وجاء الإعلان الأميركي عقب يوم شهد تصعيداً لافتاً، بعدما رفعت إسرائيل سقف ضغوطها على لبنان بإصدار نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس تعليمات للجيش بقصف الضاحية الجنوبية لبيروت رداً على هجمات حزب الله لشمال إسرائيل.

وتزامن ذلك مع مواصلة القوات الإسرائيلية التقدم في مناطق جديدة جنوباً ورفع العلم الإسرائيلي فوق قلعة الشقيف، في خطوة حملت أبعاداً سياسية وعسكرية تتجاوز رمزيتها الميدانية.

هذا التزامن بين المفاوضات والتصعيد العسكري يطرح تساؤلاً أساسياً: هل تستطيع الجهود الدبلوماسية فعلاً وقف العمليات العسكرية والتقدم الإسرائيلي على الأرض وفتح الباب أمام تسوية سياسية، أم أن الوقائع الميدانية باتت تفرض إيقاعها على أي مسار تفاوضي؟

رهان بيروت

عقب التهديدات الإسرائيلية بالعودة إلى استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت، شددت السلطات اللبنانية على تمسكها بالمسار التفاوضي باعتباره الخيار الوحيد المتاح لاحتواء التصعيد ومنع انزلاق البلاد إلى مواجهة أوسع.

وأكد رئيس الجمهورية جوزاف عون أن “التفاوض أسلم من الحرب”، مشيراً إلى أن اللبنانيين اختبروا ولا زالوا “ويلات الحرب ونتائجها”، مشدداً على أن التفاوض لا يعني الاستسلام أو التنازل، بل “حل لايقاف الحروب بأقل ضرر ممكن”، وقال “قد تتعرقل المفاوضات أو تتأخر عن بلوغ الهدف الذي نريده لكنها تسير”.

وكان رئيس الحكومة نواف سلام قد أكد بدوره أن المسار التفاوضي يبقى الخيار الأقل كلفة على لبنان وشعبه، مع إقراره بعدم وجود ضمانات مسبقة لنجاحه.

وبينما يواصل سلام وعون اتصالاتهما مع الأطراف الدولية في محاولة لاحتواء التصعيد، تبقى العقبة الأساسية قائمة، إذ تختلف مقاربة الطرفين اللبناني والإسرائيلي بشكل جذري حول الأولويات.

بالنسبة إلى لبنان، تتمثل الأولوية بوقف إسرائيل عملياتها العسكرية وسحب قواتها من الأراضي اللبنانية، قبل الانتقال إلى مناقشة الملفات الأخرى.

أما إسرائيل، فترى أن أي اتفاق دائم يجب أن يتضمن ضمانات تمنع عودة الوضع إلى ما كان عليه قبل الحرب، وفي مقدمتها معالجة ملف سلاح حزب الله.

وترى النائب نجاة عون أن لبنان لا يملك بديلاً عن الدبلوماسية في ظل اختلال موازين القوى، قائلة إن “أي رئيس لا يمكنه المجازفة بالمؤسسة العسكرية في ظروف كهذه”، معتبرة أن المفاوضات تتيح العودة إلى الاتفاقيات والمرجعيات الدولية وتثبيت الحقوق اللبنانية المعترف بها دولياً.

وتؤكد عون في حديث لموقع “الحرة” أن المسؤولين اللبنانيين “لا يقفون مكتوفي الأيدي، بل يسعون إلى إيجاد مخارج عملية ومحاولة الوصول إلى نتائج ملموسة”، لكنها تشكك في مدى استعداد إسرائيل للوصول إلى تسوية فعلية مع “استمرارها بالعمليات العسكرية والتهجير والاحتلال”.

وكان نتنياهو قد أعلن عقب الاتصال مع ترامب أنه أبلغ الأخير أن “إسرائيل ستشن هجمات على أهداف في بيروت إذا لم يوقف حزب الله هجماته على المدن والمواطنين الإسرائيليين”.

ومن جهته، أكد كاتس أن الجيش الإسرائيلي لا يخضع لأي قيود في عملياته داخل لبنان، قائلاً إن “واشنطن لن تمنعنا من الدفاع عن بلدات الشمال”، ومشدداً على أن إسرائيل “ستصل إلى أي مكان يتطلبه الأمر داخل لبنان”.

المعادلة الأساسية

جوهر المفاوضات الحالية يتمحور، كما يرى الكاتب والباحث السياسي أسعد بشارة، حول معادلة “انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان مقابل حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية”.

ويقول بشارة لموقع “الحرة” إن الجهود الدبلوماسية حققت بعض النتائج الملموسة، من بينها التوصل إلى هدنة مؤقتة وفرض حالة من الهدوء النسبي على مدى أيام، إضافة إلى وقف استهداف بيروت والضاحية الجنوبية، لكنه يشير إلى أن الوصول إلى تسوية نهائية “يظل مرهوناً بقدرة الدولة اللبنانية على معالجة ملف السلاح خارج إطار المؤسسات الرسمية”.

من جهته، يقول الكاتب والمحلل السياسي علي حمادة لـ”الحرة” أن نجاح أي تسوية “يرتبط بقدرة لبنان على تقديم ضمانات أمنية قابلة للتنفيذ”، مشيراً إلى أن “الدولة اللبنانية كانت قد تعهدت سابقاً بإزالة المظاهر المسلحة والبنى العسكرية غير الشرعية في المنطقة الواقعة جنوب الليطاني، إلا أن هذه الالتزامات لم تُنفذ بالكامل”.

ويواصل حزب الله رفض تسليم سلاحه وانخراط الدولة اللبنانية في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل. واعتبر عضو كتلة الحزب البرلمانية النائب حسن فضل الله أن التصعيد الإسرائيلي أظهر “فشل خيار التفاوض المباشر في تحقيق أي مكاسب للبنان”.

وعقب اعلان ترامب وقف النار في لبنان، أكد فضل الله على أن موقف الحزب يقوم على وقف كامل للعمليات العسكرية الإسرائيلية تمهيداً للانسحاب.

ورغم تباعد مطالب لبنان وإسرائيل تواصل واشنطن محاولاتها لتقريب المواقف. لكن حتى الآن، مازال الميدان هو الذي يحدد إيقاع الأحداث أكثر من الدبلوماسية وطاولة التفاوض.


اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي
https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading