مساء الجمعة، أصدر الحرس الثوري الإيراني بيانا أعلن تنفيذ الموجة السابعة والعشرين من عملية أطلق عليها اسم “نصر 2″، وحدد أربعة أهداف كان بينها مقر لإقامة جنود أميركيين في أربيل، عاصمة الإقليم.
جاء البيان، الذي نقلته وكالة “تسنيم”. فيما تدخل المواجهة المفتوحة بين واشنطن وطهران أسبوعها الأكثر سخونة منذ اندلاعها قبل أشهر. وبعد ساعات من إعلان القيادة المركزية الأميركية إكمال ليلة ثالثة عشرة من الضربات على أهداف داخل إيران.
قبل ذلك بيوم، أصابت طائرات مسيّرة منفذ العبدلي الحدودي بين العراق والكويت وأحدثت أضرارا مادية دون إصابات، ثم إشعار كويتي إلى الجانب العراقي بإغلاق المعبر مؤقتاً، بحسب ما نقلت وكالة الأنباء العراقية.
ولاحقا، أعلنت قوة الإطفاء الكويتية السيطرة على حريقٍ شبّ في الموقع، في حادثةٍ أدرجتها السلطات ضمن موجةٍ أوسع من الضربات التي طالت منشآت خليجية تضم وجوداً عسكرياً أميركياً.
تطورات متلاحقة تهدد العراق، وقد تجعله من جديد ساحة في حرب تتوزع جبهاتها من مضيق هرمز إلى سماء الخليج.
الضابط السابق في الجيش العراقي سرمد البياتي يقول لـ”الحرة”: “حتى الآن، لا يوجد مؤشر على دخول العراق الحرب، باستثناء الهجمات الأخيرة التي يمكننا القول إنها انطلقت من غرب أربيل، وربما تكون مؤشرات خطيرة”.
لكنه يرى أنه إذا ما نفذ الرئيس الأميركي دونالد ترامب ما يفكر فيه، وشَنّ هجوماً واسعاً على إيران، فإن الفصائل في العراق لن تلزم الهدوء، وإنما ستتدخل مثلما هددت.
هذه التهديدات لا تصدر من فراغ، فالفصائل المسلحة في العراق نفّذت بين أواخر فبراير ومنتصف أبريل الماضيين مئات الهجمات على المصالح الأميركية والمنشآت في الإقليم ودول الجوار، قبل أن تخفت وتيرتها إثر هدنة بين الولايات المتحدة وإيران في أبريل.
ثم عادت التهديدات إلى الواجهة مع انهيار تلك التهدئة مطلع يوليو الحالي. أي أن ما يجري اليوم ليس بداية مسار، بل استئنافٌ لمسارٍ لم يُغلق أصلاً.
فجر الأحد الماضي، شهد إقليم كردستان سلسلة انفجارات وهجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ استهدفت مناطق متفرقة في أربيل والسليمانية ودهوك. اعترضت الدفاعات الجوية عدداً من المسيّرات التي اقتربت من مواقع تضم وجوداً أميركياً، وسُمع انفجاران في قاعدة حرير مع تفعيل منظومتي C-RAM وباتريوت.
ووصفت رئاسة إقليم كردستان ما جرى بأنه “تصعيد خطير وانتهاك صارخ لسيادة العراق”.
ثلاث محافظات في ليلة واحدة، اتساع في الرقعة لم يكن معهوداً حين تركز الاستهداف على أربيل وحدها في الموجات السابقة.
لم يكن الوجود الأميركي وحده ما جعل الشمال هدفا، فمنذ مطلع يوليو كثّفت طهران ضرباتها على مقارّ المعارضة الكردية الإيرانية المتمركزة قرب أربيل، ما دفع شركات طاقة عاملة في الإقليم إلى تعليق عملياتها تباعاً، وأضاف ذلك التطور بُعداً اقتصادياً يمس العصب الحيوي لإيرادات الإقليم.
قبلها بأيام، أعلن جهاز مكافحة الإرهاب في الإقليم أن قوات التحالف الدولي أسقطت ودمّرت ثماني طائرات مسيّرة مفخخة في أجواء أربيل من دون وقوع إصابات. وتجددت الهجمات للمرة الثانية خلال أقل من 48 ساعة، بالتزامن مع تصعيد غير مسبوق في خطاب “المقاومة الإسلامية في العراق” ضد الولايات المتحدة، ووسط تحركات ميدانية لأجهزة الأمن العراقية لضبط الملف الداخلي.
كان رئيس الوزراء علي الزيدي في تلك الساعات في العاصمة الأميركية واشنطن، بينما كانت مدنٌ عراقية تحت النيران.
والزيدي، وهو رجل أعمال شاب لم يسبق له تولّي منصب سياسي، جاء إلى السلطة في مايو الماضي مرشحاً توافقياً عن “الإطار التنسيقي”، التحالف الشيعي الأكبر في البرلمان، بعد نحو ستة أشهر من التعطيل الذي أعقب انتخابات نوفمبر 2025.
ويقود الزيدي حتى الآن حكومة لم تكتمل تشكيلتها الوزارية، وتغيب عنها حقيبتا الدفاع والداخلية تحديداً؛ أي أن الرجل يخوض أخطر اختبارٍ أمني من دون وزيرين يُفترض أنهما رأس الحربة في إدارته.
وصف الزيدي الاعتداء على أربيل بأنه “محاولة آثمة للنيل من استقرار الشعب ومساره الواثق في بناء الدولة والسلم المجتمعي”، مؤكداً أن الحكومة “لن تتهاون مع أي محاولة تهدد أمن العراق”، وموجّهاً الأجهزة الأمنية بالتنسيق مع قوات الإقليم لمنع تكرار الاعتداءات وملاحقة الجهات المسؤولة.
بعدها بأيام، تحديداً في الحادي والعشرين من يوليو الحالي، أعلن جهاز الأمن الوطني العراقي ضبط ورشة لتصنيع طائرات مسيّرة داخل العاصمة، وتوقيف ثلاثة متهمين. وضبطت الوحدات الأمنية خمسة وعشرين هيكل طائرة مسيّرة، ومعدات وأدوات تُستخدم في التجميع والإنتاج، وألواحاً وقطعاً مصنّعة من مادة الكاربون.
ويكشف ضابط عراقي رفيع لـ”الحرة” عن ثغرة تفسر عجز بغداد المتكرر: الأجهزة العراقية لا تملك منظومات رادار متطورة تحدد ما إذا كانت مسيّرة أُطلقت من داخل الأراضي العراقية أو من خارجها، وفقاً لقوله.
هذه الثغرة ليست تقنية عابرة، بل بنيوية. فالعراق يفتقر إلى منظومة دفاع جوي متكاملة قادرة على رصد التهديدات المنخفضة والبطيئة مثل المسيّرات.
تنفذ العمليات من قبل “المقاومة الإسلامية في العراق”. وتضم أساساً كتائب حزب الله وحركة النجباء وكتائب سيد الشهداء وحركة أنصار الله الأوفياء، ويتصدر الفصيلان الأولان نشاطها الميداني. وثلاثة منها تحت العقوبات الأميركية. وبينما تلاحق الحكومة مطلقي المسيّرات، تنفي الفصائل استهداف أربيل في ضربات الأيام الأخيرة.
ويؤكد الضابط الرفيع لـ”الحرة” أن “هذه الفصائل تستخدم صواريخ باليستية، وأنها قادرة على تحديد طبيعة ضرباتها وحجمها. أي أن مستوى الضرر خيار تتخذه، لا حداً أقصى تبلغه”.
ويقول كاوه حسن، خبير الشرق الأوسط في مركز ستيمسون للأبحاث الاستراتيجية، إن “ما يحدث أول اختبار حقيقي لحكومة الزيدي: هل يستطيع ترجمة الأقوال إلى أفعال؟ هذا هو السؤال الأساسي”.
وأضاف خلال مقابلة مع “الحرة”: “الهجوم على الكويت (منطقة العبدلي) خطير جداً، والهجمات على كردستان مستمرة دون رادع، ولا يوجد سوى البيانات والتصريحات المشابهة لتصريحات لحكومات السابقة دون أي إجراء فعلي على الأرض”.
ويتوقف جانب كبير من مسار الأزمة على مسألتين لم تُحسما بعد: ما إذا كان الرئيس الأميركي سيمضي في تهديده بشنّ “ضربة كبرى” على إيران، وما إذا كانت الفصائل العراقية ستنفّذ تهديدها بالتدخل في حال اتساع الحرب.