كان عام 1777 من أقسى الأعوام في التاريخ الأميركي.
على اليابسة، كانت القوات البريطانية قد سيطرت على عدد من المدن الكبرى.
وسقطت نيويورك في أيديهم.
حاول الجيش القاري، بقيادة جورج واشنطن، وقف تقدم البريطانيين مرتين: أولا في برانديواين ثم في جيرمنتاون، بولاية بنسلفانيا.
قُتل مئات الأميركيين، وأصيب عدد أكبر ووقع كثيرون في الأسر. لكن، الجيش القاري فشل في المحاولتين. ثم جاءت ضربة أخرى في 26 سبتمبر، حين احتل البريطانيون فيلادلفيا، العاصمة الفعلية لأميركا الثائرة.
انسحب جيش جورج واشنطن المنهك، إلى منطقة فالي فورج، على بعد أربعين ميلا شمال غربي فيلادلفيا. كانت المعنويات منهارة، والمؤن شحيحة، وخزائن الجيش فارغة تماما. وكان كثير من الجنود قد أصيبوا في القتال. أما الذين كانوا يقاتلون من دون جزم، فلفوا أقدامهم بخرق بالية، وساروا في الحقول والوديان وهم يعرجون، وإلى جانبهم سار قائدهم على صهوة حصانه.
كان ثلث الجنود البالغ عددهم 11 ألفا “غير صالحين للخدمة”، بسبب سيرهم حفاة أو شبه عراة. هذا من غير أعداد الجرحى الموجودين في المستشفيات أو العيادات الميدانية.
وفي رسالة وجهها إلى كونغرس المستعمرات الأميركية في ديسمبر، حذر جورج واشنطن من أن الجيش سيكون أمام ثلاثة احتمالات إذا لم تتغير الأوضاع: “الموت جوعا، أو الانهيار، أو التشتت”.
هكذا كان الحالُ على اليابسة.
أما في البحر، فكان الوضع أسوأ بكثير.
كانت البحرية الملكية البريطانية تسيطر على الساحل الأطلسي. وقد كشف الاستقلال الذي ناضلت من أجله أميركا أكبر نقاط ضعفها. فالأسطول البريطاني الذي كان يحمي السفن الأميركية حتى عام 1776 تحول إلى عدو لدود، وأصبحت تلك السفن فريسة سهلة في عرض البحر.
ولم يكن افتقار الأميركيين لأسطول، خطرا على السفن وطواقمها فقط. كان، أكثر من ذلك، يهدد بقاء الدولة الوليدة ذاتها، نظرا لاعتمادها الحيوي على التجارة البحرية.
إلى جانب ذلك، لم تكن الولايات المتحدة قد أبرمت بعد معاهدات تضمن لسفنها دخول موانئ الدول الأخرى. ومن دون أسطول أو معاهدات، أصيبت التجارة الأميركية بالشلل.
في تلك اللحظة العصيبة، كانت الولايات المتحدة بأمس الحاجة لاعترافٍ من دولة مستقلة. وجاء الاعتراف، لكن ليس من أوروبا، بل من مملكة في شمال أفريقيا، تبعد عن شواطئ أميركا أكثر من ثلاثة آلاف ميل.
في المغرب، فتح السلطان محمد الثالث، موانئه أمام السفن الأميركية، ليصبح أول حاكم أجنبي في دولة ذاتِ سيادة يعترف علنا بالولايات المتحدة.
مع ذلك، لم ينتبه الآباء المؤسسون في أميركا لهذا البادرة السخية إلا بعد سنوات. ولهذا، فإن حكاية أول صديق لأميركا هي أيضا حكاية إهمال إلى حد ما. ففي الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة تتطلع حصرا إلى أوروبا، لم تنتبه إلى أول دولة وقفت إلى جانبها.
كان السلطان، سيدي محمد بن عبد الله الخطيب، من السلالة العلوية، يلقب بأمير المؤمنين.
كان جنديا وعالما. وُلد في فاس، ودرس الفقه والعلوم الدينية. وفي عام 1777، كان السلطان البالغ من العمر 67 عاما قد أمضى عشرين سنة متربعا على عرش المغرب.
هناك روايات كثيرة متضاربة حول شخصيته. وصفه خصومه بأنه رجل عابس، قصير القامة، ممتلئ الجسم، وعيناه، لا تشبه إحداهما الأخرى. أما أصدقاؤه، فقالوا إنه كان طويلا ويتمتع بحضور قوي.
خلال سنوات حكمه، دخل في صدام مع والده، ثم تبرأ علنا من أحد أبنائه، قبل أن ينفيه.
لكن الثابت أن السلطان محمد الثالث، خلال العقدين الأولين من حكمه، غير وجه المغرب.
أخرج البلاد من فوضى واضطرابات أنهكتها على مدى عقود. وأعاد إليها الاستقرار، ثم مضى أبعد من ذلك.
وعلى عكس من سبقوه في الحكم، وجّه محمد الثالث أنظاره إلى الخارج. وفي سعيه لتعزيز التجارة مع أوروبا، عمل على تطوير مدينة الصويرة، وحولها إلى ميناء مزدهر على المحيط الأطلسي.
أبرم معاهدات مع الدنمارك والسويد والبندقية وبريطانيا. ورحب بالتجار المسيحيين في الموانئ المغربية، واعتمد على تجار يهود لإدارة جانب من تجارة المغرب الدولية.
بالنسبة إليه، كانت التجارة، لا الغزو، هي مصدر القوة. فكل سفينة تدخل موانئه كانت تضيف عائدات جمركية إلى خزينة الدولة. وهكذا أثْرت التجارة المغرب وعززت موقع السلطان في مواجهة خصومه في الداخل.
في تلك الأثناء، وفي الجهة الأخرى من المحيط، كانت الثورة الأميركية لا تزال مشتعلة. وبالنسبة لكثير من الحكام الأوروبيين، لم يكن الثوار الأميركيون أكثر من متمردين وبقاؤهم غير مؤكد.
لم تكن فرنسا قد تحالفت معهم بعد. واختارت إسبانيا، التي كانت تخشى تشجيع الثورات داخل إمبراطوريتها، النأي بالنفس. أما السلطان، فأدرك ما لم تدركه، وقتها، حكومات أوروبية عديدة. ومن موقعه على حافة الصحراء الكبرى، بعيدا عن سيطرة العثمانيين، لم ينظر إلى الولايات المتحدة باعتبارها دولة من المتمردين، بل شريكا تجاريا محتملا.
ولأن المغرب كان قد تعرض لهجمات من فرنسا، وخاض حربا مع الهولنديين، وواجه حصارا بحريا بريطانيا، ربما شعر السلطان بالرضا لإصرار الأميركيين على التحرر من الهيمنة الأوروبية.
وبالنسبة لحاكم يسعى إلى رفع مكانة بلاده، فإن اعترافه بالولايات المتحدة قبل غيره كان فرصة لا يمكن تفويتها. فهو كان يطمح إلى تحويل المغرب، الذي ظل مملكة هامشية في شمال أفريقيا، إلى قوة ذات شأن على الأطلسي، الذي كان قد تحول إلى ممر بالغ الخطورة أمام السفن الأميركية.
كان قراصنة شمال أفريقيا يسيطرون على مساحات شاسعة من البحر. وكان بإمكان ربان أي سفينة تجارية أميركية أن يحمّل سفينته بالتبغ أو الخشب أو الأرز، ثم يبحر بها من بوسطن أو بالتيمور. لكن ما إن يختفي الساحل خلفه، ويكون في مكان ما قبالة شبه الجزيرة الأيبيرية أو بالقرب من مضيق جبل طارق، فسيجد نفسه في مواجهة عشرات من الأشرعة السريعة وهي تندفع نحو سفينته.
ولم يكن البحارة يخسرون سفنهم فقط.
فإن نجوا من القتل في المعركة، أمضى كثيرون منهم سنوات في الأسر. كانوا يُساقون مقيدين بالسلاسل في مدن الموانئ، مجردين من ملابسهم و من كرامتهم. ثم يُجبرون على العمل في البيوت والحقول وأحواض السفن وعلى متون المراكب. وكان المحظوظون منهم يُطلق سراحهم مقابل فدية. أما الآخرون، فكانوا يبقون في العبودية.
في تلك الحقبة تحديدا، عرض السلطان حمايته على السفن الأميركية وفتح أمامها موانئ المغرب. أرسل تعليماته إلى القناصل والتجار في موانئ طنجة وسلا والصويرة، معلنا أن السفن الأميركية تستطيع أن تتاجرَ، وتحصلَ على المؤن، وتلجأ إلى الموانئ، ثم تواصل طريقَها من دون أن يتعرض لها أحد.
وبذلك، وضعت المغرب الولايات المتحدة في مرتبة عشر قوى أوروبية أخرى كانت تتمتع بالامتياز نفسه، من بينها روسيا وسردينيا وبروسيا. لكن أحدا في أميركا التي مزقتها الحرب لم ينتبه لمبادرة السلطات.
كانت الأخبار تنتقل ببطء في تلك الأيام. وتشير بعض الروايات إلى أن نبأ المبادرة لم يصل إلى بنجامين فرانكلين، الذي كان يعمل مبعوثا أميركيا في باريس، إلا في ربيع عام 1778.
وحتى بعد وصول الخبر، لم يكن لدى المسؤولين الأميركيين متسع من الوقت أو الاهتمام. كان الكونغرس مشغولا بالحرب والديون، وفي البحث عن أجابة للسؤال الأهم: هل ستتمكن الجمهورية من البقاء؟
لكن السلطان لم يتراجع.
لجأ إلى إتيان دوأوديبر كاي وهو تاجر فرنسي عُين لتمثيل الدول التي لا تملك قناصل في المغرب. وكتب كاي إلى بنجامين فرانكلين نيابة عن السلطان. وحين لم يتلق ردا، كتب مرة أخرى. لكن لا جواب، هذه المرة أيضا.
وأخيرا، في سبتمبر 1780، وبعد نحو ثلاثة أعوام من إصدار السلطان قراره الأول، أبلغ رئيس الكونغرس القاري صاموئيل هانتنغتون، أعضاءه بوصول رسالة تدعو الولايات المتحدة إلى التجارة في الموانئ المغربية.
ورد الكونغرس أخيرا، معربا عن رغبته في السلام والصداقة. لكنّ الرد المهذب، وحده، لم يكن ليرضي السلطان. فقد كان يريد معاهدة واتفاقات تجارية مع أميركا.
كان قد عبر مرارا وبوضوح عن رغبته في إقامة علاقة رسمية مع الولايات المتحدة. لهذا، في أكتوبر 1784، أي بعد سبعة أعوام من فتح الموانئ المغربية أمام السفن الأميركية، أمر محمد الثالث باحتجاز سفينة تجارية أميركية تدعى “بيتسي”، (Betsey,) بعد مغادرتها ميناء قادس الإسباني.
بدا احتجاز السفينة عملا عدائيا، لكنه كان في الحقيقة رسالة دبلوماسية محسوبة، وطريقة حازمة لدفع الأميركيين إلى التفاوض.
وقد وصلت الرسالة.
وفي نهاية المطاف، اضطرت واشنطن إلى التحرك. ففي عام 1786، سافر توماس باركلي، المبعوث الأميركي إلى فرنسا، وهو مهاجر أيرلندي أصبح من أنصار الثورة الأميركية، إلى المغرب للتفاوض على اتفاق رسمي. وبعد ذلك بوقت قصير، استكمل جون آدامز وتوماس جيفرسون وهما من الآباء المؤسسين، وكانا يعملان دبلوماسيين في أوروبا، التفاصيل النهائية للاتفاق.
وُقعت معاهدة الصداقة المغربية الأميركية في 28 يونيو 1786، وصادق عليها الكونغرس بعد نحو عام. ونظمت التجارة، ومعاملة البحارة الناجين من غرق السفن، وحقوق المواطنين الأميركيين في الموانئ المغربية، وحماية السفن الأميركية من الهجمات داخل المياه المغربية.
وفي عام 1789، كتب الرئيس جورج واشنطن شخصيا إلى السلطان محمد الثالث. قدم أولا “خالص امتنان الولايات المتحدة وشكرها” على صداقة السلطان. ثم أشاد “بالتشجيع الذي تفضل جلالتكم بمنحه بسخاء لتجارتنا مع بلادكم”، مضيفا أن دعم المغرب ترك “أثرا عميقا في الولايات المتحدة”.
لا تزال معاهدة الصداقة تمثل أطول علاقة دبلوماسية مستمرة في تاريخ الولايات المتحدة. وقد صمدت أمام تقلبات عقود طويلة: حروب البربر، والاحتلال الفرنسي للمغرب، والحربين العالميتين، والحرب الباردة. وفي طنجة، لا تزال المفوضية الأميركية قائمة، وهي أول عقار امتلكته الولايات المتحدة خارج أراضيها.
ولم تكن مبادرة المغرب عام 1777 مجرد تفصيل في قصة تأسيس الولايات المتحدة، بل تذكيرا بأن الثورة الأميركية كانت قد بدأت تترك صداها بعيدا عن الشواطئ الأميركية، أحيانا في أماكن لم يتوقعها الأميركيون، وأحيانا قبل أن يكونوا مستعدين لإدراك ذلك بزمن طويل.