يُتوقع أن تحصل إيران بموجب مذكرة التفاهم مع واشنطن على جزء من أموالها المجمدة. وينتظر “حزب الله” حصته من هذه الأموال، خصوصا مع وعود إيرانية سابقة بتخصيص مبالغ لإعادة الإعمار في جنوب لبنان.
وتعبر إسرائيل عن مخاوف من أن يستخدم الحزب تلك الأموال لإعادة بناء قدراته العسكرية. وقد عبّر المحلل العسكري لصحيفة “معاريف” آفي أشكنازي عن قلقه من أن يتلقى الحوثيون وحماس وحزب الله ما وصفها بـ”جرعات إنعاش” بعد الإفراج عن كميات هائلة من الأموال الإيرانية المجمدة.
يجد هذا القلق صداه أيضا في أوساط لبنانية.
يقول مصدر لبناني مطّلع على ديناميات العلاقة بين إيران و”حزب الله”، إن هناك مخاوف من أن تستخدم الأموال التي يمكن أن يحصل عليها الحزب في إعادة التسلّح ومفاقمة مشكلة السلاح بدل استخدامها لإعادة الإعمار.
يضيف المصدر أن “حزب الله” تلقى وعودا إيرانية بتزويده بالمال من أي صفقة تحصل بموجبها إيران على جزء أو كل من أموالها المجمدة. يقول المصدر إن المرشد السابق علي خامنئي كان قد وعد الحزب بعد الضربات القاسية التي تعرض لها بأنه سيخصص “ريع بئر نفط غير مستخرج بعد” لدعم إعادة الإعمار في لبنان.
لا يساور مات ليفيت، الخبير في مكافحة الإرهاب وتمويل الجماعات المسلحة، شكّ بأن النظام الإيراني سيمنح الأولوية لإمكانية استخدام جزء من تلك الأموال، بل وعلى الأرجح مبالغ طائلة منها، لإعادة بناء ترسانته الصاروخية وتمويل وكلائه، وربما لمواصلة برنامج نووي سري، ولإعادة بناء النظام نفسه.
يشرح ليفيت لـ”الحرة”، أن استراتيجية النظام الإيراني كانت دائما الدفاع عن الثورة في الداخل وتصديرها للخارج.
“هذا جزء من الحمض النووي لهذا النظام. ولذلك، فإن الاعتقاد بأنهم لن يستخدموا الأموال لدعم وكلائهم، هو اعتقاد خاطئ. وبالتالي، لا يوجد أي سبب للثقة في أن الأموال التي سيُفرج عنها لإيران لن تُستخدم، على الأقل جزئيا، بل وبجزء كبير منها لتمويل وكلائهم”.
من جانبه يلاحظ المصدر اللبناني، في حديثه مع “الحرة” أن الحزب عانى بالفعل، ولا يزال يعاني من أزمة مالية، ظهرت بوضوح في توقف أو تراجع تمويل شخصيات مرتبطة به في لبنان. ويكشف المصدر معلومات عن أن الحزب اكتشف بعد إيقاف التمويل عن بعض الشخصيات القريبة منه تنظيميا، أن الموساد الإسرائيلي وجد طريقه إلى بعضها من باب الإغراءات المالية، وهو ما أثار قلق الحزب، وقرر عدم قطع التمويل عن أحد في منظومته، كي لا يشكل ذلك نقطة ضعف أمنية.
صرف “حزب الله” اللبناني خلال عام واحد مليارا و200 مليون دولار، بحسب جريدة “الأخبار” المقرّبة من الحزب. الصحيفة أشارت إلى أن الحزب، في خضمّ حربه الضروس مع إسرائيل، والضربات القاسية التي تعرّض لها، لم يتأثر بالحصار والعقوبات والضربات، وأنه استطاع الحصول على الأموال اللازمة لعملياته، من دون أن يمسّ بكميات الذهب التي يضعها كثير من الشيعة في فروع بنك القرض الحسن.
في مرحلة من المراحل من العام 2020 كانت التقديرات الاستخبارية تشير إلى أن إيران خفّضت التمويل السنوي لـ”حزب الله” من حوالي مليار دولار إلى ما بين 700 و800 مليون دولار.
الحديث عن مبلغ يتخطى في عام واحد مليارا و200 مليون دولار، قد يبدو مبالغا فيه وقد يكون جزءا من بروباغندا إعلامية “لرفع المعنويات”، بحسب المصدر اللبناني، بعد أن خرجت صرخة الناس بأنهم متروكون لمصيريهم في مراكز الإيواء، وبأن كلفة إعادة الاعمار هائلة وتفوق قدرة الحزب وإيران على تغطيتها في حال توقف الحرب.
لا يمكن التأكد تماما من أن الحزب استطاع فعلا الحصول على هذه المبالغ، لكن كبيرة باحثي معهد “واشنطن” لشؤون الشرق الأدنى حنين غدار تقول لـ”الحرة” إن لديها معلومات تؤكد أن الحزب استطاع بالفعل تهريب حقائب من الأموال النقدية من إيران عبر طرق تمر بمطار إسطنبول، وعلى متن طائرات تأتي من تركيا، لا تخضع لرقابة مشددة في مطار بيروت، كتلك التي تخضع لها الطائرات القادمة من إيران أو من العراق.
ما ذكرته صحيفة “الأخبار” قد يعني أن طرق التمويل والإمداد للحزب لا تزال قائمة وممكنة رغم سقوط نظام الأسد ورغم الإجراءات التي التي تقول الدولة اللبنانية إنها تعتمدها في مطار بيروت وعند المرافق الحدودية، للتضييق على مصادر تمويل الحزب.
وعن ذلك، تشير غدار إلى أن إمكانية فرض رقابة مشددة على جميع الطائرات، وتفتيش جميع الركاب في المطار، ليست واقعية، وقد تخلق كثيرا من المشاكل التي تتعلق بالزحام وتأخير الرحلات، خصوصا مع ضعف إمكانات الأجهزة الأمنية اللبنانية، كما أن عدد الرحلات الجوية المدنية بين بيروت وإسطنبول كبير جدا، يصل أحيانا في أوقات الذروة إلى ما يزيد على عشر رحلات يوميا.
وتحدث سفير إسرائيل الدائم في الأمم المتحدة داني دانون في رسالة إلى الأمين العام، مؤرخة في العشرين من فبراير 2025، عن محاولة إيران إعادة تمويل “حزب الله”.
قال دانون في رسالته: “هناك مؤشرات على أن التمويل يجري عبر وسطاء في تركيا، والتي يمكن أن تعمل كمركز مالي في هذا الجهد المستمر”.
وفي شهر مارس الماضي، نشرت صحيفة “إسرائيل هايوم” تقريرا، مفاده أنه بعد تعطل طرق التهريب التقليدية لـ”حزب الله” نتجة للتغيرات في سوريا ووقف الرحلات المباشرة بين طهران وبيروت، بدأت إيران وحزب الله مسارات تهريب بديلة عبر دولة ثالثة مثل تركيا والعراق، بالاعتماد على مكاتب الصيرفة والعملات المشفرة.
يقول ليفيت إن هناك طرقا كثيرة تستخدمها إيران لنقل الأموال، رغم العقوبات، باستخدام العملات المشفرة، وغيرها من الطرق:
“لقد دأبوا بشكل متزايد على نقل الأموال عبر العملات الرقمية من خلال مزودي خدمات الأصول الافتراضية. كما نحجو في الماضي، ويمكنهم النجاح مستقبلا، في إرسال حقائب من الأموال النقدية من إيران، ومن العراق، ومن تركيا، ومن دول الخليج.
ويضيف أن إيران أنشأت نظاما معقدا للغاية، تمكنت من خلاله حتى تحت وطأة العقوبات، من تمويل وكلائها بمئات الملايين من الدولارات سنويا دون أن تسحب سنتا واحدا من البنك. لقد كانت تفعل ذلك عبر تزويد الحرس الثوري الإيراني بالنفط. وتقوم شركات واجهة تابعة للحرس الثوري وشركات واجهة أخرى أسسها الوكلاء كـ”حزب الله” اللبناني والميليشيات الشيعية العراقية والحوثيين ببيع هذا النفط بشكل أساسي للصين، وإلى آخرين أيضا.
وبعد لك، ومن خلال أنواع مختلفة من الصيرفة “الظلّية” التي كشفتها وزارة الخزانة الأميركية مرارا وتكرارا، تعود تلك الأموال إلى إيران من عائدات البيع. ومن ثمَ، يتمكن الحرس الثوري من استخدام جزء من هذه الأموال لتمويل نفسه وتمويل الوكلاء، ويذهب جزء منها إلى أجزاء أخرى من الحكومة. وبناء عليه، يتابع ليفيت، “سيكون بمقدورهم مواصلة ذلك، بل وسيكونون قادرين على القيام به على نطاق أوسع إذا رُفعت العقوبات. وحتى لو لم يمسوا الأموال غير المجمدة بأي طريقة ملموسة، فإذا رُفعت العقوبات وتمكنت إيران من استئناف مبيعات النفط بكميات كبيرة، فستكون قادرة على تمويل الوكلاء من تلك العائدات أيضاً”.