تقترب الولايات المتحدة وإيران من تفاهم سياسي قد يخفف التوتر العسكري في الشرق الأوسط، من دون أن يتضح حتى الآن ما إذا كان سيطال واحدة من أكثر القضايا حساسية في المنطقة، وهي الجماعات المسلحة المرتبطة بطهران.
في العراق، حيث تعمل فصائل شيعية مسلحة داخل مؤسسات الدولة وعلى هامشها في الوقت نفسه، يراقب سياسيون وخبراء ومسؤولون مسار التفاوض بين واشنطن وطهران باعتباره عاملا قد يؤثر في مستقبل هذه الجماعات، حتى إن لم يرد اسمها صراحة في أي اتفاق.
خلال الحرب الأخيرة، التي اندلعت في فبراير بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة ثانية، شاركت فصائل عراقية في الهجمات على مواقع مرتبطة بالقوات الأميركية في العراق والمنطقة، مستخدمة طائرات مسيرة وصواريخ. وقدمت تلك الهجمات دليلا جديدا على موقع هذه الجماعات داخل ما تسميه طهران “محور المقاومة”، وعلى صعوبة فصل مستقبلها عن أي تبدل في العلاقة بين واشنطن وطهران.
ولا توجد حتى الآن مؤشرات واضحة على أن الاتفاق المرتقب يتضمن بنودا تفصيلية تتعلق بالفصائل العراقية المسلحة، أو بحزب الله اللبناني أو الحوثيين في اليمن. غير أن مجرد وجود مسار تفاوضي جديد بين واشنطن وطهران يفتح نقاشا واسعا حول الجماعات التي شكلت، على مدى سنوات، إحدى أدوات النفوذ الإيراني في المنطقة.
وتزامن النقاش بشأن التفاهم الأميركي الإيراني مع ضغط أميركي مباشر على بغداد في ملف السلاح. فقد قال مصدر حكومي عراقي لـ”الحرة” إن واشنطن طلبت من حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي وضع جدول زمني واضح لحصر السلاح بيد الدولة وتفكيك الجماعات المسلحة العاملة خارج سلطتها، خلال زيارة أجراها المبعوث الأميركي توم برّاك إلى بغداد ولقائه بالزيدي.
ورغم كثرة التسريبات والتقارير عن التفاهم الأميركي الإيراني المرتقب، لا تزال التفاصيل الحقيقية محدودة للغاية.
“لا يزال من غير الواضح إلى أي مدى ستشمل مذكرة التفاهم موضوع الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران”، يقول ماثيو ليفيت، رئيس قسم مكافحة الإرهاب والاستخبارات في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى.
ويضيف ليفيت لـ”الحرة”: “حتى إذا افترضنا وجود نية جدية لإدراج هذا الملف ضمن الاتفاق، فلا توجد طريقة لمعرفة ما إذا كانت الالتزامات المحتملة ستكون قابلة للتطبيق أو الرقابة في ساحة دون أخرى”.
نشأت أغلب الفصائل العراقية المسلحة الحالية بعد عام 2003، ثم توسع نفوذها بشكل كبير بعد اجتياح تنظيم داعش لمساحات واسعة من العراق عام 2014.
وترتبط العديد من هذه الفصائل بعلاقات سياسية وعسكرية وأيديولوجية مع إيران، خاصة مع فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، الذي لعب دورا رئيسيا في التدريب والتسليح والدعم لعدد منها خلال السنوات الماضية.
وتضم هذه الفصائل جماعات بارزة مثل عصائب أهل الحق، وكتائب حزب الله، وحركة النجباء، وكتائب الإمام علي، إلى جانب تشكيلات أخرى تعمل ضمن هيئة الحشد الشعبي أو بالتنسيق معها.
وخلال الحرب ضد تنظيم داعش، اكتسبت هذه الجماعات شرعية واسعة داخل العراق نتيجة مشاركتها في القتال إلى جانب القوات الحكومية. لكن دورها اتسع لاحقا إلى خارج الساحة العراقية، إذ شاركت بعض الفصائل في القتال داخل سوريا دعما لنظام الرئيس السابق بشار الأسد، وانخرطت في السنوات الأخيرة في عمليات مرتبطة بالصراع الإقليمي بين إيران وإسرائيل.
ويشكك عدد من الخبراء في وجود توافق أميركي إيراني حقيقي بشأن مستقبل الجماعات المسلحة المرتبطة بطهران، أو في استعداد إيران للتخلي عن وكلائها.
يقول جوشوا يافي، الزميل البارز في مركز المصلحة الوطنية بواشنطن، إن طهران لا تبدو مستعدة للتخلي عن دعم هذه الجماعات، وهو ما يعني أن الولايات المتحدة ستظل أمام الأدوات التقليدية نفسها التي استخدمتها خلال السنوات الماضية، مثل العقوبات وعمليات الاعتراض والإجراءات الأمنية السرية.
ومع ذلك، يشير يافي في حديثه لـ”الحرة” إلى أن البيت الأبيض سيحاول الحصول على تنازلات إيرانية تتعلق بالوكلاء. أما تنفيذ أي ترتيبات على الأرض، فسيبقى في يد الحكومات المحلية في بغداد وبيروت، وكل منها يواجه حسابات سياسية داخلية معقدة.
وفي الحالة العراقية، يقول يافي إن رئيس الوزراء علي الزيدي يحاول تحقيق توازن حساس بين استيعاب الفصائل داخل العملية السياسية وتجنب صدامات داخلية حول النفوذ والموارد.
حزب الله: أولوية مختلفة
تتعامل إيران مع حلفائها في المنطقة وفق درجات مختلفة من الأهمية والمكانة الاستراتيجية، بناء على طبيعة العلاقة والدور الذي تؤديه كل جماعة في حسابات طهران.
ويصف كثيرون حزب الله اللبناني بأنه الحليف الأهم بالنسبة لإيران، نظرا إلى عمق العلاقة مع قياداته السابقة والحالية، وإلى موقع لبنان كساحة مواجهة مباشرة وحدودية مع إسرائيل، على خلاف الفصائل العراقية والحوثيين في اليمن.
ويرى ليفيت أن المقارنة بين حزب الله والفصائل العراقية ليست سهلة، لأن الحزب يحتل موقعا خاصا داخل المنظومة الإقليمية التي بنتها إيران خلال العقود الماضية.
ويقول إن حزب الله كان دائما “جوهرة التاج” في ما يسمى بـ”محور المقاومة”، وهو التنظيم الأقدم والأكثر ارتباطا بطهران من الناحيتين السياسية والعقائدية. ويشير إلى أن العلاقة بين الطرفين لا تقتصر على التعاون العسكري أو السياسي، وإنما تشمل أيضا روابط شخصية وعائلية ممتدة بين قيادات من الجانبين.
ويضيف أن لبنان يمثل بالنسبة لإيران ساحة مختلفة عن العراق أو اليمن، لأن حزب الله نشأ وتطور ضمن مشروع إقليمي طويل الأمد، ما يجعله حالة خاصة في نظر القيادة الإيرانية.
ويعتقد مدير السياسات في منظمة “الاتحاد ضد إيران النووية”، جيسون برودسكي، أن إيران تسعى إلى ربط ملف حزب الله بأي تفاهم مستقبلي مع الولايات المتحدة.
ويقول إن الهدف الإيراني يتمثل في منح الحزب فرصة لإعادة بناء قدراته وإعادة التسلح بعد الخسائر التي تعرض لها خلال المواجهات مع إسرائيل.
أما الفصائل العراقية، فقد تتأثر بأي اتفاق حتى إذا غابت عن نصوصه المباشرة. فخفض التوتر بين الولايات المتحدة وإيران قد يمنح هذه الجماعات مساحة لإعادة ترتيب أوضاعها، بينما قد يعيدها فشل التفاهم إلى واجهة المواجهة.
ويضيف برودسكي: “الفصائل العراقية ستسعى على الأرجح إلى استغلال أي فترة هدوء لإعادة تنظيم صفوفها وتعزيز قدراتها العسكرية”.
وفي المحصلة، لا يتوقف مستقبل الفصائل العراقية على بنود أي مذكرة تفاهم محتملة بين واشنطن وطهران وحدها. سيظل هذا المستقبل مرتبطا بموازين القوى داخل العراق، وبالعلاقة بين الدولة والفصائل، وباتجاه الصراع الإقليمي الأوسع في الشرق الأوسط.