واشنطن العاصمة 02:05 PM

لبنان على طاولة التفاوض.. من دون مقعد

تتداخل مفاوضات واشنطن وطهران مع مسار الدولة اللبنانية، فيما تحاول بيروت تثبيت حقها الحصري في التفاوض على الجنوب والحدود.

· 5 دقيقة قراءة
نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث بجوار رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف ورئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني قبل اجتماع رباعي بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان وقطر في مجمع فندق بورغنستوك الفاخر المطل على بحيرة لوسيرن في سويسرا، في 21 يونيو/حزيران 2026. (فابريس كوفري/بول عبر رويترز)

توقفت الحرب، إلى حد ما، على الجبهة اللبنانية عند خطوط وقف إطلاق النار، لكن المعركة حول من يملك القرار في لبنان انتقلت إلى طاولات التفاوض.

ففي وقت تخوض فيه الدولة اللبنانية مفاوضات مباشرة مع إسرائيل برعاية أميركية، تحاول إيران إبقاء الملف اللبناني جزءا من مفاوضاتها مع الولايات المتحدة، مستندة إلى نفوذها عبر حزب الله، لا إلى أي صفة قانونية تخولها التحدث باسم بيروت.

يدفع هذا التداخل إلى السؤال عما إذا كانت الدولة اللبنانية قادرة على أن تثبت أنها الجهة الوحيدة المخولة التفاوض بشأن الجنوب والحدود، أم أن الملف اللبناني سيبقى جزءا من تفاهمات أوسع بين واشنطن وطهران؟

الثلاثاء، قال رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف إن محادثات سويسرا بين واشنطن وطهران أفضت إلى تفاهمات وآليات مشتركة لضمان سيادة لبنان ووحدة أراضيه، مشيرا إلى اتفاق على إنشاء مركز تنسيق خاص بلبنان لمواكبة الانسحاب الإسرائيلي وعودة النازحين ومتابعة خروقات وقف إطلاق النار.

في بيروت، أثارت التصريحات ردود فعل غاضبة، حيث كتب النائب نديم الجميل عبر منصة “إكس”، متسائلا: “من أعطى إيران أصلا حق التحدث باسم لبنان؟

أما الرئيس اللبناني جوزاف عون فقد عبر عن الموقف الرسمي بقوله: “نرحب بأي مساعدة لإنهاء الحرب، لكننا نميّز بين المساعدة والتدخل في الشؤون الداخلية، لأننا بلد ذو سيادة ولا أحد يفاوض عنا”.

دستوريا، تبدو المسألة واضحة، وفقا للمحامي والمحلل السياسي لويس أبو شرف، الذي يقول لـ”الحرة” إن المادة 52 من الدستور تحصر إدارة المفاوضات الخارجية برئيس الجمهورية، بالتنسيق مع رئيس الحكومة، على أن تُعرض أي اتفاقيات لاحقاً على مجلس الوزراء، وفي حالات معينة على مجلس النواب.

ويضيف أبو شرف أن إيران، مثل أي دولة أخرى، “لا تملك حق التفاوض باسم الدولة اللبنانية”، وأن أي تفاهم تتوصل إليه بشأن لبنان لا يلزم الدولة اللبنانية دستوريا أو قانونيا.

لكن الإشكالية في لبنان لا تتعلق بالنصوص وحدها. فإيران لا تتحدث من موقع قانوني، بل من موقع نفوذ سياسي وعسكري راكمته عبر حزب الله على مدى عقود. وهذا ما يجعل الملف اللبناني حاضرا في أي تفاوض إقليمي واسع، حتى حين لا تكون الدولة اللبنانية طرفا مباشرا فيه.

ويقول أبو شرف إن دخول إيران على خط المفاوضات “يعكس حقيقة أن المواجهة تدور بين إسرائيل وحزب الله، لا بين إسرائيل والدولة اللبنانية”، مضيفا أن طهران “تتفاوض بشأن حزب الله، لا باسم لبنان”.

ويذهب النائب السابق، العميد المتقاعد وهبه قاطيشا، في الاتجاه نفسه، معتبرا أن إيران تسعى إلى الإيحاء بأنها لا تزال لاعبا أساسيا في الملف اللبناني، رغم محاولات واشنطن حصر التفاوض مع الدولة اللبنانية. ويقول قاطيشا لـ”الحرة” إن حزب الله “قدّم لطهران الكثير من التضحيات والقتلى”، ولذلك تحاول إيران الحفاظ على موقعه السياسي والعسكري في أي تفاهم مقبل.

وفّر الموقف الإيراني بشأن لبنان لحزب الله فرصة لاستعادة جزء من زخمه السياسي بعد الخسائر التي تعرض لها خلال الحرب. فقد عاد خطاب الحزب إلى التركيز على دور إيران بوصفها الداعم والحامي، فيما شدد قادته على التمسك بالسلاح وربط حماية لبنان بما يصفونه بقدرات الردع.

في المقابل، تؤكد إسرائيل أنها لن تعود إلى الوضع الذي سبق الحرب. فقد تمسك رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ببقاء القوات الإسرائيلية داخل ما تصفه إسرائيل بـ”المنطقة الأمنية” في جنوب لبنان، مؤكدا احتفاظ الجيش بحرية العمل ضد أي تهديد قائم أو محتمل.

وهكذا بات الجنوب اللبناني محكوما بمسارين متوازيين: مسار لبناني ـ إسرائيلي تحاول واشنطن رعايته عبر الدولة اللبنانية، ومسار أميركي ـ إيراني تريد طهران من خلاله إبقاء حزب الله وملف لبنان ضمن حساباتها الإقليمية.

داخل لبنان، توسعت الاعتراضات على هذا المسار. ففي 22 يونيو، وقّع أكثر من 400 سياسي وأكاديمي وناشط “نداء لإنقاذ لبنان“، رفضوا فيه ما وصفوه باستباحة السيادة اللبنانية، وطالبوا بحصر العلاقات بين لبنان وإيران بالمؤسسات الشرعية.

ويقول النائب إبراهيم منيمنة، أحد الموقعين على النداء، إن الهدف هو تأكيد وجود موقف وطني يتمسك بسيادة الدولة وحصر السلاح بيدها ورفض الوصاية الإيرانية، إلى جانب المطالبة بانسحاب إسرائيل الكامل من جنوب لبنان.

ويرى منيمنة، في حديث لموقع “الحرة”، أن دعم المفاوضات التي تقودها الدولة اللبنانية مع إسرائيل يشكل مدخلا لاستعادة القرار السيادي، شرط أن تبقى الدولة وحدها مرجعية التفاوض والتعبير عن المصلحة الوطنية.

كما سلّم عدد من النواب رئيس الحكومة نواف سلام عريضة تطالب باتخاذ خطوات قانونية ودبلوماسية لمطالبة إيران بتعويضات عن الأضرار والخسائر التي خلفتها الحرب الأخيرة.

ولم يقتصر الموقف على الداخل اللبناني. فقد وجه رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع رسالة إلى نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، دعا فيها واشنطن إلى حصر أي تفاوض أو مقاربة للملف اللبناني بالدولة اللبنانية وحدها، وإبعاد إيران عن تقرير مستقبل لبنان.

وجاء الرد الأميركي مطمئنا نسبيا للسلطات اللبنانية. فقد تلقى الرئيس عون اتصالاً من فانس ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، أكدا خلاله دعم واشنطن لمواقف الرئاسة والحكومة في بسط سلطة الدولة الشرعية على كامل الأراضي اللبنانية بواسطة الجيش والقوى الأمنية وحدها.

كما رد فانس على رسالة جعجع، مؤكدا أن الولايات المتحدة تنظر إلى رئيسي الجمهورية والحكومة بوصفهما السلطة الشرعية الوحيدة في لبنان. وأوضح أن الاتصالات الأميركية مع إيران بشأن لبنان لا تهدف إلى منح طهران دوراً في تقرير مستقبل البلاد، بل إلى دفعها للضغط على حزب الله كي يلتزم بالتعهدات المطلوبة منه.

لكن هذه التطمينات لا تنهي الإشكالية. فوجود لبنان في المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية، حتى من باب الضغط على حزب الله، يبقي الملف اللبناني مرتبطاً بحسابات لا تملك الدولة اللبنانية السيطرة عليها بالكامل.

ويرفض منيمنة اعتبار ذلك دليلاً على فشل الدولة في فصل مسارها عن المسار الإيراني، لكنه يراه مؤشراً إلى صراع مفتوح على الملف اللبناني بين دولة تحاول استعادة دورها وطرف يسعى إلى إبقائه جزءاً من الحسابات الإقليمية.

أما المحلل السياسي هادي مراد فيرى أن لبنان نجح، للمرة الأولى منذ فترة طويلة، في تثبيت مسار تفاوضي مستقل تقوده الدولة، مستنداً إلى موقف الرئيس عون الرافض لأي تفاوض خارجي باسم لبنان، وإلى استمرار المفاوضات المباشرة برعاية أميركية.

لكنه يستبعد أن يقبل حزب الله بأي تسوية تتجاوز الحسابات الإيرانية، نظراً إلى ارتباط قراراته الاستراتيجية بموقف طهران ومآلات التفاوض الأميركي ـ الإيراني.

في النهاية، لا تتعلق القضية بوقف إطلاق النار وحده، ولا بالانسحاب الإسرائيلي وحده. إنها اختبار لقدرة الدولة اللبنانية على استعادة حقها في التحدث باسم نفسها.

فلبنان نجح في الجلوس إلى طاولة تفاوض تخصه مباشرة، لكنه لم ينجح بعد في منع الآخرين من التفاوض حوله. وبين هذين الواقعين، تتحدد المرحلة المقبلة: هل تبقى الدولة شاهدة على ما يُقرر بشأنها، أم تصبح الطرف الذي يقرر باسمها؟

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة