لأكثر من أربعة عقود، عملت “جمعية القرض الحسن” في لبنان بهدوء نسبي، خارج رقابة مصرف لبنان وبعيدا عن المحاسبة القضائية المباشرة. عبرت الحروب، والانهيار المالي، والعقوبات الأميركية، ووسعت حضورها بعد انهيار القطاع المصرفي عام 2019، حين فقد ملايين اللبنانيين ثقتهم بالمصارف التقليدية.
خلال الأيام الماضية، انتقل الملف إلى مكان آخر.
أحال وزير العدل، عادل نصار، ملف الجمعية إلى النيابة العامة التمييزية، فيما حجبت وزارة الداخلية الإفادة السنوية عنها.
رسميا، لا يتحدث المسؤولون اللبنانيون عن قرار بإقفال الجمعية أو حظر نشاطها. لكن الخطوتين فتحتا واحدا من أكثر الملفات حساسية في لبنان، وهو الشبكة المالية التي بناها حزب الله على مدى سنوات خارج النظام المصرفي الرسمي.
ويأتي التحرك في وقت تحاول فيه الدولة اللبنانية ترميم علاقتها بالنظام المالي العالمي، والخروج من اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي، وسط ضغوط دولية متزايدة لتشديد مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وربط المساعدات والإعمار بإصلاحات مالية واقتصادية.
وكان مصدر حكومي كشف لموقع “الحرة” أن المرحلة المقبلة ستشهد إجراءات تطال مؤسسات مرتبطة بالجانب المالي لحزب الله. لذلك، يعتبر ملف القرض الحسن اختبارا لقدرة الدولة اللبنانية على الاقتراب من اقتصاد موازٍ ظل لسنوات جزءا من نفوذ حزب الله الاجتماعي والمالي.
تحقيق قبل الاتهام
حتى الآن، لا تعني إحالة الملف وجود ادعاء قضائي مباشر ضد الجمعية. بدأ المسار بطلب من وزير العدل إلى النيابة العامة التمييزية للتحقق من طبيعة النشاط الذي تمارسه القرض الحسن، ومدى انسجامه مع القوانين اللبنانية والترخيص الممنوح لها.
وقال نصار، في تصريح إعلامي، إن أي فريق سياسي لم يطلب منه طرح ملف القرض الحسن في مجلس الوزراء، مضيفا أنه مقتنع بالقضية ويريد “تطبيق القانون”، وإن الملف لا يندرج ضمن “شد حبال سياسي”.
وتوضح المحامية والناشطة الحقوقية ديالا شحادة إن الخطوة تمثل بداية تحقيق، لا اتهاما. فالمطلوب، وفق شرحها، جمع المعطيات والوثائق، والاستماع إلى المعنيين، والتحقق من طبيعة النشاط القائم، قبل تحديد ما إذا كانت هناك مخالفات تستوجب الملاحقة.
وتذهب الباحثة في الجرائم الاقتصادية والمالية، محاسن مرسل، إلى أن التحقيق يفترض أن يركز على الوضع القانوني للجمعية، ومصادر التمويل والتدفقات المالية والجهات التي تقف خلفها.
من جمعية قروض إلى شبكة مالية
تعود بدايات القرض الحسن إلى مطلع الثمانينيات، حين حصلت على ترخيص “علم وخبر” كجمعية ذات طابع اجتماعي تمنح قروضا محدودة. لكن حضورها توسع بمرور السنوات، خصوصا في مناطق نفوذ حزب الله، من خلال فروع تقدم قروضا مقابل رهونات ذهب وخدمات مالية أخرى.
وتقول مرسل إن الجمعية تجاوزت، في رأيها، الإطار التقليدي للجمعيات الاجتماعية والخيرية، وصارت أقرب إلى مؤسسة مالية تمارس أنشطة تحتاج إلى تدقيق قانوني ومصرفي.
لكن الجدل حول القرض الحسن لم يكن قانونيا فقط. فخصوم حزب الله ينظرون إليها بوصفها جزءا أساسيا من البنية المالية التي يستند إليها الحزب، ووسيلة للالتفاف على العقوبات والقيود المصرفية.
وتقول وزارة الخزانة الأميركية إن القرض الحسن، المدرجة على لائحة العقوبات منذ عام 2007، تستخدم غطاء لإدارة أنشطة حزب الله المالية والوصول إلى النظام المالي. وفي عام 2021، فرضت واشنطن عقوبات على أشخاص قالت إنهم استخدموا حسابات شخصية في مصارف لبنانية لتحويل نحو نصف مليار دولار لمصلحة الجمعية.
وتعرضت فروع للجمعية لضربات إسرائيلية خلال الحرب بين إسرائيل وحزب الله، لكن ذلك لم يوقف عملها. إذ أعادت الجمعية فتح بعض المراكز المتضررة واستأنفت نشاطها، ما عزز الانطباع بأنها ليست مؤسسة خدماتية عادية في بيئة الحزب، بل جزء من بنيته الاقتصادية الأوسع.
شبكة أمان للحزب وجمهوره
بالنسبة إلى جمهور حزب الله، تقدم القرض الحسن نفسها كشبكة دعم اجتماعي في بلد انهارت فيه المصارف واحتُجزت الودائع وتراجعت قدرة الناس على الحصول على قروض صغيرة.
هذه الصورة الاجتماعية هي جزء من قوتها السياسية.
يقول المحلل السياسي خالد الحاج لموقع “الحرة” إن الجمعية شكلت حلقة وصل بين البنية السياسية والعسكرية لحزب الله وبيئته الاجتماعية، لأنها وفرت على مدى سنوات خدمات مالية ثابتة لشريحة واسعة من جمهوره.
ويرى الحاج أن أهمية هذه المنظومة زادت مع توسع شبكات الحزب وتعرضه للعقوبات الأميركية والملاحقات الإسرائيلية. فالجمعية، بحسب قراءته، ساعدت الحزب على حماية جزء من بيئته الاجتماعية من تداعيات الأزمة المالية، وعلى إبقاء علاقة يومية مباشرة مع جمهوره.
من هنا، يتعامل الحزب مع أي استهداف للقرض الحسن بحساسية عالية. فالمسألة، في نظره، لا تتعلق فقط بمؤسسة مالية، وإنما بشبكة دعم تمس جمهوره وشرعيته داخل بيئته.
ويقول الصحفي المتخصص بالشأن الاقتصادي خالد أبو شقرا لموقع “الحرة” إن حزب الله لطالما تعامل مع القرض الحسن كملف قريب في رمزيته من ملف السلاح، ما يجعل أي تنازل عنه بالغ الصعوبة.
لبنان تحت عين الخارج
لا تنفصل قضية “القرض الحسن” عن محاولة لبنان العودة إلى النظام المالي الدولي بعد سنوات من الانهيار. ففي يوليو الماضي، أصدر مصرف لبنان تعميما منع المؤسسات المالية الخاضعة لترخيصه من التعامل، مباشرة أو بشكل غير مباشر، مع مؤسسات غير مرخصة، بينها القرض الحسن.
يرى أبو شقرا أن استمرار مؤسسات مالية غير مرخصة أو خاضعة لعقوبات دولية في العمل يرفع المخاطر على الاقتصاد اللبناني. فالمصارف المراسلة في الخارج، بحسب قوله، قد تزيد تدقيقها في أي تعاملات مرتبطة بلبنان، وقد تقلص علاقاتها مع المصارف اللبنانية إذا رأت أن البيئة المالية لا تزال مفتوحة أمام أنشطة لا تخضع للرقابة الكافية.
وتقول مرسل إن الملاحظات الدولية لا تتعلق بالقرض الحسن وحده. فلبنان يواجه تحديات أوسع، بينها الاعتماد الكبير على الاقتصاد النقدي، والثغرات في تشريعات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وضعف قدرة الدولة على ضبط كل القنوات المالية العاملة على أراضيها.
هذه النقطة تجعل التحقيق في ملف القرض الحسن جزءا من معركة أكبر تتعلق بصورة الدولة اللبنانية وسمعتها في المحافل الدولية. فالمطلوب من لبنان، في نظر الخارج، لا يقتصر على إصدار تعاميم مصرفية أو فتح تحقيقات، وإنما إظهار قدرة فعلية على تطبيق القانون على مؤسسات نافذة سياسيا وأمنيا.
حدود المعركة
رغم ذلك، لا يبدو أن القضية ستنتهي سريعا إلى إقفال الجمعية. فقرار من هذا النوع يحتاج إلى غطاء سياسي، وقد يفتح مواجهة مباشرة مع حزب الله في وقت تحاول فيه الدولة التعامل مع ملفات أكثر أهمية، مثل ملف السلاح، والإعمار والحدود والعلاقة مع الخارج.
يتوقع أبو شقرا أن تتجه المعالجة، في المرحلة الأولى، نحو الحد من بعض أنشطة الجمعية وإلزامها بالعودة إلى حدود الترخيص الممنوح لها. وقد يشمل ذلك وقف خدمات تمنحها طابعا مصرفيا، مثل الصرافات الآلية أو بعض أشكال التحويل والتسليف، إلى أن تنضج تسوية سياسية أوسع بين الدولة وحزب الله حول ملفاته المالية والأمنية.
أما المسار القضائي، فقد يستغرق أشهرا قبل أن يصل إلى نتائج حاسمة. وقد ينتهي إلى ملاحقات، أو إلى توصيات تنظيمية، أو إلى تسوية تمنح الدولة هامشا لإظهار الجدية من دون الذهاب إلى مواجهة شاملة.
لكن ما تغير الآن أن القرض الحسن لم تعد خارج النقاش الرسمي. بعد سنوات من العقوبات والتحذيرات والتقارير الدولية، دخل الملف إلى القضاء اللبناني. وهذا وحده يجعل القضية أكبر من خلاف على ترخيص جمعية.