خرجت إيران من الحرب الـ40 يوما بقدرات عسكرية أضعف، لكن النظام يبدو، في الظاهر على أقل تقدير، أكثر تماسكا في الداخل.
فبعد حرب استمرت نحو 40 يوما خاضتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، وهدنة لأكثر من شهرين تخللتها اشتباكات عديدة، اختتم الوفدان الإيراني والأميركي، الاثنين الماضي، الجولة الأولى من مفاوضات انطلقت، الأحد، في سويسرا، بعد توقيع الرئيس الأميركي دونالد ترامب والإيراني مسعود بزشكيان مذكرة تفاهم بوساطة باكستانية قطرية، بهدف التوصل الى اتفاق سلام نهائي.
ونقلت رويترز عن جيه. دي. فانس نائب الرئيس الأميركي قوله للصحفيين عقب اختتام المفاوضات، إن ”تقدما أحرز في المفاوضات مع إيران”، مشيرا إلى موافقة طهران على السماح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بدخول البلاد، وإنشاء آليات للتعامل مع أصولها المجمدة وإدارة اتفاقات وقف إطلاق النار.
وأضاف فانس، أنه جرى التطرق أيضا إلى آلية لضمان إبقاء مضيق هرمز مفتوحا، مع توقع استمرار المحادثات الفنية خلال الأيام والأسابيع المقبلة.
لكن هل ستمنح مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية والمفاوضات الجارية بين الجانبين للتوصل إلى اتفاق سلام، الفرصة للإيرانيين وأحزابهم وحركاتهم للتحرك واسقاط نظام ولي الفقيه؟
تمكنت “الحرة” بعد محاولات عديدة وعبر وسطاء محليين من التواصل مع “حسين”، وهو اسم مستعار لناشط إيراني يقول إنه شارك منذ عام 2009 في الاحتجاجات ضد النظام الحاكم، وقد تعرض للاعتقال والإصابة عدة مرات خلال الاحتجاجات.
يقول حسين “الغارات الأميركية الإسرائيلية نجحت في إضعاف القدرات الصاروخية الإيرانية، الا أنها لم تفقد النظام سيطرته على الشارع، لذلك لم نتمكن من التحرك شعبيا ضده اثناء الحرب، فقبضته الأمنية أصبحت الآن أشد، لهذا مع الحرب أو بدونها لا يوجد من يدعم المتظاهرين”.
ويعتقد حسين أن المفاوضات بين واشطن وطهران سواء نجحت أو فشلت فالنظام في إيران لن يستمر طويلا وسيسقط قريبا، إثر تزايد الغضب الشعبي ضده، وقال إن التحركات الخارجية والأحزاب المعارضة لا تستطيع التحرك ضد النظام دون التنسيق مع القوى الشعبية الداخلية.
تتألف المعارضة الإيرانية من مجموعات متنوعة سياسيا وفكريا، تفتقر إلى التنسيق فيما بينها، وتجتمع معا في كونها جميعا تسعى إلى إنهاء نظام الجمهورية الإسلامية، الذي استولى على الحكم في إيران عام 1979 بعد سقوط نظام الشاه.
تتكون هذه المجموعات من المعارضة الفارسية، وأبرز قوتين فيها هما المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية والملكيون “أنصار الشاه”. أما المجموعة الثانية، فتتكون من الأحزاب القومية التي تمثل القوميات غير الفارسية وتشمل الأحزاب الكردية والأحزاب العربية الاحوازية، والأحزاب البلوشية، والأحزاب الآذرية. وتطالب غالبيتها العظمى بحق تقرير المصير والانفصال عن إيران.
ووفقا لمتابعات “الحرة”، وبالاستناد إلى معلومات سياسيين معارضين ومراقبين مختصين بالشأن الإيراني، تعد هذه الأحزاب من بين قوى المعارضة الأكثر تنظيما ونشاطا، مقارنة بمجموعات معارضة أخرى.
أما المجموعة الثالثة، فتتألف من أحزاب شيوعية وليبرالية واشتراكية.
وفي فبراير الماضي، أعلنت ست تنظيمات كردية إيرانية مسلحة تشكيل تحالف سياسي وعسكري لإسقاط النظام الحاكم في إيران، وذلك قبل نحو أسبوع من اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد طهران.
وقالت قيادات كردية معارضة لـ”الحرة” في وقت سابق إن التحالف لم يبدأ بعد عملا عسكريا موحدا داخل إيران، وإن خطواته تتركز حتى الآن على تنسيق المواقف والخطاب، بينما تواصل الأحزاب الكردية، كل على حدة، عملياتها المسلحة ونشاطاتها السياسية المناهضة للنظام في الداخل.
ويقول المتحدث باسم حزب الحرية الكردستاني، خليل نادري، إن القضية الكردية في إيران “ليست نتاج حرب أو سلام أو معادلة إقليمية”، بل قضية ذات جذور عميقة تستند إلى إرادة الشعب الكردي ونضاله.
ويرى نادري أن الوقت الحالي مناسب لاندلاع انتفاضة شعبية ضد النظام، موضحا لـ”الحرة” أن “الشعب الكردي في حالة تحرك دائم منذ انتفاضة ژينا أميني عام 2022، وفي كل مرة يعود إلى الشارع من منطقة ما. لذلك، فإن المشهد الحالي يقتضي إصدار قرار عام وتشكيل ائتلاف لقيادة الانتفاضة والحملة العسكرية ضد النظام في الداخل”.
ويقول نادري إن حزبه يؤيد تحرك البيشمركة في الداخل والتحامها مع الشعب في حال اندلاع انتفاضة واسعة تسقط النظام، مشيرا إلى أن القرار النهائي في ذلك يعود إلى قيادة التحالف والحركة الكردية في كردستان إيران.
ويرى معارضون إيرانيون تحدثوا إلى “الحرة” أن مذكرة التفاهم الموقعة بين واشنطن وطهران، والمفاوضات الحالية بين الجانبين، لم تفرض على النظام الإيراني شروطا تتعلق بوقف ممارساته القمعية وانتهاكاته، أو بإنهاء القيود المفروضة على الحريات وحقوق القوميات وكيفية التعامل مع المعارضين. ويحذر هؤلاء من موجة قمع جديدة إذا اطمأن النظام إلى أنه لن يواجه ضغوطا دولية.
ويستبعد رئيس تنفيذية دولة الأحواز، عارف الكعبي، قبول السلطات الإيرانية بالنقاط المدرجة في ملفات التفاوض، لأنها تعلم، بحسب قوله، أن ذلك قد يسرع في إسقاطها. ويرى أن ذهاب المفاوض الإيراني إلى سويسرا يهدف إلى كسب الوقت كي يستطيع الحرس الثوري ترتيب وضعه الداخلي.
ويقول الكعبي لـ”الحرة”: “الأحوازيون وغيرهم من الناشطين على جغرافية إيران من أجل إسقاط النظام لم يكونوا طرفا في الحرب. لم تطلب منا أي جهة الدخول في هذه الحرب، ولم تنسق معنا أي جهة بهذا الخصوص. بالتالي لسنا معنيين بالحرب والمذكرة. لكن نتائجها وانعكاساتها على الداخل الإيراني هي التي ستمهد لنا الطريق لإسقاط النظام”.
ويؤكد الكعبي أن النظام الحاكم في إيران فقد هيبته نتيجة الحرب، ويشهد خللا في بنيته وخلافا واسعا بين صانعي القرار العسكري والسياسي، معتبرا أن هذا الارتباك سيصب في صالح الشعوب داخل إيران الساعية إلى إسقاط النظام.
ويدعو الكعبي الأطراف الدولية والإقليمية المعنية بإسقاط النظام إلى توفير غطاء لثورة داخلية، مشيرا إلى أن أي ثورة أو تحرك شعبي ضد النظام من دون غطاء دولي لن يحقق أهدافه.
لكن الأمين العام لحزب استقلال أذربيجان الجنوبية، صالح إيلديريم، يختلف مع الكعبي. فهو يرى أن الحرب التي خاضتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران لم تضعف النظام أو تفقده قدراته، بل زادته قوة.
ويقول إيلديريم لـ”الحرة”: “عززت الحرب نفوذ النظام الإيراني داخليا وإقليميا أيضا. وبمعنى آخر، وكما وصف الخميني الحرب مع العراق بأنها نعمة إلهية، كانت هذه الحرب أيضا نعمة للنظام الإيراني، لأنه اعتمد عليها للتخلص من التهديدات الداخلية. وانشغل العالم عن قضية الإطاحة بالنظام، وأصبح مضيق هرمز القضية الرئيسية. وهذه كارثة سنرى عواقبها”.
ورغم اعتقاد إيلديريم أن النظام في إيران يتجه نحو السقوط، وأن التحركات الشعبية ضده ستظهر قريبا، فإنه يرى أن أي عملية تغيير في إيران ستستغرق وقتا طويلا.