حين سمعتُ للمرة الأولى اقتراح الرئيس ترامب بأن سوريا قد تساعد في حل مشكلة حزب الله في لبنان، لم يذهب ذهني إلى الدبلوماسية أو الاستراتيجيات. ذهب إلى مكان آخر.
عاد بي إلى تلك الطفلة ذات الأحد عشر عامًا التي كنتها يومًا، وهي تخرج من ملجأ بدائي في مرآب سيارات تحت الأرض، تعجّ به الحشرات والقوارض في بيروت، بعد ليلة أخرى من القصف الذي نفذته القوات السورية، ثم تمشي إلى المدرسة متخطية جثةً ملقاة في الشارع. عاد بي إلى صوت الصفير. وحتى اليوم، ما زال صفيرٌ مفاجئ يثير في داخلي رد فعل غريزيًا من الرعب، لأنه يستحضر صوت الصواريخ القادمة. عاد بي إلى عويل جارتنا لوسين حين قُتل ابنها ملكون بقذيفة أصابت بنايتنا. وعاد بي إلى دموع صديقتي تيريز، التي اختُطف عمها ولم يعد أبدًا.
اذكر سوريا أمام كثير من اللبنانيين من أبناء جيلي، وستطفو على السطح ذكريات من هذا النوع: قوات سورية تخنق لبنان لما يقارب ثلاثين عامًا. أجهزة استخبارات سورية تتغلغل في كل مؤسسة. اغتيالات سياسية تطارد البلاد. سياسيون وصحفيون ومثقفون وناشطون لبنانيون يعيشون تحت وطأة الخوف. انتخابات يجري التلاعب بها. وقرارات وطنية يُحال أمرها إلى دمشق.
هذه هي الأشياء التي نتذكرها. ليس لأننا أسرى الماضي، ولا لأننا نعتقد أن سوريا لم تتغير. بل لأن التاريخ يترك ندوبًا. بعضها على الأمم. وبعضها على المدن. وبعضها في الجهاز العصبي للإنسان نفسه.
ولهذا أشعر بقشعريرة كلما أثار الرئيس ترامب احتمال الاستعانة بسوريا. قد يكون طرح الفكرة مرة واحدة ارتجالًا؛ أما تكرارها فيحوّلها إلى رؤية للعالم. فكأننا نقترح إعادة السجّان السابق ليتولى تنظيم السجن من جديد.
لا شك أن حزب الله يمثل مشكلة. فلا يمكن لأي دولة أن تكون ذات سيادة حقًا بينما تعمل فيها منظمة مسلحة خارج سلطة الدولة.
غير أن المشكلة الأعمق ليست ترامب نفسه. فالافتراض الكامن في الاقتراح أكثر إثارة للقلق من الاقتراح بحد ذاته. فترامب لا يفعل سوى الكشف عن الطريقة التي لا يزال يُنظر بها إلى لبنان على الصعيد الدولي: أرضًا ينبغي أن يديرها آخرون، وملفًا يُسلَّم من فاعل إقليمي إلى آخر، ومشكلةً ينبغي حلها من الخارج.
لا شك أن حزب الله يمثل مشكلة. فلا يمكن لأي دولة أن تكون ذات سيادة حقًا بينما تعمل فيها منظمة مسلحة خارج سلطة الدولة. وقد كتبتُ شخصيًا مرارًا عن العواقب الكارثية التي خلّفتها هيمنة حزب الله العسكرية على مؤسسات لبنان، واقتصاده، وعلاقاته الخارجية، وحياته الوطنية. لكن ثمة أمرًا بالغ الإزعاج في فكرة أن يكون حل إحدى مشكلات لبنان هو وضع لبنان، مرة أخرى، في عهدة دولة أخرى. فحين تصبح السيادة مشروطة، فإنها تتلاشى.
ندرك جيدًا أن هذه ليست سوريا الأسد. لقد سقط النظام الذي ألقى بظله الثقيل على الحياة السياسية اللبنانية لعقود. وقد عانى ملايين السوريين، وناضلوا، وقدموا التضحيات في سبيل مستقبل مختلف. وهم يستحقون فرصة إعادة بناء بلدهم في سلام وكرامة. وآمل بصدق أن ينجحوا في ذلك. كما آمل أن يتمكن لبنان وسوريا أخيرًا من إقامة العلاقة التي يستحقها الشعبان: علاقة تقوم على الاحترام المتبادل، والشراكة، والمساواة. ولهذا السبب تحديدًا يقلقني هذا الطرح.
القضية ليست ما إذا كانت سوريا الجديدة تشبه سوريا القديمة، أو أفضل منها، أو أسوأ. القضية هي أنه، بينما تغيرت سوريا، يبدو أن طريقة التفكير في لبنان لم تتغير. فما زال لبنان يُناقش وكأن مشكلاته لا بد أن يحلها طرف آخر.
فالقضية ليست ما إذا كانت سوريا الجديدة تشبه سوريا القديمة، أو أفضل منها، أو أسوأ. القضية هي أنه، بينما تغيرت سوريا، يبدو أن طريقة التفكير في لبنان لم تتغير. فما زال لبنان يُناقش وكأن مشكلاته لا بد أن يحلها طرف آخر. لا الجيش اللبناني. ولا المؤسسات اللبنانية. ولا القوى السياسية اللبنانية. بل شخص آخر. دائمًا شخص آخر.
على مدى العقود الثلاثة الماضية، برّر حزب الله احتفاظه بسلاحه، وخضوعه لإيران، بالقول إن لبنان يحتاج إلى الحماية من التهديدات الخارجية. واليوم يُقال لنا إن قوة خارجية أخرى قد تكون مطلوبة لنزع هذا السلاح. تختلف الأطراف، لكن الفرضية واحدة: أن لبنان عاجز عن الوقوف على قدميه.
لقد أمضى لبنان عقودًا ينتقل من راعٍ إلى آخر، ومن حامٍ مزعوم إلى آخر، ومن داعم خارجي إلى آخر، بينما يؤجل المهمة الأصعب: بناء دولة قادرة على حماية نفسها بنفسها.
والسؤال الأكثر إزعاجًا ليس لماذا ينظر الآخرون إلينا بهذه الطريقة، بل لماذا ما زلنا نقبل بها. ألم نتعلم شيئًا؟ أم أننا، في الحقيقة، نستحقها؟
الحقيقة أن الأوصياء الأجانب نادرًا ما يفرضون أنفسهم على بلد قادر على حكم نفسه. إنهم يدخلون عبر الشقوق الموجودة أصلًا. وفي كل مرة دعا فيها فريق لبناني “حاميًا” خارجيًا لتعزيز موقعه في مواجهة فريق لبناني آخر، ساهم في ترسيخ الفكرة القائلة إن لبنان عاجز عن إدارة شؤونه بنفسه. فالوصاية الأجنبية كان لها دائمًا شركاء محليون.
هذا ليس موقفًا ضد التعاون مع سوريا، بل على العكس تمامًا. فالبلدان يتقاسمان حدودًا، واقتصادات متداخلة، وروابط إنسانية لا تُحصى. والتعاون بينهما ضرورة. لكن التعاون شيء، والوصاية شيء آخر. فالصداقة ليست وصاية، والشراكة ليست إشرافًا.
والمفارقة لافتة. فعلى مدى عقود، كان لبنان يُعامل بوصفه الحديقة الخلفية لسوريا. واليوم، وبينما تلوح أمام البلدين فرصة لبناء علاقة أكثر صحةً وتوازنًا، والتخلص من عقود الهيمنة والتبعية، يُطرح علينا اقتراح يعيد إنتاج منطق قديم ومألوف: أن نعود إلى نموذج تصبح فيه سوريا مسؤولة عن إدارة شؤون لبنان.
إن نهاية الهيمنة العسكرية لحزب الله، ونهاية التبعية لإيران التي تستند إليها تلك الهيمنة، ينبغي ألا تمثل بداية مرحلة جديدة من الإدارة الأجنبية. وإلا، فما الذي يكون قد تحقق فعلًا؟ إن استبدال تبعية بأخرى ليس سيادة.
ما يحتاج إليه لبنان ليس وصيًا جديدًا، بل عقدًا جديدًا مع نفسه. دولة تحتكر وحدها السلاح. دولة تنفرد وحدها باتخاذ قرارات الحرب والسلم. دولة تقيم علاقات مع الجميع، من دون أن تتحول إلى أداة في يد أحد. سمِّ ذلك حيادًا، أو نأيًا بالنفس، أو عدم انحياز فاعل، أو ببساطة حسًا سليمًا. فالمبدأ واحد: يجب أن يتوقف لبنان عن كونه ساحة حرب بالوكالة، وأن يعود دولةً من جديد.
إن المستقبل الوحيد القابل للحياة بالنسبة إلى لبنان يكمن في فك ارتباطه بصراعات الآخرين. لا عبر الانعزال، وبالتأكيد ليس عبر اللامبالاة بمعاناة الشعوب المجاورة، بل من خلال التزام وطني واضح بأن لا يكون لبنان تابعًا لأي محور إقليمي، أيًّا كان.
ما يحتاج إليه لبنان ليس وصيًا جديدًا، بل عقدًا جديدًا مع نفسه. دولة تحتكر وحدها السلاح. دولة تنفرد وحدها باتخاذ قرارات الحرب والسلم. دولة تقيم علاقات مع الجميع، من دون أن تتحول إلى أداة في يد أحد. سمِّ ذلك حيادًا، أو نأيًا بالنفس، أو عدم انحياز فاعل، أو ببساطة حسًا سليمًا. فالمبدأ واحد: يجب أن يتوقف لبنان عن كونه ساحة حرب بالوكالة، وأن يعود دولةً من جديد.
أتمنى لسوريا الجديدة الاستقرار والنجاح. وآمل أن تنهض من سنوات المعاناة أكثر قوة وحرية وازدهارًا.
لكن إذا كان للبنان أن يصبح يومًا دولة حقيقية، فلا يمكن أن يكون حل أزماته هو تسليمها، مرة أخرى، إلى أيدي الآخرين.
لقد عشنا هذه القصة من قبل. ونعرف كيف تنتهي، لأننا دفعنا ثمنها غاليًا. وكان الدرس مكلفًا بما فيه الكفاية. ولا ينبغي أن نضطر إلى دفع ثمنه مرتين.
الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب فقط، ولا تعكس بالضرورة الموقف أو السياسة الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN).