واشنطن العاصمة 05:10 PM
أردوغان لم يخترع الحكم السلطوي... بل ورثه

ماغازين · يونيو 2026

أردوغان لم يخترع الحكم السلطوي... بل ورثه

إدمان تركيا على السلطوية يعود إلى ما قبل الرئيس الحالي

مصطفى أكيول

مصطفى أكيول كاتب في شبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN)، وزميل أول في معهد كاتو – المركز العالمي للحرية والازدهار. تتركز أبحاثه على تقاطعات السياسات العامة والإسلام والحداثة. يمكن متابعته على منصة «إكس» عبر الحساب: ‎@AkyolinEnglish.

اقرأ بـ English
· 9 دقيقة قراءة

في الشهر الماضي، أصدرت محكمة تركية حكماً ألغى نتائج انتخابات القيادة الداخلية في حزب المعارضة الرئيسي في البلاد، حزب الشعب الجمهوري (CHP). وبموجب هذا القرار، أطاح القضاة برئيس الحزب الصاعد أوزغور أوزيل، وأعادوا سلفه، كمال كليجدار أوغلو، المعروف بافتقاره إلى الكاريزما السياسية، إلى المنصب. وكان ذلك تدخلاً سياسياً صارخاً إلى درجة أن الحزب سارع إلى وصفه بأنه «انقلاب قضائي».

ومع ذلك، لم تكن تلك الحادثة معزولة. فمنذ أكثر من عام، يقبع رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، أبرز منافسي الرئيس رجب طيب أردوغان السياسيين والمرشح الرئاسي الذي اختاره حزب الشعب الجمهوري، في سجن شديد الحراسة بتهم فساد يؤكد أنصاره أنها ذات دوافع سياسية.

وفي العام الماضي، وقبل أيام فقط من إعلانه الترشح للرئاسة، أُلغيت شهادته الجامعية الصادرة عام 1994، ما جعله غير مؤهل قانونياً لخوض الانتخابات. ومنذ ذلك الحين، صدرت بحقه أحكام سجن جديدة بتهمة «إهانة» أحد المدعين العامين. كما تم توقيف أكثر من 500 شخص مرتبطين ببلديات يديرها حزب الشعب الجمهوري. والآن، أُعيد تشكيل قيادة الحزب نفسها بقرار قضائي؛ فقد أُلغيت نتائج انتخاباته، وتعرضت مقراته لمداهمات من الشرطة التي استخدمت الغاز المسيل للدموع.

النمط من التمادي السلطوي له جذور عميقة في التاريخ التركي.

في المقابل، نفت الحكومة، كما تفعل دائماً، أي تدخل سياسي، مؤكدة أن القضاء مستقل. لكن قلة قليلة فقط في تركيا تبدو مقتنعة بهذا النفي. فالكثيرون يميلون إلى استنتاج مختلف: حزب حاكم يسيطر على السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية وعلى جزء كبير من وسائل الإعلام، ويعمل الآن بصورة منهجية على إعادة هندسة المعارضة، بحيث تصبح أقل تماسكاً، وأقل قدرة على تهديده، وأضعف في تقديم تحدٍ انتخابي ذي مصداقية.

إلا أن ما يبدو أن قلة من المراقبين تتذكره هو أن هذا النمط من التمادي السلطوي له جذور عميقة في التاريخ التركي.

الأسلحة نفسها… مستخدمون مختلفون

أنا من جيل يتذكر «تركيا القديمة» في تسعينيات القرن الماضي، حين كانت الأدوار معكوسة تماماً. ففي تلك الفترة، ولا سيما خلال «الانقلاب ما بعد الحداثي» عام 1997 وما أعقبه، كان القضاة العلمانيون هم من يغلقون الأحزاب ذات التوجه الإسلامي (أو الكردي)، ويحظرون السياسيين من العمل العام، ويستخدمون المحاكم أدواتٍ للهندسة السياسية.

فقد أغلقت المحكمة الدستورية التركية حزبين من الأحزاب التي سبقت حزب العدالة والتنمية الحاكم. وفي عام 1998، كادت المسيرة السياسية لأردوغان نفسه أن تنتهي بعد إدانته بتهمة التحريض على الكراهية الدينية، بسبب إلقائه قصيدة شعرية علناً. وحتى عام 2008، كاد القضاة أن يحلوا حزب العدالة والتنمية نفسه، ولم يفشلوا في ذلك إلا بسبب الضغوط السياسية التي مارسها الاتحاد الأوروبي، الذي كانت تركيا تسعى آنذاك إلى الانضمام إليه.

وفي الحقيقة، فإن الأساليب السلطوية للتيار العلماني تعود إلى البدايات الأولى للجمهورية. ففي عام 1925، حظر مؤسس الجمهورية ورئيسها الأول، مصطفى كمال أتاتورك، حزب المعارضة الرئيسي وأقام نظام الحزب الواحد.

واستمر هذا النظام الكمالي الاستبدادي الكامل، حتى بعد وفاة أتاتورك عام 1938، ولم ينتهِ إلا عام 1945.

كما أنشأ أتاتورك محاكم خاصة عُرفت باسم «محاكم الاستقلال»، كانت مهمتها إعدام أو نفي المعارضين. وفي تحدٍ صريح لمبدأ الفصل بين السلطات، الذي يُعد أحد أعمدة الليبرالية السياسية منذ مونتسكيو، دافع أتاتورك عما أسماه «وحدة السلطات».

وكان المقصود بذلك أن السلطات الثلاث — التنفيذية والتشريعية والقضائية — تتوحد تحت مظلة «الإرادة الوطنية»، التي لم يكن يمثلها عملياً سوى أتاتورك نفسه.

وعلاوة على ذلك، استخدم أتباع أتاتورك المخلصون، الكماليون، هيمنتهم على الجيش والقضاء لفرض أيديولوجيتهم على الحكومات المنتخبة، ولإسقاط تلك الحكومات عندما يرون ذلك مناسباً.

وفي الواقع، فإن الكماليين لم يكتفوا بفرض رؤيتهم عبر المؤسسات، بل استخدموا نفوذهم داخل الجيش والقضاء للتدخل في الحياة السياسية كلما رأوا أن الحكومات المنتخبة تنحرف عن المسار الذي رسموه للجمهورية.

وكان انقلاب مايو/أيار 1960، وهو الأول في سلسلة من الانقلابات التي ستشهدها تركيا لاحقاً، المثال الأكثر شهرة على ذلك. فقد انتهى هذا الانقلاب بإعدام رئيس الوزراء عدنان مندريس واثنين من وزرائه، بعد محاكمة صورية أجرتها محكمة تفتقر إلى الحد الأدنى من العدالة واستندت إلى اتهامات ملفقة.

القضاء لا ينبغي أن يُستخدم كسلاح سياسي. والأحزاب السياسية لا ينبغي أن تُحظر أو يُعاد تشكيلها بواسطة قوى غير منتخبة. وكانت تركيا بحاجة إلى مزيد من الحرية لا إلى مزيد من القيود — حرية للجميع، لا للمحافظين المتدينين فقط، بل أيضاً للأكراد والعلويين وغير المسلمين.

وكان مندريس سياسياً شعبياً للغاية من تيار يمين الوسط، ولم يفعل سوى تخفيف القيود المفروضة على المظاهر الدينية. وكان أبرز إجراءاته الرمزية إعادة الأذان باللغة العربية بعدما كان أتاتورك قد حظره. ومع ذلك، شُنق بتهمة «انتهاك الدستور».

ولهذا السبب تحديداً، وصل حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين مستنداً، جزئياً على الأقل، إلى حجة ديمقراطية حقيقية: أن كل تلك الانتهاكات للعدالة التي ارتكبها العلمانيون لعقود كانت خاطئة.

فالقضاء لا ينبغي أن يُستخدم كسلاح سياسي. والأحزاب السياسية لا ينبغي أن تُحظر أو يُعاد تشكيلها بواسطة قوى غير منتخبة. وكانت تركيا بحاجة إلى مزيد من الحرية لا إلى مزيد من القيود — حرية للجميع، لا للمحافظين المتدينين فقط، بل أيضاً للأكراد والعلويين وغير المسلمين.

وكانت هذه الحجج صحيحة. وخلال العقد الأول من حكم حزب العدالة والتنمية — أي تقريباً بين عامي 2003 و2013 — أكسبته هذه المواقف قدراً كبيراً من التعاطف داخل تركيا وخارجها، بين الليبراليين والمحافظين على حد سواء، بمن فيهم كاتب هذه السطور.

لكن الحزب شدد قبضته على السلطة تدريجياً، وتحول المنافس السابق للمؤسسة الحاكمة القديمة إلى مؤسسة حاكمة بحد ذاته.

وبحلول عام 2013، بات هذا التحول واضحاً من خلال القمع العنيف لاحتجاجات متنزه غيزي. ثم أصبح أكثر قتامة بعد محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016، وهي صدمة حقيقية أدت إلى حملة تطهير واسعة النطاق.

وأخذت جميع قوى المعارضة تُصوَّر باعتبارها مكونات خائنة ضمن مؤامرة كبرى تستهدف تركيا نفسها. لقد عادت المنطقية السلطوية إلى الواجهة، لكن مع أشخاص مختلفين يتولون إدارتها.

وفي الوقت نفسه، تغيرت الرواية التي يتبناها أنصار حزب العدالة والتنمية. ففي السنوات الأولى، كانوا محقين في الشعور بالفخر لأن حزبهم كان يضع حداً للمظالم المزمنة التي عرفتها تركيا.

أما في السنوات الأخيرة، فقد بدأوا يبررون المظالم التي يرتكبها معسكرهم نفسه بحجج من قبيل:

«لقد فُعلت بنا هذه الأمور في الماضي، فما المشكلة الكبيرة الآن؟ لقد حان وقت رد الصاع صاعين».

ما الذي فهمه ابن خلدون؟

هناك مفكر من العصور الوسطى، معروف جيداً في العالم العربي وفي التراث الفكري الإسلامي الأوسع، كان سيدرك هذه الجدلية تمام الإدراك: ابن خلدون، العالم الموسوعي الشمال أفريقي في القرن الرابع عشر، الذي يُوصف غالباً بأنه مؤسس علم الاجتماع وعلم التأريخ.

وقد وصف المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي كتابه الشهير «المقدمة» بأنه:

«بلا شك أعظم عمل من نوعه أنتجه أي عقل بشري في أي زمان أو مكان».

وتُعد إحدى الأفكار المركزية في هذا العمل ذات صلة مباشرة بفهم تركيا اليوم.

إنها رؤية ابن خلدون الشهيرة «الدورية» للتاريخ، التي تفترض أن أنماط القوة والغلبة تتكرر، فيما يقتصر التغيير على تبدل الأطراف التي تؤدي الأدوار.

وقد لاحظ ابن خلدون هذه الظاهرة في صعود وسقوط القبائل الصحراوية والسلالات الحاكمة في مدن شمال أفريقيا والعالم العربي. فالجماعات البدوية الصلبة والمتماسكة كانت تغزو الحكام المترفين والمتراخين في المدن، لكنها ما تلبث أن تصبح هي الأخرى مترفة ومتراخية، إلى أن تصل موجة جديدة من القادمين من الخارج لتعيد الدورة من بدايتها.

وكانت العصبية أحد العوامل الأساسية في هذه الدراما التاريخية؛ أي التضامن الجماعي أو التماسك الذي يمنح الحركة الصاعدة قوة الدفع اللازمة للانتصار، لكنه يضعف تدريجياً بمجرد أن تستقر في السلطة.

وثمة اتجاه آخر، ربما يكون أكثر ارتباطاً بالسياسة الحديثة — في تركيا أو في أي مكان آخر — وهو ما كان اللورد أكتون سيدركه بوصفه فساداً يولده امتلاك السلطة.

لا يأتي التغيير إلا عندما تستولي جماعة جديدة من الغزاة على السلطة، لتقوم بعد ذلك بتقليد المؤسسة ذاتها التي أطاحت بها.

فالغزاة الذين يسيطرون على المدن، كما لاحظ ابن خلدون، سرعان ما يقعون في غرام مظاهر الترف والانغماس التي توفرها لهم مكانتهم الجديدة. ولتمويل قصورهم الفخمة، وإنفاقهم الباذخ، وأجهزتهم البيروقراطية الضخمة، يلجؤون إلى أساليب قمعية، مثل السخرة، وفرض البيع والشراء بالإكراه، والضرائب الساحقة، وهي ممارسات تنتهي بإلحاق الضرر بالتجارة وخلق حالة واسعة من السخط الشعبي.

وبعبارة أخرى، يتحول الغزاة سريعاً إلى سلطويين من أجل الحفاظ على السلطة التي حصلوا عليها حديثاً.

ولا يأتي التغيير إلا عندما تستولي جماعة جديدة من الغزاة على السلطة، لتقوم بعد ذلك بتقليد المؤسسة ذاتها التي أطاحت بها.

كسر الحلقة المفرغة

تحمل هذه القراءة الخلدونية للسياسة التركية دلالة مقلقة تتجاوز حزب العدالة والتنمية وأردوغان نفسه.

فإذا ما تأرجح البندول السياسي التركي مجدداً في الاتجاه المعاكس، فما الضمانات التي تكفل ألا يفعل المنتصرون الجدد بالضبط ما فعله أسلافهم؟

وما الذي يضمن أن حزب الشعب الجمهوري، أو أي ائتلاف ينجح في نهاية المطاف في إزاحة حزب العدالة والتنمية عن السلطة، سيقوم بتفكيك آلة القمع بدلاً من إعادة توجيهها لخدمة أهدافه الخاصة؟

يدرك الناخبون الأتراك هذه الديناميكية غالباً بصورة حدسية، حتى وإن لم يصوغوها بمفردات ابن خلدون. فمعرفتهم بأن جميع الأطراف ستلجأ إلى الأساليب الخشنة نفسها عندما تتاح لها الفرصة تدفع كثيرين منهم إلى تفضيل النسخة من السلطوية التي تمارسها جماعتهم السياسية الخاصة.

ولهذا السبب يصعب جداً تغيير اتجاهات الناخبين في المجتمعات المستقطبة.

فأنصار الأحزاب يعرفون أن اللحظة الحالية هي إما «وقتنا نحن» أو «وقتهم هم»، ولا يريدون المجازفة بخسارة لعبة يرونها لعبة محصلتها صفرية.

ولا يوجد سوى مخرج واحد من هذه الحلقة، وهو لا يتمثل في انتصار طرف على طرف آخر. بل يتمثل في قيام نظام دستوري قوي بما يكفي لتقييد أيٍّ كان من يتولى السلطة، وفي ثقافة سياسية تواصل تقدير هذا النظام، بدلاً من البحث عن ثغرات فيه لملاحقة مصالحها الفئوية الضيقة.

ما تحتاجه تركيا هو لحظة ليبرالية أخرى من هذا النوع، لكنها أكثر رسوخاً واستدامة؛ لحظة لا تُبنى على حسن نية «فاتح» بعينه، بل على حواجز دستورية قوية بما يكفي للصمود أمامه.

وهذا يعني وجود استقلال قضائي حقيقي؛ لا محاكم مستقلة بالاسم، وموالية عملياً للسلطة، بل مؤسسات محصنة من التعيينات والضغوط السياسية. ويعني أيضاً حدوداً زمنية للسلطة تجعلها مؤقتة. ويعني اللامركزية، بحيث لا تعني خسارة الحكومة المركزية خسارة كل شيء. كما يعني وجود ضمانات قوية لحرية التعبير السياسي والمعارضة.

قد تبدو هذه المُثل الليبرالية طموحة بالنسبة إلى تركيا اليوم، لكنها ليست بلا سوابق. فقد مرت تركيا بلحظات اقتربت فيها من هذه المبادئ، ولا سيما في عهد تورغوت أوزال في أواخر ثمانينيات القرن الماضي وأوائل تسعينياته، حين دافع عن «الحريات الثلاث»: حرية الفكر، وحرية الدين، وحرية المبادرة الاقتصادية.

ثم جاءت السنوات الأولى من حكم حزب العدالة والتنمية، حين ألهم احتمال الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي موجة غير مسبوقة من الإصلاحات الليبرالية.

ما تحتاجه تركيا هو لحظة ليبرالية أخرى من هذا النوع، لكنها أكثر رسوخاً واستدامة؛ لحظة لا تُبنى على حسن نية «فاتح» بعينه، بل على حواجز دستورية قوية بما يكفي للصمود أمامه.

إنها رؤية لمستقبل أفضل لا تهيمن فيه قبيلة واحدة، بل يجد فيه كل طرف قدراً متساوياً من الحرية والعدالة والكرامة.

وبعبارة أخرى، وبينما نُقدّر حكمة ابن خلدون الخالدة بشأن الحلقات المفرغة في التاريخ، لا يزال بوسعنا أن نطمح إلى كسر هذه الحلقات وبناء ما هو أفضل.

وسيكون لذلك أثر بالغ في تركيا، وفي مجتمعات أخرى شديدة الاستقطاب تحولت فيها السياسة، على نحو مفرط، إلى قبلية وصدامية وشرسة.

 الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب فقط، ولا تعكس بالضرورة الموقف أو السياسة الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN).

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading