لم يطل الوقت قبل أن تتحول الطريق المؤدية إلى مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت، مرة أخرى، إلى واجهة لصراع سياسي بين الحكومة وحزب الله.
فبعد أيام من رفع الحزب صورا للمرشد الإيراني علي خامنئي ونجله مجتبى، مرفقة بعبارة “شكرا لإيران الوفية”، أُزيلت اللافتات واستُبدلت بأخرى تحمل شعاري “لبنان أولا” و”لبنان بيجمعنا”. لكن اللافتات الجديدة أُحرقت ليلا على يد مجهولين، في تطور أعاد السجال إلى بدايته وفتح المجال لمواجهة رمزية بين الحزب والدولة على واحد من أبرز المداخل العامة إلى لبنان.
لا تقف القضية عند حدود مخالفة قانونية محتملة، أو عند سجال حول من يملك حق استخدام الفضاء العام. جاءت حملة الشكر لإيران فيما لا يزال وقف إطلاق النار هشا، ولا تزال أجزاء من الأراضي اللبنانية تحت السيطرة الإسرائيلية، وآثار الحرب ممتدة من الجنوب إلى الضاحية والبقاع وبيروت، وسط آلاف القتلى والجرحى ومئات آلاف النازحين، ومن دون أن تنطلق بعد ورشة إعادة الإعمار أو تعويض المتضررين.
الطريق العام منصة رسائل
لم تكن طريق المطار بعيدة يوما عن رسائل حزب الله السياسية. فعلى مدى سنوات، حضرت صور قادته والمرشد الإيراني في الفضاء العام المحيط بواحد من أبرز مداخل بيروت، قبل أن تُزال العام الماضي بقرار من وزير الداخلية أحمد الحجار ضمن حملة لإزالة المظاهر الحزبية من الشوارع.
وجاءت تلك الإزالة بعد الحرب التي خرج منها الحزب مثقلا بخسائر عسكرية وسياسية، في خطوة رآها كثيرون مؤشرا إلى تراجع قدرته على فرض رموزه في المجال العام.
لكن اللافتات عادت في الأيام الأخيرة، هذه المرة تحت عنوان شكر إيران، بالتزامن مع إدراج طهران بند وقف إطلاق النار في لبنان ضمن مذكرة تفاهمها مع واشنطن. وقرأ مراقبون في الخطوة محاولة من الحزب لاستعادة جزء من حضوره السياسي، وتوجيه رسالة ولاء إلى حليفه الإيراني في لحظة إقليمية دقيقة.
وبعد الجدل الذي أثارته اللافتات، قال الحجار، الخميس الماضي، إنه كلّف الجهات المعنية بإزالتها.
أما اتحاد بلديات الضاحية الجنوبية، فقال في بيان إن لافتات الشكر لإيران جاءت ضمن حملة مرتبطة بإحياء مراسم عاشوراء، وإنها كانت مقررة لعشرة أيام فقط، على أن تُزال بعد العاشر من محرم، وفق ما أبلغته الشركة الإعلانية التي تستثمر اللوحات في عدد من الشوارع الرئيسية في الضاحية. وقد أُزيلت اللافتات بالفعل يوم السبت.
وقال النائب غياث يزبك لموقع “الحرة” إن على الدولة أن تتحرك لإزالة هذه الصور، معتبرا أنها مخالفة للقانون وتسيء إلى صورة الدولة. وأضاف: “إذا كانت عاجزة عن إزالة صور معلقة على طريق المطار، فكيف ستتمكن من نزع سلاح حزب الله؟”
الكلفة التي غابت
بعيدا عن لافتات الشكر لإيران، لا يزال لبنانيون كثر يحصون خسائر الحرب. حسن، من بلدة عيترون الحدودية، خسر منزله في الجنوب، وتضرر منزله الآخر في الضاحية الجنوبية، ونزح مع عائلته.
يقول إن الشكر “يجب أن يوجّه إلى اللبنانيين الذين فقدوا أبناءهم وبيوتهم وقراهم ومصادر رزقهم”.
وتقول ريم، التي فقدت أحد أقاربها في قصف على مدينة صور، إن اللبنانيين لا ينتظرون لافتات امتنان، بل تعويضات وإعادة إعمار وضمانات تمنع تكرار الحرب.
وتظهر الأرقام حجم الفجوة بين خطاب حزب الله ومعاناة اللبنانيين على أرض الواقع. فبحسب تقييم مشترك لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي والمجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان، بلغت الأضرار المباشرة في المباني جنوب الليطاني نحو 1.38 مليار دولار، مع تدمير كامل لأكثر من 11 ألف مبنى. وأسفرت الحرب، منذ الثاني من مارس، عن مقتل أكثر من أربعة آلاف شخص وإصابة أكثر من 12 ألفا، وفق وزارة الصحة اللبنانية.
ويقول رئيس تحرير موقع “جنوبية”، الصحفي علي الأمين، لموقع “الحرة” إن نفوذ الحزب داخل مجتمعاته يحدّ من ظهور اعتراضات علنية، مشيرا إلى ما وصفه بـ”التهويل والقمع والترهيب”، إضافة إلى نفوذه الأمني والاقتصادي والاجتماعي.
رسائل خارج القانون
يتجاوز الجدل البعد السياسي للافتات إلى سؤال قانوني مفاده: من يملك حق استخدام الفضاء العام، خصوصا على طريق يؤدي إلى مرفق حيوي مثل المطار؟
يقول أستاذ القانون والسياسات الخارجية في باريس، محيي الدين الشحيمي، لموقع “الحرة”، إن القانون اللبناني لا يجيز رفع صور قادة دول أجنبية أو أعلامها في الشوارع والساحات العامة، باستثناء الحالات المرتبطة بالبعثات الدبلوماسية.
ويشير إلى أن قانون رفع العلم اللبناني والأعلام الأجنبية، الصادر عام 1945، ينص على عدم جواز رفع غير العلم اللبناني في أراضي الجمهورية اللبنانية، إلا وفق الاستثناءات المحددة قانونا.
لكن القضية لا تتعلق بالنصوص وحدها. فإزالة لافتات وظهور أخرى ثم إحراقها أعادت طرح سؤال قدرة الدولة على فرض القانون في الفضاء العام، عندما يكون الطرف المعني حزبا مسلحا يتمتع بنفوذ سياسي وأمني واسع.