واشنطن العاصمة 12:09 PM

إسرائيل وتركيا: التصعيد يتجاوز الذاكرة إلى البحر وغزة

اعتراف إسرائيل بالإبادة الأرمنية يأتي وسط تدهور واسع في علاقتها مع أنقرة، فيما تمتد المخاوف الإسرائيلية من السياسة إلى البحر وغزة وشرق المتوسط.

· 6 دقيقة قراءة
ردود فعل السياسيين الإسرائيليين عقب تصويت على حل الكنيست، البرلمان الإسرائيلي، قبل انتهاء ولايته، في الكنيست بالقدس، 20 مايو/أيار 2026. رويترز/رونين زفولون

اختارت إسرائيل، بعد سنوات من التردد، الاعتراف رسميا بالإبادة الجماعية للأرمن، في خطوة من شأنها تدشين مرحلة جديدة شائكة في العلاقة مع تركيا.

لكن القرار ليس منفصلا، على ما يبدو، عن تصاعد التوتر مؤخرا بين البلدين.

ففي مقابلة مع “الحرة”، قال السفير الإسرائيلي الأسبق في تركيا، ألون ليئيل، إن تركيا “هي الآن بالفعل دولة معادية لإسرائيل”، معتبرا أن مسار العلاقة من هنا، نحو مزيد من التدهور أو نحو التهدئة، سيتوقف إلى حد كبير على ما سيحدث في غزة.

هذا التقدير يضع القرار الإسرائيلي في سياق يتجاوز الخلاف التاريخي. فالمواجهة بين البلدين لم تعد سياسية فقط، إذ باتت تتحرك على أكثر من جبهة: غزة، وسوريا، وشرق المتوسط، والطاقة، والتعاون العسكري الإسرائيلي مع اليونان وقبرص.

وصادقت الحكومة الإسرائيلية بالإجماع، الأحد، على مقترح قدمه وزير الخارجية جدعون ساعر للاعتراف بالإبادة الجماعية للأرمن في السنوات الأخيرة من الحكم العثماني.

وقال ساعر إن الخطوة “ليست عملا انتقاميا” على “العداء العلني والخطاب الفظيع والأعمال العدائية” التي تنتهجها تركيا بقيادة أردوغان تجاه إسرائيل. لكنه أضاف أن ترويج تركيا “روايات كاذبة ضد إسرائيل” لا يمنحها “حصانة من الحقيقة التاريخية”.

وجاءت الخطوة بعد مطالبات طويلة من أوساط سياسية وأكاديمية وحقوقية داخل إسرائيل، لكنها بقيت مؤجلة لسنوات بسبب الحسابات السياسية وحساسية العلاقة مع أنقرة.

وفي عرضه أمام الحكومة، قال ساعر إن القرار يمثل “اعترافا رسميا من جانب إسرائيل بالإبادة الجماعية التي ارتُكبت بحق أبناء الشعب الأرمني في أواخر عهد الإمبراطورية العثمانية”.

وأشار إلى أن تلك الأحداث بدأت في 24 أبريل 1915، مع اعتقال وترحيل وقتل مئات المثقفين والقادة الأرمن في القسطنطينية، قبل أن تتحول، بحسب نص القرار، إلى سياسة ممنهجة ضد الأرمن شملت القتل الجماعي والتهجير القسري ومسيرات الموت نحو الصحراء السورية. وقال ساعر إن الإبادة أسفرت عن مقتل نحو مليون ونصف مليون شخص.

لكن أهمية القرار لا تقف عند مضمونه التاريخي، بل تمتد إلى توقيته السياسي. فإسرائيل، التي امتنعت طوال عقود عن الاعتراف الرسمي بالإبادة الأرمنية خشية إغضاب أنقرة، تتخذ هذه الخطوة اليوم في ذروة توتر غير مسبوق مع حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان.

وتشكك عضوة الكنيست السابقة، الباحثة في شؤون الشرق الأوسط كسينيا سفِتلوفا في فصل القرار عن سياقه السياسي. وقالت في مقابلة مع “الحرة” إن الاعتراف بالإبادة الأرمنية “قرار كان يجب أن يُتخذ منذ زمن”، لكنها رأت أن توقيته الحالي مرتبط بالمواجهة المتصاعدة مع حكومة أردوغان.

وأضافت: “إذا كان القرار أخلاقيا بالفعل، فلماذا رُفض في كل المرات السابقة؟ لقد نوقش مرات عديدة، وفي كل مرة أُجل أو أُزيل من جدول الأعمال”. واعتبرت أن الاعتراف يجب أن يكون موقفا أخلاقيا ومبدئيا، “لا ورقة مساومة أو أداة في لعبة سياسية مع الرئيس التركي”.

وليس هذا النقاش جديدا في إسرائيل. فقد صدرت في الماضي مواقف مؤيدة للاعتراف بالإبادة الأرمنية، كما طُرحت محاولات داخل الكنيست لتبني موقف رسمي، لكنها بقيت من دون تنفيذ.

حادثة كادت أن تنتهي بمواجهة بحرية

لكن التصعيد بين البلدين لم يعد يقتصر على التصريحات السياسية، بل امتد إلى البحر، إذ تتحدث إسرائيل عن احتمال مواجهة عسكرية مستقبلية مع تركيا.

وقالت القناة 12 الإسرائيلية إن سفينة صواريخ إسرائيلية، كانت تبحر قرب قبرص ضمن تدريب مشترك مع اليونان وقبرص، كادت تدخل في مواجهة مع سفن حربية تركية، بعدما اقتربت منها أربع مدمرات تركية بسرعة إلى مسافة مئات الأمتار.

وبحسب “القناة”، دفعت هذه الحوادث المؤسسة الأمنية الإسرائيلية إلى إعادة النظر في مكانة تركيا، فلم تعد تُعامل باعتبارها دولة خلاف سياسي فحسب، بل دولة تمتلك القدرة على التحول إلى خصم عسكري، الأمر الذي فرض على الجيش الإسرائيلي البدء في بلورة مفهوم جديد لبناء القوة البحرية، بالتوازي مع الاستعداد لمواجهة التحديات القادمة من إيران والحوثيين، بحسب المسؤولين الإسرائيليين.

وتربط إسرائيل هذا التحول بعقيدة “الوطن الأزرق” التي يتبناها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والهادفة إلى توسيع النفوذ البحري التركي في البحر الأسود وبحر إيجه وشرق البحر المتوسط، وتأمين المصالح التركية في مجالات الطاقة والملاحة.

وفي هذا السياق، استعرضت البحرية التركية جانباً من قدراتها خلال مناورات “ذئب البحر 2026” التي جرت في البحر الأسود وبحر إيجه وشرق المتوسط منتصف هذا الشهر. وشارك في المناورات 125 سفينة و60 طائرة ونحو 18 ألف عسكري.

وشملت المناورات اختبار أسلحة وأنظمة محلية، بينها طوربيد “AKYA” وصاروخ “ATMACA” المضاد للسفن، ومنظومة “HİSAR-D” للدفاع الجوي البحري، إضافة إلى استخدام طائرات “بيرقدار TB3” المسيّرة المنطلقة من السفينة “TCG Anadolu”.

وقال قائد البحرية التركية، الأميرال أرجومنت تاتلي أوغلو، إن بلاده تختبر أسلحتها في شرق البحر المتوسط “على أبعد مدى ممكن”. وأضاف أن هذه القدرات تأتي ضمن خطة لبناء قوة بحرية “قوية وفعالة ورادعة”، قادرة على حماية مصالح تركيا السياسية والعسكرية والاقتصادية داخل ما تسميه أنقرة “الوطن الأزرق” وخارجه.

وأشار تاتلي أوغلو إلى مشاريع لتطوير مدمرات دفاع جوي وغواصات وحاملة طائرات وطنية، إلى جانب توسيع استخدام الطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية والأنظمة غير المأهولة.

وتقول القناة 12 الإسرائيلية إن الجيش الإسرائيلي بدأ مراجعة طريقة عمل سلاح البحرية، واضعا في حسابه احتمال مواجهة مع تركيا، إلى جانب الاستعداد المستمر لأي تصعيد مع إيران والحوثيين والتوترات في البحر الأحمر.

ويأتي هذا التحول في ظل فجوة واضحة في ميزان القوة البحرية. وتسعى إسرائيل إلى تقليصها عبر خطة لتطوير سلاح البحرية بكلفة تقدر بنحو 20 مليار دولار خلال العقد المقبل. وتشمل الخطة بناء سفن صواريخ جديدة من طراز “رشف”، وتحديث السفن العاملة حالياً، وتطوير أسلوب تشغيل يجمع سفن الصواريخ والغواصات والطائرات المسيّرة ضمن قوة بحرية واحدة.

وفي الوقت نفسه، توسع إسرائيل تعاونها العسكري مع اليونان وقبرص من خلال تدريبات مشتركة وتبادل معلومات استخباراتية، إضافة إلى مشاريع في الطاقة والبنية التحتية بدعم أميركي ضمن إطار “3+1”. وتندرج هذه الخطوات في مسعى لبناء محور إقليمي يوازن النفوذ التركي في شرق البحر المتوسط.

بالنسبة إلى ليئيل، لا يكفي النظر إلى البحر أو إلى قرار الاعتراف بالإبادة الأرمنية لفهم مستقبل العلاقة مع أنقرة. فغزة، في رأيه، تبقى العامل الأهم.

وقال إن “المسار من الآن فصاعدا، سواء نحو الأسوأ أو نحو الأفضل، يتوقف على ما سيحدث في غزة”. وأضاف أنه إذا استؤنفت الحرب واحتلت إسرائيل من جديد كل قطاع غزة، فإن تركيا قد تتحول إلى “دولة عدو”. أما إذا انسحبت إسرائيل من غزة، أو بدأت الانسحاب، “فقد يكون هناك تحسن في العلاقات”.

وفي تقييمها لمستقبل العلاقات، خالفت سفتلوفا قراءة السفير الإسرائيلي الأسبق لدى أنقرة ألون ليئيل. فرغم إقرارها بأن العلاقات تمر بمرحلة تدهور غير مسبوقة، قالت إنها لا ترى تركيا “عدوا” لإسرائيل على غرار إيران، بل “منافسا أو خصما في العديد من الساحات”.

وأضافت أن الخطاب التركي تجاه إسرائيل “مقلق للغاية”، وأن دعم أردوغان لجماعة الإخوان المسلمين يثير قلق إسرائيل ودول أخرى في المنطقة. لكنها شددت على أن المقارنة مع إيران ليست دقيقة، لأن تركيا لا تزال عضوا في حلف شمال الأطلسي وشريكا للولايات المتحدة.

ويمنح هذا الجدل الأزمة أبعادا أخرى. فالعلاقة بين إسرائيل وتركيا لم تعد مرتبطة فقط بشخصي بنيامين نتنياهو وأردوغان أو بالتصعيد الدبلوماسي بين الحكومتين، بل باتت تتأثر بساحات متداخلة تشمل غزة وسوريا وشرق المتوسط والطاقة والتحالفات العسكرية الإقليمية.

في المحصلة، تبدو العلاقات الإسرائيلية التركية أمام مفترق جديد. فقد انتهت، أو تكاد، مرحلة تجنب الملفات الحساسة مع أنقرة، وفي مقدمتها الإبادة الأرمنية. لكن ما إذا كان هذا التحول سيبقى في حدود الضغط السياسي، أو يفتتح مرحلة جديدة من المواجهة، سيتوقف على ما يجري في غزة والبحر وشرق المتوسط معا.

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة