واشنطن العاصمة 02:59 PM

خلايا داعش النائمة "تستيقظ" في سوريا

تجاوز داعش في سوريا مرحلة البادية، وأصبحت ضرباته تطال مراكز المدن.

· 6 دقيقة قراءة
خلال أشهر قليلة أعلنت وزارة الداخلية السورية توقيف 235 متهماً بالإرهاب، وإحباط سبع عمليات، وتفكيك سبع خلايا تابعة لتنظيم داعش.
خلال أشهر قليلة أعلنت وزارة الداخلية السورية توقيف 235 متهماً بالإرهاب، وإحباط سبع عمليات، وتفكيك سبع خلايا تابعة لتنظيم داعش.

حين بثّ تنظيم داعش، في فبراير الماضي، أول رسالة صوتية له منذ نحو عامين، دعا فيها إلى قتال الحكومة السورية الجديدة، بدا الأمر بالنسبة إلى كثيرين محاولة لإثبات وجوده، بعد خسارة “دولته” عام 2019 وانهيار سيطرته على المدن التي شكّلت يوماً ما مركز ثقله.

لكن ما أعقب ذلك، أكد أن رسالة التنظيم كانت أكثر من مجرد خطوة لاستعادة حضوره الإعلامي.

فمنذ ذلك الحين، توالت هجمات خلاياه في محافظات سورية عدة، بالتزامن مع إعلانات متكررة من السلطات عن إحباط مخططات واعتقال عناصر مرتبطين به، ما أعاد اسم التنظيم إلى واجهة المشهد الأمني، وإن بصيغة مختلفة تماماً عن تلك التي عرفتها سوريا قبل سنوات.

فداعش الذي كان يقيس قوته بمساحة الأراضي الخاضعة لسيطرته، يبدو اليوم وقد انتقل إلى نمط مختلف من العمل، يقوم على إثبات قدرته على تنفيذ الهجمات في أماكن متفرقة ومن دون الحاجة إلى رفع رايته فوق أي رقعة جغرافية.

وتعكس الأرقام هذا التحول. فبحسب توثيق المرصد السوري لحقوق الإنسان، نفّذ التنظيم 57 هجوماً بين 17 فبراير ونهاية يونيو. وسجل شهر مارس الذروة بـ22 هجوماً، و7 في أبريل، و10 في مايو، و5 في يونيو.

وفي الثاني من يوليو، انفجرت عبوة ناسفة في أحد مقاهي دمشق، أسفرت عن 6 قتلى و22 جريحا، وأشارت أصابع الاتهام إلى داعش.

وشملت الهجمات عمليات اغتيال مباشرة، وهجمات نفذها مسلحون يستقلون دراجات نارية، إلى جانب استهداف مركبات عسكرية ونقاط حراسة ومنشآت أمنية.

ورغم تراجع عدد العمليات بعد مارس، فإن استمرارها على مدى أشهر متتالية يشير إلى أن التنظيم نجح في الحفاظ على نشاطه، مبقياً الأجهزة الأمنية في حالة ملاحقة واستنفار، بدلاً من الانتقال إلى مرحلة ترسيخ الاستقرار.

كما تكشف طبيعة الأهداف عن تحول في أولويات التنظيم. فمن أصل خمسين قتيلاً سقطوا في هذه الهجمات، كان أربعون من العسكريين وعناصر الأجهزة الأمنية، مقابل أربعة مدنيين، إضافة إلى مقتل ستة من عناصر التنظيم.

ويشير هذا التوزيع إلى أن داعش يركز، في هذه المرحلة، على إنهاك مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية، أكثر من سعيه إلى تنفيذ هجمات واسعة تستهدف المدنيين لإحداث صدمة إعلامية، كما كان يفعل خلال سنوات تمدده.

كيف غيّر داعش خريطته؟

يكمن التحول الأبرز لدى داعش في مواقع هجماته الجديدة، وليس في عدد هذه الهجمات.

ويقول الخبير في شؤون الجماعات الإرهابية الدكتور مصطفى أمين “منذ ديسمبر 2024، عقب سقوط نظام الأسد ووصول الإدارة الجديدة بقيادة أحمد الشرع، وسّع التنظيم رقعة عملياته ومحاولاته لتنفيذ هجمات.”

وامتد نشاط التنظيم إلى مناطق عدة، بينها دمشق وحلب وحمص، حيث أعلنت السلطات السورية الجديدة في أكثر من مناسبة ضبط خلايا وإحباط مخططات تابعة له.

وهذا يدل، حسب أمين، على استمرار محاولات التنظيم توسيع نشاطه العملياتي، حتى وإن لم تنجح جميعها.

ويشرح لموقع “الحرة” أن “الشرق السوري، ولا سيما دير الزور والحسكة والرقة، لا يزال يمثل القلب العملياتي للتنظيم، فيما تشكل البادية الممتدة بين تدمر والسخنة وريف حمص الشرقي ممراً للتخفي وتدريب العناصر وتأمين حركتها. “

ومنذ عام 2025، وسع التنظيم نشاطه نحو حمص وريف حماة الشرقي، في محاولة لربط البادية بالمراكز السكانية غرباً وصولاً إلى دمشق وريفها، حيث تمكّن من تشكيل خلايا صغيرة، نجح بعضها في تنفيذ هجمات، بينما أحبطت السلطات محاولات أخرى.

وبلغة الأرقام، تصدرت دير الزور المحافظات الأكثر استهدافاً بـ28 هجوماً، تلتها حلب بـ11، ثم الرقة بـ10، فيما توزعت بقية العمليات بين دمشق والحسكة وإدلب وحماة وحمص.

ما يجري وفق أمين يمثل “تحولاً عن مرحلة البادية التي هيمنت على نشاط التنظيم لسنوات. فبدلاً من التركيز على محور صحراوي واحد، بدأ داعش بإعادة بناء شبكة عمليات موزعة على امتداد الجغرافيا السورية.”

لم يعد هدف داعش السيطرة على الأرض، بقدر ما أصبح يسعى لإثبات قدرته على الوصول إلى مختلف البيئات الأمنية، وإجبار السلطة الجديدة على توزيع مواردها الأمنية على مسرح عمليات واسع.

ويوضح أمين أن “من الضروري التمييز بين اتساع النطاق الجغرافي لعمليات تنظيم داعش في سوريا، وبين قدرة التنظيم على التوسع تنظيمياً من خلال استقطاب عناصر جديدة وتشكيل خلايا جديدة”.

فراغات أمنية

في الثامن من يونيو، أعلنت وزارة الداخلية السورية توقيف 235 متهماً بالإرهاب خلال ثلاثة أشهر، وإحباط سبع عمليات، وتفكيك سبع خلايا تابعة لتنظيم داعش، إضافة إلى ضبط أسلحة وعبوات ناسفة ومعدات إلكترونية.

بعد أيام قليلة، تبنى التنظيم عبر منصاته الإعلامية هجمات جديدة في عدة محافظات، بينما استمرت السلطات في الإعلان عن ملاحقات أمنية جديدة.

ويكشف هذا المشهد طبيعة المواجهة الجديدة مع التنظيم. فنجاح الأجهزة الأمنية في تفكيك خلايا لا يعني إنهاء التهديد.

وفي مؤشر على استمرار التركيز الدولي على ملاحقة التنظيم، أعلنت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) تنفيذ غارة جوية في شمال غربي سوريا، في 19 يونيو، أسفرت عن مقتل القيادي في داعش علي حسين العليوي، مؤكدة مواصلة عملياتها، بالتنسيق مع شركائها، “لاستئصال فلول داعش المتبقية لضمان هزيمته النهائية”.

ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي عصمت العبسي أن قدرة التنظيم على إعادة تنظيم صفوفه تبقى محدودة جغرافياً، لكنها لا تزال تشكل خطراً أمنياً. “

فبينما يُقدَّر عدد مقاتليه النشطين بنحو ثلاثة آلاف عنصر في سوريا والعراق، فإن وجود عشرات الآلاف من النساء والأطفال في المخيمات “يوفر بيئة خصبة لإعادة التطرف، في ظل تعثر سياسات الدمج وإعادة التأهيل.”

ويشدد العبسي في حديث لموقع “الحرة” على أن تصاعد نشاط التنظيم يعكس “استغلاله للفراغات الأمنية الناجمة عن عمليات دمج قوات سوريا الديمقراطية بالمؤسسات الأمنية والعسكرية السورية، إضافة إلى الأثر النفسي للانسحاب الأميركي التدريجي من سوريا، والاضطرابات التي رافقت نقل المعتقلين وإدارة مخيمات مثل الهول”.

ويضيف مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان، رامي عبد الرحمن على ذلك، أن بعض التشكيلات العسكرية الحالية “تضم عناصر سابقين من فصائل كانت منخرطة في تنظيمات متطرفة، أو حتى مرتبطة بداعش أو جبهة النصرة، أو تتقارب معها فكرياً، وهو ما يجعل مهمة مكافحة التنظيم أكثر تعقيداً”، وفق ما يقوله لموقع “الحرة”.

وفي السياق، ورد في التقرير الفصلي الصادر في مايو، للمفتش العام الأميركي الخاص بعملية “العزم الصلب”، أن الاضطرابات التي رافقت انهيار منظومة الاحتجاز في شمال شرقي سوريا أتاحت فرار عدد غير محدد من مقاتلي التنظيم وعائلاتهم، محذراً من خطر ظهور جيل جديد للتنظيم.

كما أشارت تقديرات استخباراتية أميركية، نقلتها صحيفة وول ستريت جورنال، إلى اختفاء ما بين 15 ألفاً و20 ألفاً من المرتبطين بداعش بعد الاضطرابات التي شهدها مخيم الهول.

ويشير العبسي إلى أن داعش “تحوّل إلى شبكة من الخلايا النائمة تعتمد على حرب العصابات والعمليات الانتحارية، مع الحفاظ على بنية إدارية سرية تتيح له إعادة التجنيد والتخطيط”.

وهذا ما يفسر استمرار قدرة التنظيم على المناورة. فكلما اتسعت رقعة انتشار مؤسسات الدولة، ازدادت المساحة التي يتعين عليها تأمينها، بينما يكتفي داعش بخلايا محدودة العدد وسريعة الحركة، تستغل أي ثغرة أمنية أو فراغ مؤقت لتنفيذ هجماتها.

اختبار الدولة

يتمثل التحدي الذي تواجهه دمشق اليوم في منع التنظيم من ترسيخ نموذج جديد يقوم على الانتشار المرن والخلايا اللامركزية، بعد أن سقطت “دولته”.

ويقول أمين “يهدف داعش إلى استنزاف الأجهزة الأمنية، وإجبارها على الانتشار في معظم المحافظات، وإظهار قدرته على الوصول إلى مناطق بعيدة عن معاقله التقليدية، إلى جانب إعادة بناء شبكات الدعم والتجنيد في بيئات سورية متنوعة”.

وانضمت دمشق، في نوفمبر 2025، إلى التحالف الدولي لمحاربة “داعش”، الذي تشكل بقيادة الولايات المتحدة بالعام 2014.

ويرى العبسي، أن مستقبل التنظيم سيبقى رهناً بمسار المرحلة الانتقالية، موضحاً أن السيناريوهات تتراوح بين “احتواء نشاطه ضمن نطاقات محددة إذا نجحت الجهود الأمنية المشتركة، أو عودته بصورة جزئية إذا استمر الفراغ السياسي والأمني”.

ويشدد على أن الحد من هذا التهديد يتطلب “تعزيز أنظمة الاحتجاز بشكل آمن ومنسق دولياً، وتسريع عمليات ترحيل الموقوفين الأجانب، وضمان استقرار المؤسسات الأمنية الوطنية”.

من جانبه يعتبر عبد الرحمن أن مستقبل داعش سيظل مرتبطاً “بفعالية جهود مكافحته ومستوى التنسيق الدولي في مواجهته”.

ويؤكد أن احتواء خطره يتطلب “إسناد هذا الملف إلى جهات مدربة ومؤهلة تمتلك خبرة سابقة في ملاحقة خلاياه، بما يمنع إعادة تمدده أو تحوله إلى تهديد أكبر في المستقبل”.

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة