تسارع دول الخليج العربية إلى إصلاح علاقاتها مع إيران، في وقت تواصل فيه طهران وواشنطن التفاوض على اتفاق سلام نهائي بعد الحرب المدمرة التي دارت بينهما.
وبدلاً من الاعتماد الحصري على التحالف الدفاعي مع الولايات المتحدة، تعمل الملكيات الخليجية الغنية بالنفط اليوم على توسيع انخراطها مع إيران.
وتطرح حكومات المنطقة وتناقش أفكاراً جديدة لتعزيز المصالحة مع إيران، من خلال اتفاقات أمنية إقليمية، ومعاهدة لعدم الاعتداء، إضافة إلى التجارة والاستثمارات.
ويمثل هذا التحول تغييراً جذرياً مقارنة بعقود من التنافس، بل والعداء الصريح في بعض الحالات. فمنذ الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979، نظرت دول الخليج العربية ذات الأغلبية السنية إلى المؤسسة الدينية الشيعية الحاكمة في إيران باعتبارها قوة مزعزعة للاستقرار تهدد أمنها، عبر استمالة الأقليات الشيعية لديها ودعم الجماعات الإسلامية المسلحة في أنحاء الشرق الأوسط.
ورغم قلق دول الخليج من إصرار إيران على فرض سيطرتها على الملاحة عبر مضيق هرمز، فإنها باتت تكمل استعداداتها العسكرية، أو ربما تستبدلها جزئياً، بالدبلوماسية. كما أن ثقلها المالي يعزز ثقتها بقدرتها على استمالة إيران نحو مرحلة جديدة من التعاون.
مصالح وطنية متباينة
يقول دانيال بنعيم، الخبير في شؤون الخليج لدى معهد الشرق الأوسط، وهو مركز أبحاث مقره واشنطن، إن إخفاق الولايات المتحدة في تحقيق أهدافها الرئيسية خلال الحرب مع إيران دفع دول الخليج إلى إدارة علاقاتها مع طهران بنفسها.
رغم أن إيران خرجت من هذه الحرب أضعف في نواحٍ عديدة، فإن قدراتها وإجراءاتها القسرية أثبتت فعاليتها في إلحاق الضرر.
دانيال بنعيم، الخبير في شؤون الخليج لدى معهد الشرق الأوسط.
وقال لـ MBN : “لقد أدى ذلك إلى جهود محمومة من جانبها للتواصل مع إيران، والسعي إلى صياغة ترتيباتها الأمنية الخاصة باستخدام الأدوات الدبلوماسية والمالية، في وقت لم تنجح فيه بعد الاستراتيجية الأوسع التي تقودها الولايات المتحدة.”
وكانت واشنطن قد دخلت الحرب بهدف إسقاط النظام الإسلامي المتشدد في إيران، وتفكيك برنامجيها النووي والصاروخي، وإنهاء دعم طهران لوكلائها الإقليميين، وغالبيتهم من الشيعة، في أنحاء الشرق الأوسط. وقُتل المرشد الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي، وعدد من كبار القادة العسكريين في الضربات الجوية الأميركية الافتتاحية في 28 فبراير/شباط. إلا أن الحرب انتهت بعد أربعين يوماً بوقف هش لإطلاق النار، بدلاً من تحقيق نصر حاسم.
وفي 17 يونيو/حزيران، وقعت واشنطن وطهران مذكرة تفاهم لتمديد وقف إطلاق النار لمدة ستين يوماً، بينما تتفاوضان على تسوية نهائية بشأن البرنامج النووي الإيراني وقضايا أخرى عالقة.
ومنذ ذلك الحين، تكثفت التحركات الدبلوماسية في أنحاء الخليج. ففي 30 يونيو/حزيران، استضافت قطر جولة جديدة من المفاوضات غير المباشرة بين مسؤولين أميركيين وإيرانيين، وذلك بعد عطلة نهاية أسبوع شهدت هجمات متبادلة بين الجانبين. فبعد أن استهدفت إيران سفناً تجارية في مضيق هرمز، ردت الولايات المتحدة بضرب مواقع عسكرية وصاروخية على الساحل الإيراني الجنوبي المطل على الخليج العربي. وردت طهران بدورها باستهداف مواقع في البحرين والكويت.
وأبرزت تلك الهجمات مدى هشاشة أوضاع دول الخليج. فخلال أسابيع من الربيع الماضي، انهالت آلاف المقذوفات الإيرانية على السعودية والإمارات والبحرين والكويت وقطر وسلطنة عمان، وجميعها أعضاء في مجلس التعاون الخليجي، وهو تكتل أمني واقتصادي ودبلوماسي.

منشآت إنتاج الغاز الطبيعي المسال التابعة لشركة قطر للطاقة في مدينة راس لفان الصناعية. (صورة أرشيفية)
وقالت إيران إنها كانت تستهدف قواعد عسكرية أميركية، إلا أن حكومات الخليج أفادت بتعرض منشآت الطاقة والفنادق والمطارات لأضرار، ما تسبب في اضطرابات واسعة النطاق. وقُتل ما لا يقل عن 28 شخصاً، معظمهم من العمالة الوافدة، وأصيب المئات بجروح. كما أغلقت طهران مضيق هرمز، أهم ممر عالمي لشحنات الطاقة، مما خنق اقتصادات منطقة تعتمد بشكل كبير على تصدير النفط والغاز.
وقال بنعيم: “رغم أن إيران خرجت من هذه الحرب أضعف في نواحٍ عديدة، فإن قدراتها وإجراءاتها القسرية أثبتت فعاليتها في إلحاق الضرر.”
وفي محاولة لطمأنة الحلفاء الخليجيين خلال جولته في المنطقة الأسبوع الماضي، قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إن واشنطن تسعى إلى تحقيق سلام دائم في المنطقة “لا يقوض بأي شكل أمننا أو ازدهارنا، ولا أمن أو ازدهار أصدقائنا وحلفائنا.”
لكن الحكومات الخليجية لا تزال تشعر بالقلق لأن الاتفاق المؤقت بين واشنطن وطهران لم يعالج أياً من هواجسها الأمنية الأساسية. وقال وزير الخارجية البحريني عبد اللطيف بن راشد الزياني: “إن تحقيق أمن إقليمي دائم يتطلب إنهاءً نهائياً للهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة، ووقف دعم الميليشيات، والكف عن التدخل في سيادة دولنا.”
وقال بنعيم، الذي سبق أن أشرف على العلاقات الأميركية مع المنطقة في وزارة الخارجية الأميركية، إن قادة الخليج يراقبون عن كثب ما إذا كانت مذكرة التفاهم ستؤدي في نهاية المطاف إلى إعادة فتح مضيق هرمز. كما أنهم حريصون على معرفة ما إذا كان الاتفاق النهائي سيمنح طهران تنازلات كبيرة تتعلق بتنظيم الملاحة في الخليج والإبقاء على برنامجها النووي المثير للجدل، مع ترك ترسانتها الصاروخية وشبكة وكلائها الإقليميين من دون مساس.
وقال عن النهج الجديد الذي تتبناه دول الخليج العربية: “إنها موحدة في هدف ضمان ألا تهيمن إيران على الخليج، لكنها تعمل إلى حد كبير بشكل منفرد عندما يتعلق الأمر بالاستراتيجية والتكتيكات.”
حوافز مالية على الطاولة
تختلف علاقات الدول الخليجية الست مع إيران. ففي أحد طرفي المشهد تقف سلطنة عُمان، التي تجري مباحثات مع طهران بشأن تنسيق الملاحة وإدارة الشؤون البحرية في مضيق هرمز. كما لعبت مسقط دور الوسيط بين إيران والحكومات الغربية. أما في الطرف الآخر فتأتي البحرين، حيث يتهم حكامها السنّة طهران بالتحريض على الاضطرابات بين الأغلبية الشيعية في الجزيرة، ومحاولة إسقاط الحكومة. وتنفي إيران هذه الاتهامات.
قد يشير النهج الخليجي الجديد تجاه إيران إلى تحول إقليمي أعمق، ينتقل من سياسة المواجهة إلى الاعتماد الاقتصادي المتبادل والتعاون.
ولا تزال المنطقة تتذكر جيداً “حرب الناقلات” في ثمانينيات القرن الماضي، عندما استهدفت إيران والعراق السفن التجارية في الخليج، كما تتذكر حرب الخليج عام 1991، عندما انضمت الدول العربية إلى التحالف العسكري الذي قادته الولايات المتحدة لإخراج الرئيس العراقي الراحل صدام حسين من الكويت. أما اليوم، فتركز الملكيات الخليجية على تنفيذ خطط طموحة لتنويع اقتصاداتها، بهدف تحويلها من اقتصادات تعتمد على تصدير النفط والغاز إلى مراكز متقدمة للتمويل والتكنولوجيا والنقل.
وقالت إليزابيث دنت، الباحثة البارزة في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى: “أصبح الأمر اليوم يتعلق بدرجة أكبر بالمصالح الوطنية لكل دولة، والسعي إلى التنويع الاقتصادي ووضع استراتيجيات اقتصادية خاصة بها.”
وباعتبارها من بين أغنى دول العالم، تستكشف دول الخليج أيضاً ما إذا كانت مواردها المالية قادرة على تشجيع إيران على انتهاج علاقات مستقرة وتعاونية. وفي قطر، يُرجح أن يواصل المسؤولون الأميركيون والإيرانيون المحادثات غير المباشرة بشأن الإفراج عما لا يقل عن ستة مليارات دولار من الأصول الإيرانية المحتجزة في حسابات ضمان قطرية. وقد برزت الدوحة بوصفها الوسيط المالي الرئيسي بين طهران وواشنطن، وستتولى الإشراف على الجوانب الفنية الخاصة بأي اتفاق يتعلق بصرف الأموال الإيرانية المجمدة.
كما تتضمن مذكرة التفاهم وعوداً بتقديم حوافز مالية كبيرة لإيران، التي تعاني من العقوبات وشح الموارد المالية، إذ تلزم واشنطن وشركاءها الإقليميين بـ”وضع خطة نهائية ومتفق عليها بشكل متبادل، بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار، لإعادة إعمار الجمهورية الإسلامية الإيرانية وتنميتها اقتصادياً.”
ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت دول الخليج مستعدة لتمويل جزء كبير من إعادة إعمار إيران بعد الحرب، علماً بأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب قال إن أموال دافعي الضرائب الأميركيين لن تُستخدم في هذا المشروع الضخم. وفي جميع الأحوال، كثفت القوى الإقليمية جهودها الدبلوماسية لاستكشاف ما إذا كانت الحوافز الاقتصادية قادرة على تقليل مخاطر اندلاع صراعات مستقبلية.
صفقة كبرى
يبدو أن السعودية، أكبر دول المنطقة وأبرز قوة اقتصادية وعسكرية فيها، تسعى إلى إبرام صفقة كبرى مع إيران. وقال مصدر حكومي سعودي لـ MBN إن الرياض تدرس عقد مؤتمر إقليمي لتعزيز المصالحة مع طهران. وسيهدف مثل هذا المؤتمر أيضاً إلى ثني إيران عن فرض رسوم على الملاحة في مضيق هرمز.

سفن في مضيق هرمز كما تُرى من محافظة مسندم في سلطنة عُمان، 18 يونيو/حزيران.
وفي مايو/أيار، ناقشت الرياض، بحسب ما أفادت تقارير، مع حلفائها الإقليميين فكرة إبرام معاهدة لعدم الاعتداء مع إيران. ويستند هذا المقترح إلى نموذج “عملية هلسنكي” في أوروبا خلال سبعينيات القرن الماضي، ويهدف إلى إنشاء إطار إقليمي للأمن والتعاون.
ويرى سالم الكتبي، وهو خبير استراتيجي من الإمارات، أن الحكومات الخليجية حريصة على الجمع بين الردع العسكري الموثوق والانخراط الدبلوماسي المباشر لإدارة المخاطر الناجمة عن النهج الإيراني المتشدد. وقال لـ MBN : “الخيار الأكثر واقعية هو الجمع بين الردع المشروع والانخراط الدبلوماسي الحذر.”
[العواصم الخليجية] حريصة الآن على إعادة فتح الباب مع إيران. فهي تريد دمج إيران بشكل أكبر في المنطقة لضمان ألا تصبح هدفاً مستقبلاً إذا استمر هذا الوضع.
إليزابيث دنت، الباحثة البارزة في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى.
ويظهر هذا النهج بوضوح في دولة الإمارات، حيث يشهد الانخراط الدبلوماسي مع طهران توسعاً متزايداً. ففي الأول من يوليو/تموز، استؤنفت الرحلات الجوية المباشرة بين دبي وطهران بعد أشهر من التوقف. وقبل ذلك بأيام، قال وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبد الله بن زايد لنظيره الإيراني عباس عراقجي إن “الدبلوماسية الجادة والحوار المسؤول يظلان أفضل وسيلة لمعالجة جميع الأزمات الإقليمية والدولية.”
وقالت دنت، التي سبق أن أشرفت على ملف شبه الجزيرة العربية في مكتب وزير الدفاع الأميركي، إن الحرب دفعت دول الخليج إلى تعزيز سياسة تنويع علاقاتها الخارجية.
وأضافت لـ MBN : “أعتقد أنها ستواصل على الأرجح انتهاج شبكة أكثر تنوعاً من العلاقات، بدلاً من الاعتماد حصراً على الولايات المتحدة.”
وقالت دنت إن العواصم الخليجية، باستثناء البحرين التي لا تزال علاقاتها الدبلوماسية مع طهران مقطوعة، باتت ترى بصورة متزايدة أهمية إصلاح العلاقات الدبلوماسية مع إيران، مع الحفاظ في الوقت نفسه على شراكتها الأمنية الممتدة مع الولايات المتحدة.
وأضافت: “إنها حريصة الآن على إعادة فتح هذا الباب مع إيران. فهي تريد دمج إيران بشكل أكبر في المنطقة لضمان ألا تصبح هدفاً مستقبلاً إذا استمر هذا الوضع.”
لكن طهران قد لا تشارك دول الخليج العربية هذا التفاؤل.
ويرى فرزان ثابت، الخبير في الشأن الإيراني لدى معهد جنيف للدراسات العليا، أن الأداء القوي لإيران خلال الحرب، إلى جانب مذكرة التفاهم المؤقتة التي جاءت في صالحها، عززا ثقة القيادة الإيرانية وشجعاها على السعي لإعادة تشكيل ميزان القوى في المنطقة.
وقال لـ MBN : “ليس واضحاً ما إذا كانت طهران مهتمة حقاً بمصالحة حقيقية، وما إذا كانت، في حال اندلاع جولة مستقبلية من الحرب مع الولايات المتحدة، ستقاوم إغراء استغلال الضعف العسكري لدول الخليج العربية.”
ويرى ثابت أن طهران ستواصل استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط في مواجهة خصومها، رغم الجهود الدبلوماسية الحالية.
وقال: “إن السلوك الإيراني الأكثر جرأة واستعداداً للمخاطرة يترك دول الخليج عرضة لمزيد من الإكراه العسكري والابتزاز المالي.”