كشف سفير الاتحاد الأوروبي إلى العراق كليمنس زيمتنر عن الجهود التي يقدمها التكتل لمساعدة حكومة بغداد في مكافحة الفساد وحماية المال العام.
وفي مقابلة خاصة مع “الحرة”، قال زيمتنر إن الاتحاد الأوروبي يمول برامج تهدف إلى تعزيز قدرة المؤسسات العراقية على ملاحقة الأموال المنهوبة واستردادها.
وخلال الأيام الماضية، اعتقلت قوات الأمن العراقية سياسيين ونوابا ومسؤولين حكوميين كبارا في إطار حملة شاملة لمكافحة الفساد أمر بها رئيس الوزراء علي الزيدي.
وأوضح زيمتنر أن التكتل الأوروبي، وبالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، أعد دراسة متخصصة لتحديد نقاط الضعف في التشريعات والإجراءات العراقية المتعلقة باسترداد الأموال.
وبين أن الدراسة ركزت على تعزيز قدرة القضاء العراقي على استخدام الدعاوى المدنية إلى جانب التحقيقات الجنائية لاستعادة الأصول المختلسة.
وأشار إلى أن نجاح هذه الجهود “يعتمد في المقام الأول على السلطات العراقية”، فيما يقتصر دور الاتحاد الأوروبي على تقديم الخبرة الفنية، وتحليل الثغرات القانونية، وتدريب المختصين.
حصر السلاح
في ملف نزع سلاح الميليشيات، قال زيمتنر إن الاتحاد الأوروبي يدعم بشكل واضح جهود الحكومة العراقية لاستعادة السيطرة الكاملة على السلاح، مشيراً إلى أن بعض الفصائل أبدت استعداداً للتعاون، في حين لا تزال أطراف أخرى ترفض ذلك، الأمر الذي يجعل المرحلة المقبلة حاسمة في تحديد مسار هذا الملف، حسب تعبيره.
وأضاف السفير أن انتهاء مهمة التحالف الدولي في العراق سيزيل، من وجهة نظره، أحد المبررات التي كانت تُطرح لاستمرار وجود جماعات مسلحة خارج المؤسسات الرسمية.
وأوضح أن بعثة الاتحاد الأوروبي الاستشارية في العراق تواصل تقديم المشورة للحكومة في إعداد استراتيجيات الأمن القومي ومكافحة الإرهاب وإصلاح المؤسسات الأمنية.
الأمن والاستثمار
ربط رئيس البعثة الأوروبية بين الأمن والاستثمار، مؤكداً أن “أي مستثمر أجنبي يبحث أولاً عن بيئة مستقرة قبل اتخاذ قرار الدخول إلى السوق العراقية.”
وأشار إلى أن “استمرار وجود جماعات مسلحة خارج سيطرة الدولة يثير مخاوف المستثمرين”، كما أن أي هجمات تنطلق من الأراضي العراقية باتجاه دول الجوار “لا تخدم المصلحة الوطنية للعراق، بل تؤثر في صورته الدولية وتنعكس على علاقاته الاقتصادية.”
وأوضح أن عدداً من الدول الأوروبية لا تزال تصدر تحذيرات سفر إلى العراق بسبب الظروف الأمنية، وهو ما يؤثر بصورة مباشرة في حركة رجال الأعمال والشركات الراغبة بالاستثمار.
العراق والحرب الإقليمية
تناول زيمتنر تداعيات الحرب الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، وقال إن “وجود جماعات مسلحة موالية لإيران زاد من تعقيد المشهد”، إلى جانب الهجمات التي استهدفت بعثات دبلوماسية، ما أدى إلى تصاعد قلق عدد من دول المنطقة.
وفي المقابل، أشاد بالتحركات الدبلوماسية التي يقودها وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين لإعادة بناء الثقة مع دول الخليج، مؤكداً أن “العلاقات الاقتصادية والسياسية الوثيقة مع دول الجوار تمثل مصلحة استراتيجية للعراق”.
مشروع طريق التنمية والتكامل الإقليمي
رداً على سؤال بشأن تأكيده عن أهمية انخراط العراق مع دول الخليج، نفى زيمتنر أن يكون ذلك تدخلاً في الشأن العراقي، موضحاً أن الاتحاد الأوروبي يستند إلى ما تعلنه الحكومة العراقية نفسها بشأن مشروع طريق التنمية، الذي يعتمد على التعاون مع دول الخليج وتركيا وأوروبا.
وأكد أن “نجاح المشروع يتطلب بيئة مستقرة وشراكات إقليمية قوية”، بما يحول العراق إلى مركز مهم للنقل والتجارة بين آسيا وأوروبا.
حقوق الإنسان
وفي ملف حقوق الإنسان، شدد رئيس البعثة الأوروبية على أن الاتحاد الأوروبي “لا يسعى إلى فرض معاييره الخاصة على العراق”، وإنما يعمل وفق الاتفاقيات الدولية التي وقعتها الحكومة العراقية، إضافة إلى اتفاقية الشراكة والتعاون الموقعة بين بغداد والاتحاد الأوروبي.
وأشار إلى أن برامج التعاون شملت دعم استراتيجية مكافحة عمالة الأطفال، وتعزيز حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، ودعم قضايا المرأة”، مؤكداً أن “هذه الحقوق ليست أوروبية، وإنما منصوص عليها في المواثيق الدولية”.
وأعرب عن صدمته من استهداف ناشطين ومدافعين عن حقوق الإنسان، معتبراً أن “حماية هؤلاء تمثل مؤشراً مهماً على احترام الحقوق والحريات في أي مجتمع.”
حرية الصحافة
وأبدى زيمتنر “قلقه” من واقع حرية الصحافة في العراق، مشيراً إلى أن “كثيراً من الصحفيين الذين التقاهم تحدثوا عن تعرضهم لضغوط تحد من قدرتهم على أداء عملهم بحرية”.
واعتبر أن “وجود إعلام حر يمثل ركناً أساسياً في أي نظام ديمقراطي”، لأنه يتيح للمواطنين معرفة كيفية إدارة الأموال العامة ومحاسبة المسؤولين، مؤكداً استمرار الحوار مع الحكومة العراقية بشأن هذا الملف.
الاقتصاد والإصلاحات
وعلى المستوى الاقتصادي، وصف المسؤول الأوروبي الاقتصاد العراقي بأنه لا يزال يعتمد بصورة كبيرة على النفط، في ظل تضخم القطاع العام وضعف مساهمة القطاع الخاص.
وأوضح أن الاتحاد الأوروبي عمل خلال السنوات الماضية على دعم إصلاح قطاع الطاقة، وتشجيع استخدام مصادر الطاقة المتجددة، وتقليل حرق الغاز المصاحب، فضلاً عن تطوير القطاع المصرفي ليكون أكثر قدرة على تمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة.
وأشار كذلك إلى برامج تدريب للشباب بالتعاون مع وزارات عراقية، وإلى مشاريع لدعم القطاع الزراعي وتحسين جودة المنتجات العراقية وتسويقها، لافتاً إلى أن “هذه البرامج أسهمت في توفير نحو عشرين ألف فرصة عمل في قطاع الزراعة”.
وأكد أن الحكومة العراقية مطالبة اليوم بـتسريع الإصلاحات الاقتصادية وتنويع مصادر الدخل، معرباً عن دعمه لتوجهات رئيس الوزراء الرامية إلى زيادة الإيرادات غير النفطية خلال السنوات المقبلة.
ما الذي يمنع الإصلاح؟
وفي إجابته عن السؤال المتعلق بأبرز العقبات أمام الإصلاح، قال زيمتنر إن “الفساد وضعف البيئة القانونية ما زالا يشكلان أبرز العوائق أمام جذب الاستثمار وتحقيق التنمية.”
وأوضح أن المستثمرين يبحثون عن قضاء مستقل، وقوانين واضحة، وضمانات قانونية لحماية حقوقهم، مشيراً إلى أن عدداً من التشريعات المهمة، ومنها قوانين تتعلق بحماية الملكية الفكرية، لا تزال معلقة رغم أهميتها في تحسين بيئة الأعمال.
وأضاف أن العراق يمتلك “جميع المقومات التي تؤهله لتحقيق نهضة اقتصادية حقيقية”، إلا أن نجاح ذلك يتطلب “إصلاحات مؤسسية تضمن استفادة جميع المواطنين من ثروات البلاد”، وليس فئات محددة فقط.
العلاقة مع إيران
تطرق رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي إلى طبيعة العلاقة بين العراق وإيران، معتبراً أن الروابط الجغرافية والتاريخية بين البلدين ستبقى قائمة.
لكنه أشار إلى أن جيلاً جديداً من السياسيين العراقيين بات ينظر إلى مصالح العراق من منظور أوسع، يقوم على تنويع العلاقات الخارجية وتعزيز استقلالية القرار الوطني.