واشنطن العاصمة 06:32 PM

الزيدي في واشنطن: السلاح في مواجهة شراكة جديدة

رئيس الوزراء العراقي يركز على الاستثمار والطاقة، بينما تربط الإدارة الأميركية توسيع التعاون بإصلاحات أمنية وخطوات عملية لضبط الفصائل المسلحة.

اقرأ بـ English
· 4 دقيقة قراءة
الزيدي على متن طائرة عراقية أثناء توجهه لواشنطن (المصدر: صفحة مكتب رئيس الوزراء العراقي على منصة إكس)

بدأ رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي زيارة رسمية إلى واشنطن، الاثنين، في وقت تسعى حكومته إلى فتح مرحلة جديدة من العلاقات مع الولايات المتحدة، تقوم على الاستثمار والتعاون الاقتصادي، بينما تركز الإدارة الأميركية على اختبار أكثر صعوبة وهو قدرة بغداد على ضبط الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران وحصر السلاح بيد الدولة.

ووصل الزيدي إلى العاصمة الأميركية في أول زيارة له خارج العراق منذ توليه رئاسة الحكومة في مايو الماضي، على رأس وفد يضم شخصيات حكومية وبرلمانية، من بينها وزيرا الخارجية والنفط ورئيس جهاز المخابرات الوطني.

وهو على متن الطائرة، نشر الحساب الرسمي للزيدي تصريحا قال فيه إن هدف الزيارة يتمثل في “استقطاب الاستثمارات، ونقل الخبرات، وتنويع الاقتصاد، وخلق فرص العمل”، بما يعزز مكانة العراق “شريكا موثوقا وعنصرا فاعلا في استقرار المنطقة وازدهارها”.

وقبل مغادرته، قدم الزيدي رؤيته للزيارة في مقال نشرته صحيفة “واشنطن بوست” تحت عنوان “رئيس وزراء العراق: لماذا آتي إلى واشنطن”، حمل رسالة مفادها أن حكومته تريد الانتقال بالعلاقة مع الولايات المتحدة من إدارة الأزمات المتكررة إلى شراكة أكثر استقرارا واتساعا.

لكن هذا الطموح الاقتصادي يواجه عقبة أمنية وسياسية معقدة. فواشنطن تضغط منذ أشهر على بغداد لاتخاذ خطوات ملموسة ضد الجماعات المسلحة التي تعمل خارج سلطة الدولة، في حين يحاول الزيدي الموازنة بين فرض سلطة الحكومة وتجنب مواجهة مفتوحة مع الفصائل والقوى السياسية الداعمة لها.

يقول رحمن الجبوري، رئيس أكاديمية الحكم الرشيد في العراق، إن الزيارة تأتي في ظرف أكثر تعقيدا من زيارات رؤساء الحكومات السابقين، نظرا إلى حجم التحولات التي تشهدها المنطقة والضغوط المرتبطة بالنفوذ الإيراني داخل العراق.

وأضاف لـ”الحرة” أن من بين الملفات التي ستطرح على الطاولة مستقبل شبكات النفوذ الإيرانية في العراق، بما في ذلك العلاقات المالية والسياسية التي تربط طهران بقوى وفصائل عراقية.

وتوحي المواقف الأميركية السابقة بأن واشنطن ستقيس نجاح الزيارة بما تستطيع حكومة الزيدي تنفيذه بعد عودتها إلى بغداد، خصوصا في ملفات السلاح والإصلاح الأمني وتقليص نفوذ الجماعات المرتبطة بطهران.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد أجرى اتصالا بالزيدي في 30 أبريل لتهنئته بتكليفه، ودعاه إلى زيارة واشنطن لبحث بناء علاقة جديدة بين البلدين.

كما قال القائم بالأعمال الأميركي في بغداد، جوشوا هاريس، في مقابلة سابقة مع “الحرة”، إن واشنطن تدعم توجه الحكومة العراقية نحو حصر السلاح بيد الدولة، معتبرا أن نشاط الجماعات المسلحة خارج المؤسسات الرسمية يعرقل الاستقرار الذي يحتاج إليه العراق والمنطقة.

بالنسبة إلى بغداد، تكمن المعضلة في أن القوى السياسية التي تدعم الحكومة تضم أطرافا لها علاقات تاريخية مع فصائل مسلحة مرتبطة بإيران، ما يجعل تنفيذ التعهدات المتعلقة بالسلاح أكثر أمرا بالغ الصعوبة.

وقبيل سفر الزيدي، عقد ائتلاف “إدارة الدولة”، الذي يضم أبرز القوى الشيعية والسنية والكردية المشاركة في الحكومة، اجتماعا لبحث أهداف الزيارة ونتائجها المحتملة.

وأعلن الائتلاف دعمه لملفات مكافحة الفساد وتنظيم السلاح، داعيا في الوقت نفسه إلى اعتماد الحوار وتجنب أي تصعيد قد يعيد العراق إلى أجواء التوتر.

كما أبدى “الإطار التنسيقي”، الائتلاف الشيعي الحاكم، دعمه لفصل العمل العسكري عن الحسابات السياسية، وإبعاد المؤسسات الأمنية عن التجاذبات الحزبية.

لكن هذا الغطاء السياسي الواسع يبقى هشا بسبب التداخل بين بعض القوى المشاركة في الحكم والفصائل التي تواجه ضغوطا للتخلي عن سلاحها أو الاندماج في مؤسسات الدولة.

وأعلنت جماعات تطلق على نفسها “المقاومة الإسلامية في العراق”، الأحد، رفضها زيارة الزيدي، محذرة من اتفاقات اقتصادية أو أمنية ترى أنها قد تمس بالسيادة العراقية.

كما رفضت هذه الجماعات التخلي عن السلاح قبل الانسحاب الكامل للقوات الأميركية من العراق، في موقف يعكس صعوبة التوفيق بين مطالب واشنطن وشروط الفصائل.

في المقابل، تسعى الحكومة العراقية إلى عدم اختزال الزيارة في الملف الأمني. فقد أكدت أن المباحثات ستشمل جذب الشركات الأميركية للعمل في قطاعات النفط والغاز والطاقة والتكنولوجيا والتجارة، إلى جانب تطوير قدرات القوات الأمنية بعد انتهاء مهمة التحالف الدولي.

ويحاول الزيدي تقديم العراق بوصفه بلدا مستقرا وقادرا على جذب الاستثمارات، لا مجرد دولة تبحث عن دعم سياسي أو أمني.

ويحتاج العراق إلى استثمارات خارجية لمعالجة تحديات اقتصادية متراكمة، خصوصا في قطاع الطاقة، حيث لا تزال البلاد تخسر جزءا من مواردها بسبب ضعف استثمار الغاز المصاحب واعتمادها على استيراد الطاقة.

كما تسعى الحكومة إلى توسيع دور القطاع الخاص وتنويع مصادر الدخل في اقتصاد يعتمد بصورة كبيرة على النفط والإنفاق الحكومي.

لكن المستثمرين الأميركيين، مثل غيرهم، ينظرون إلى مستوى الاستقرار وقدرة الدولة على تطبيق القانون قبل اتخاذ قرار الدخول إلى السوق العراقية. ولهذا يرتبط نجاح الشق الاقتصادي من الزيارة مباشرة بقدرة بغداد على ضبط السلاح وتقليل المخاطر السياسية والأمنية.

يقول رئيس قسم الأبحاث في مركز البيان للدراسات والتخطيط، مصطفى السراي، إن المنطقة تشهد عملية إعادة تشكيل تفرض على العراق أن يكون أكثر وضوحا في تحديد موقعه ومصالحه.

وأضاف لـ”الحرة”: “السؤال الأكبر، وهو السؤال المهم الذي لا بد أن ننطلق منه في الداخل: ماذا نريد أن نكون، ومع من نعمل ونتحالف؟”.

وتحاول بغداد منذ سنوات الحفاظ على توازن في علاقاتها مع كل من الولايات المتحدة وإيران. لكن استمرار التصعيد بين الطرفين، واتساع الضغوط الأميركية على حلفاء طهران، يقلصان مساحة المناورة أمام الحكومة العراقية.

ولا يعني ذلك أن الزيدي يسعى بالضرورة إلى القطيعة مع إيران، بقدر ما يحاول توسيع هامش القرار العراقي وبناء علاقات أكثر تنوعا مع واشنطن ودول المنطقة.

وسيبدأ الاختبار الأهم للزيارة بعد عودة الزيدي إلى بغداد. فالمواعيد التي حددتها الحكومة، ومنها إنهاء وجود السلاح خارج سلطة الدولة بحلول نهاية سبتمبر 2026، ستكون معيارا لقياس قدرتها على تحويل التعهدات إلى خطوات عملية.

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة