واشنطن العاصمة 06:00 PM

بين الغارات وإغلاق هرمز.. لماذا تبقى مذكرة التفاهم سارية المفعول؟

انهارت مذكرة 17 يونيو ميدانيا لكنها مستمرة كمرجعية دبلوماسية وحيدة بين واشنطن وطهران بعد استئناف الغارات وإغلاق المضيق.

اقرأ بـ English
· 5 دقيقة قراءة
سفن حددتها القيادة المركزية الأمريكية على أنها زوارق تابعة للحرس الثوري الإسلامي قبل استهدافها في موجة جديدة من الضربات العسكرية الأمريكية ضد إيران يوم الثلاثاء، بعد إصابة ثلاث ناقلات نفط بقذائف في مضيق هرمز، في هذه الصورة الثابتة المأخوذة من فيديو نُشر في 7 يوليو/تموز 2026. القيادة المركزية الأميركية/صورة مقدمة عبر رويترز.

أعلن الرئيس دونالد ترامب، خلال مؤتمر صحفي على هامش قمة حلف شمال الأطلسي قبل أيام، أن وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران “انتهى”. ومنذ ذلك الحين، شنت الطائرات الأميركية ثلاث جولات من الضربات على إيران، فيما أعلنت البحرية الإيرانية إغلاق مضيق هرمز. ومع ذلك، لم تنسحب رسميا حتى صباح اليوم أي من الحكومات التي وقّعت مذكرة التفاهم المبرمة في 17 يونيو، أو شهدت عليها، أو وافقت على استضافة اجتماعاتها.

فالوثيقة تتعرض في الوقت نفسه للقصف، وإعادة التفسير، لكنها تبقى حية بالنسبة لجميع الأطراف التي وقعت عليها والمؤسسات التي شاركت في صياغتها أو رعايتها.

ويجعل الوضع القانوني هذا التناقض أكثر وضوحا. ففي رسالة مؤرخة في 10 يوليو، موجهة إلى الكونغرس، حصلت عليها صحيفة «بوليتيكو»، أخطر ترامب الكونغرس رسميا بأن الولايات المتحدة دخلت مجددا في حرب مع إيران. وقال إن الضربات التي بدأت في 7 يوليو تمثل “عملا عسكريا ينسجم مع مسؤوليتي في حماية الأميركيين ومصالح الولايات المتحدة في الداخل والخارج”.

ويمنح هذا الإخطار الإدارة مهلة جديدة مدتها 60 يوما لاستخدام القوة العسكرية في المنطقة من دون موافقة الكونغرس. وهكذا، تحتفظ الولايات المتحدة في الوقت نفسه بإطار سلام قائم وُقّع في فرساي، وإخطار حرب جديد أُودع في الكونغرس، من دون صدور أي وثيقة رسمية تنهي مذكرة التفاهم نفسها.

في 17 يونيو، وقّع ترامب مذكرة تفاهم من 14 بندا مع إيران خلال مأدبة رسمية في قصر فرساي بفرنسا، لتُنهي رسميا أربعة أشهر من المواجهة العسكرية المباشرة. الاتفاق ألزم الطرفين بوقف دائم للعمليات العسكرية، وألزم إيران بالسماح للملاحة التجارية عبر مضيق هرمز من دون رسوم لمدة 60 يوما، وفتح نافذة تفاوض مدتها 60 يوما حول برنامج إيران النووي والعقوبات الأميركية. مقابل ذلك، وافقت واشنطن على رفع الحصار البحري، وضمان إتاحة نحو ستة مليارات دولار من الأصول الإيرانية المجمّدة في قطر بشكل تدريجي مع تقدم المفاوضات. لعبت باكستان وقطر دور الوسيطين، فيما حُدد منتجع بورغنشتوك السويسري ليكون مقرّ اجتماعات التنفيذ والمتابعة.

لخص المذيع المحافظ مارك ليفين، الذي عبّر عن تحفظات على الاتفاق، الواقع بعد توقيع المذكرة. ففي برنامجه الإذاعي، قال: “إذا أراد الرئيس ترامب أن تمضي مذكرة التفاهم هذه لتصبح اتفاقا نهائيا، فسوف تمضي لتصبح اتفاقا نهائيا”، مضيفا أنه “لا أحد يمكنه فعليا منع ذلك”. هذه الملاحظة باتت تنطبق في الاتجاهين: للرئيس القدرة على إبقاء الوثيقة حيّة كإطار تفاوضي، وله أيضا القدرة على إنهائها رسميا. حتى الآن.

لم يُمارس الرئيس أيًّا من الخيارين.

في ٨ يوليو، خلال قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة، سُئل ترامب عمّا إذا كانت مذكرة التفاهم لا تزال سارية المفعول. فقال: “بالنسبة لي، أعتقد أنها انتهت”، ثم استدرك في الجملة نفسها موضحا أنه سيترك لمفاوضيه حرية مواصلة الحديث إن رغبوا في ذلك.

مع ذلك، لم تُوجَّه أي رسالة انسحاب رسمية إلى أي طرف من أطراف الاتفاق. وفي اليوم نفسه، أعلنت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، في بيان رسمي، عن استهداف نحو 80 هدفًا في جنوب إيران، مستندة إلى “حرية الملاحة في مضيق هرمز” كأساس قانوني للغارات، من دون أي إشارة إلى إنهاء مذكرة التفاهم.

في 9 يوليو، جاءت حزمة ثانية من الغارات استهدفت نحو 90 موقعا، من بينها جسر حديدي استراتيجي على خط السكك الحديدية الذي يربط إيران بالصين وروسيا عبر تركمانستان، ما أدى إلى تعليق مؤقت لحركة قطار الركاب بين طهران ومشهد. وردّت إيران بهجمات عبر طائرات مسيّرة وصواريخ على منشآت أميركية في الكويت والبحرين، من دون الإعلان عن إصابات أميركية.

في 10 يوليو، نشر ترامب على منصة “تروث سوشال” أن وقف إطلاق النار بات “منتهيا”. بعد ساعات، نفت وزارة الخارجية الإيرانية أنها طلبت جولة جديدة من المفاوضات. ومع ذلك، لم تُنهَ مذكرة التفاهم رسميا، وبقيت قناة الاتصال مفتوحة. 

في 11 يوليو، كان الاختبار الأوضح. فقد استهدفت بحرية الحرس الثوري ناقلة حاويات ترفع العلم القبرصي داخل مضيق هرمز، قبل أن تعلن طهران أن المضيق “مغلق حتى إشعار آخر”، وترد سنتكوم بجولة ثالثة من الغارات على أهداف متعددة في جنوب إيران. بعد ظهر ذلك اليوم نفسه، التقى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي نظيره العماني في مسقط، وجاء في بيان مشترك أن المناقشات حول ترتيبات الملاحة في هرمز تستند صراحة إلى المادة الخامسة من مذكرة التفاهم. أغلقت إيران المضيق عسكريا، لكنها في المستوى الدبلوماسي استمرت في الاستناد إلى نص المذكرة في اليوم نفسه.

13 يوليو: تعريف جديد لدور واشنطن في هرمز

تحدث ترامب عن إعادة صياغة لدور الولايات المتحدة في المضيق. ففي منشور مطوّل على تروث سوشال، أعلن أن مضيق هرمز “مفتوح، وسيبقى مفتوحا، مع إيران أو من دونها”، وأعلن إعادة فرض ما وصفه بـ”الحصار الإيراني” الذي يستهدف السفن الإيرانية وزبائنها، وأوضح أن الولايات المتحدة ستطالب بـرسم قدره 20% على كل حمولة تمر عبر المضيق لتغطية كلفة الحماية الأميركية. وكتب أن “الولايات المتحدة ستكون، من هذه اللحظة، معروفة باسم حارس مضيق هرمز”. في التوقيت نفسه تقريبا، أعلنت سنتكوم عن جولة رابعة من الغارات استهدفت منظومات دفاع جوي، ورادارات ساحلية، ومواقع صواريخ وطائرات دون طيار، وزوارق صغيرة في جنوب إيران.

وزارة الخارجية السويسرية، في بيانها بشأن مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، لم تعلن إغلاق مسار بورغنشتوك أو انتهاء دورها كوسيط ومضيف. أما قطر، فلا تزال تحتفظ بـستة مليارات دولار من الأصول الإيرانية المجمّدة، وهي أموال لا يمكن الإفراج عنها أو إعادتها من دون تطبيق بنود مذكرة التفاهم أو إنهائها رسميًا.

في 10 يوليو، قال مسؤول أميركي لقناة “سي إن بي سي” إن مذكرة التفاهم “قائمة على الأداء”، وإن سلوك إيران يمثّل “فشلًا في الأداء بمستوى غير مقبول”، مع التأكيد في الوقت نفسه على استمرار المفاوضات. هذه ليست لغة وثيقة منتهية؛ إنها لغة عقد قيد النزاع. ترامب نفسه قال صباح اليوم لقناة “فوكس نيوز” إن الجانبين عقدا 11 ساعة من المحادثات يوم الأحد، من دون توضيح ما إذا كانت مباشرة أم عبر وسطاء.

دبلوماسي مطّلع على جهود الوساطة الأخيرة قال لموقع أكسيوس إنه “من الواضح أن الطرفين يريدان العودة إلى مذكرة التفاهم”. جولة جديدة من المفاوضات يُتوقّع أن تُعقد، ربما في سويسرا.
ما إذا كان رسم 20% على مرور البضائع في هرمز، وجولة رابعة من الغارات، وتهديدات إيرانية بتوسيع المواجهة في الإقليم، تترك مجالًا لعودة الحوار إلى مذكرة تفاهم واحدة، هو السؤال الذي لا يمكن لأي متتبِّع للانتهاكات، أو رصيد مجمَّد، أو بيان من وزارة الخارجية السويسرية أن يجيب عنه حالياً.

قد يكون وقف إطلاق النار قد انتهى. الوثيقة نفسها لم تُدفن بعد. أما ما سيحلّ محلّها، فهو يُكتب لحظة بلحظة.

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة