ناشد الرئيس اللبناني جوزيف عون الولايات المتحدة تقديم الدعم للجيش اللبناني خلال اجتماع في البيت الأبيض مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الثلاثاء، لكنه حذر في الوقت نفسه من المخاطر السياسية المترتبة على مواجهة حزب الله من دون زعزعة التوازن الطائفي في لبنان.
وجاءت المحادثات في وقت بدأت فيه إسرائيل الانسحاب من أول “منطقة تجريبية” في جنوب لبنان الذي تحتل أجزاء منه، حيث تعهد ترامب بمواصلة دعم الجيش اللبناني، لكنه عاد ليطرح فكرة إمكانية مساهمة سوريا أيضا في مواجهة حزب الله، وهي فكرة أثارت قلقا لدى بعض الأوساط اللبنانية لأنها تعيد إلى الأذهان ذكريات الاحتلال السوري الذي استمر لعقود.
واستهل عون كلمته أمام ترامب بالقول إنه كان يتطلع إلى لقاء “رئيس عظيم كهذا”، ما أثار ضحك ترامب.
وقال ترامب: “أرأيتم؟ إنه يعرف كيف يصل إليّ. الآن يمكنه أن يحصل على أي شيء”.
ووصف ترامب لبنان بأنه “بلد تعرض لسوء المعاملة لفترة طويلة جدا”. لكنه أضاف أنه يعرف كثيرا من الأشخاص “الأذكياء للغاية” و”الناجحين للغاية” الذين رفضوا مغادرة البلاد رغم الصراع المستمر بشكل شبه دائم.
وقال ترامب لعون: “سنحل الكثير من المشكلات. لقد حللنا بالفعل بعضا منها بالنسبة للبنان كما تعلمون. هناك مشكلة حزب الله، لكننا قمنا ببعض الأمور التي أعتقد أن العالم سيلحظها”.
وأضاف ترامب أن الرئيس السوري أحمد الشرع “يرغب في التدخل والقيام بشيء يتعلق بحزب الله”، موضحا أن القوات السورية خاضت معارك ضد الجماعة المدعومة من إيران لسنوات، ويمكنها أن تساعد الجيش اللبناني في نزع سلاحها.
وقد أثار اقتراح ترامب مخاوف في لبنان، في حين رفض المسؤولون اللبنانيون، وكذلك الشرع نفسه، أي تدخل سوري في لبنان. وكانت القوات السورية قد دخلت لبنان عام 1976 خلال الحرب الأهلية، وبقيت فيه حتى عام 2005، ومارست خلال تلك الفترة نفوذا عسكريا وسياسيا واسعا. ولذلك فإن احتمال مشاركة عسكرية سورية يعيد إلى أذهان كثير من اللبنانيين ذكريات الاحتلال والحرب الأهلية، لا المساعدة الخارجية.
ولم يرد عون بشكل مباشر على اقتراح ترامب.
وقال إن رسالته الأساسية هي أن القوات المسلحة اللبنانية تحتاج إلى مزيد من الدعم الأميركي لمساعدتها على نزع سلاح حزب الله في جنوب البلاد، وهو ما تقول إسرائيل ومسؤولون أميركيون إنه ضروري لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي.
وأكد عون لترامب أن “أقوى سلاح” يمتلكه الجيش هو “ثقة الشعب”، واصفا الجيش بأنه العمود الفقري لأمن لبنان واستقراره.
وقال: “من دون الجيش اللبناني سينهار كل شيء. ونحن لا نريد ذلك”.
بدء تنفيذ خطة “المنطقة التجريبية“
وجاءت محادثات الثلاثاء مع انطلاق المرحلة الأولى من خطة “المنطقة التجريبية” التي توسطت فيها الولايات المتحدة، حيث انتشرت وحدات من الجيش اللبناني في زوطر الغربية بالتزامن مع تراجع القوات الإسرائيلية. لكن الاتفاق تعرض لاختبار فوري بعدما أطلقت القوات الإسرائيلية النار قرب وحدة هندسية تابعة للجيش اللبناني، من دون تسجيل إصابات.
وقالت إسرائيل إن جنودها أطلقوا أعيرة تحذيرية في الهواء بعدما دخلت قوات لبنانية وآلية إلى منطقة تسيطر عليها إسرائيل، قالت إنها ليست جزءا من المنطقة التجريبية.
وكانت إسرائيل قد غزت لبنان للمرة الأولى في أوائل مارس بعدما أطلق حزب الله صواريخ على إسرائيل في أعقاب الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران. ومنذ ذلك الحين، نزح نحو 1.2 مليون مدني لبناني بسبب الاحتلال، فيما قُتل 4,328 لبنانيا، وفقا لوزارة الصحة اللبنانية.
وبعد أشهر من المحادثات في واشنطن، تعهدت إسرائيل بالانسحاب من عدد من “المناطق التجريبية” المختارة لإفساح المجال أمام الجيش اللبناني لتولي مهمة نزع سلاح حزب الله. إلا أن الاتفاق لا يزال في مراحله الأولى، ويواجه معارضة شديدة داخل كل من لبنان وإسرائيل.
وأصبح عون منذ ذلك الحين مطالبا بالموازنة بين الضغوط الأميركية والإسرائيلية لنزع سلاح حزب الله، وبين خطر أن يؤدي استخدام الجيش اللبناني لتحقيق ذلك إلى تفكيك النظام الطائفي الهش في لبنان وإشعال حرب أهلية جديدة.
عون يدافع عن بري
وردا على سؤال أحد الصحفيين في البيت الأبيض بشأن الانتقادات التي وجهها رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، الذي يتزعم أيضا حركة أمل الشيعية الحليفة لحزب الله، بدا أن عون يدافع عنه.
وكان بري قد وصف بنود اتفاق “المنطقة التجريبية” بين إسرائيل ولبنان الشهر الماضي بأنها “إملاءات”، وقال إنها قد “تؤجج الانقسامات الداخلية” إذا ظهر أن القوات اللبنانية تقاتل إلى جانب الجيش الإسرائيلي ضد حزب الله. وأضاف أن اتفاق سلام بين الولايات المتحدة وإيران وحده هو القادر على إنهاء الحرب بين إسرائيل وحزب الله.
وأشار عون إلى الدور المحوري الذي يؤديه بري في نظام تقاسم السلطة الطائفي في لبنان، الذي يخصص رئاسة مجلس النواب لمسلم شيعي، ورئاسة الجمهورية لمسيحي ماروني، ورئاسة الحكومة لمسلم سني.
وقال إن رئيس المجلس، المنحدر من جنوب لبنان، “يريد بالفعل أن يرى نهاية هذه الحرب” مع إسرائيل، وإنه يدعم الجهود العامة التي تبذلها الحكومة.
وأضاف: “لكن علينا أن نكون حذرين. فمكانته كرئيس لمجلس النواب وكزعيم للطائفة الشيعية، علينا أن نفهم مدى أهمية موقعه”.
فجوة بين الطموحات والواقع
واختتمت محادثات البيت الأبيض زيارة استمرت أربعة أيام لعون إلى واشنطن، التقى خلالها أيضا وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الذي أشرف الشهر الماضي على توقيع اتفاق “المنطقة التجريبية”.
وقال روبيو، الأحد، إن إدارة ترامب تأمل أن يتمكن عون من العودة إلى بيروت وإثبات أن الحكومة اللبنانية وحدها، وليس حزب الله المدعوم من طهران، هي القادرة على توفير الأمن للمواطنين.
وقال: “كيف تهزم حزب الله؟ تهزمه وتستبدله بحكومة قوية بما يكفي لتكون الجهة الوحيدة التي تحتكر السلاح في البلاد، بحيث تصبح مسؤولية أمن لبنان في يد القوات المسلحة اللبنانية”.
لكن الفجوة بين هذا الطموح والواقع على الأرض ظهرت خلال ساعات من إطلاق خطة “المنطقة التجريبية”.
فقد أظهرت أولى عمليات الانسحاب الإسرائيلية أن مسار “المنطقة التجريبية” سيؤدي مرارا إلى وجود القوات الإسرائيلية والجنود اللبنانيين ومقاتلي حزب الله على مقربة شديدة من بعضهم البعض، ما يخلق فرصا جديدة للمواجهة وسوء التقدير.
وفي الوقت نفسه، يجد عون نفسه مسؤولا عن تحقيق النتيجة التي تطالب بها واشنطن وإسرائيل، مع الحيلولة دون انجرار الجيش اللبناني، ولبنان نفسه، بصورة أكبر إلى صراع إقليمي لم يكن له أي دور في إشعاله.