لا تبدو تركيا مستعدة للتخلي عن الطاقة الروسية في المدى القريب، لكنها تتحرك في الوقت ذاته لتنويع مصادر وارداتها، مع تنامي دور أذربيجان في إمدادات الغاز والعراق في النفط، إلى جانب زيادة مشترياتها من الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة وموردين آخرين.
وتأتي أهمية التحركات التركية في وقت تواجه فيه أسواق الطاقة الإقليمية اضطرابات بسبب الحرب بين الولايات المتحدة وإيران وأزمة مضيق هرمز، التي أثرت بشكل واضح على الدول المستوردة والمصدرة للطاقة على حد سواء.
كذلك تواجه انقرة ضغوطا من قبل الولايات المتحدة التي تطالبها باستمرار الالتزام بالعقوبات الغربية المفروضة على روسيا وعلى إيران، ولا سيما فيما يتعلق باستيراد الطاقة والنفط من البلدين.
وتعتبر روسيا أكبر مورد للغاز الطبيعي إلى تركيا، إذ بلغت حصتها نحو 37% من واردات الغاز في النصف الأول من 2025، فيما بلغت حصة إيران نحو 13% خلال الفترة نفسها.
ورغم سعي أنقرة إلى خفض اعتمادها في مجال الطاقة على موسكو وطهران، لكن ذلك لا يعني التخلي عنهما تماما.
ففي ديسمبر الماضي، مددت تركيا لمدة عام عقدين مع شركة “غازبروم” الروسية، بإجمالي إمدادات تبلغ نحو 22 مليار متر مكعب سنوياً، فيما بدأت شركة “بوتاش” التركية في يونيو الماضي محادثات مع “غازبروم” بشأن تمديد الإمدادات بعد نهاية 2026، من دون الاتفاق بعد على الكميات أو مدة العقود.
أما بالنسبة للغاز الإيراني، فقد انتهى العقد الطويل الأجل الذي تبلغ كميته الاسمية 9.6 مليار متر مكعب سنوياً في يوليو 2026، ولم تكن مفاوضات تجديده قد بدأت في أبريل، بحسب وزير الطاقة التركي آنذاك.
أذربيجان البديل للغاز الروسي؟
وفي موازاة استمرار الإمدادات الروسية، تعزز تركيا علاقاتها مع أذربيجان باعتبارها أحد مصادر الغاز التي يمكن أن تساعدها على تنويع مزيج الطاقة.
وأعلنت وزارة الطاقة التركية في يناير الماضي توقيع اتفاق جديد مع أذربيجان لتوريد 33 مليار متر مكعب من الغاز على مدى 15 عاماً، بمعدل 2.25 مليار متر مكعب سنوياً، على أن تبدأ الإمدادات في 2029 من حقل أبشيرون.
وأشار تقرير نشره المجلس الأطلسي في 24 يوليو الماضي إلى أن تركيا تتجه إلى الغاز الأذربيجاني والغاز الطبيعي المسال الأميركي في إطار مساعيها لتنويع إمدادات الغاز وتقليل اعتمادها على الطاقة الروسية.
لكن دنيز استقبال، الأستاذ المساعد في جامعة إسطنبول ميديبول، يرى أن العلاقة في مجال الطاقة بين تركيا وأذربيجان لا تستهدف إحلال الغاز الأذربيجاني محل الروسي بالكامل، وإنما توفير مسار ومصدر إضافيين.
“تنويع الموردين ومسارات النقل أصبح ضرورياً لتركيا، التي تستورد الطاقة بقيمة كبيرة سنوياً، لتجنب الاعتماد على دولة أو مسار واحد وضمان أمن الطاقة التركي على المدى الطويل” يقول استقبال لـ”الحرة”.
ويكتسب هذا التنويع أهمية أكبر مع توسع واردات الغاز الطبيعي المسال. وبلغت واردات تركيا من الغاز الأميركي نحو 9.19 مليار متر مكعب في 2025، أي ما يقارب 16% من إجمالي وارداتها، فيما تبدأ عقود جديدة مع شركات أميركية وأخرى دولية خلال 2026 و2027.
ويشير استقبال أيضاً إلى تنامي أهمية دول أخرى في آسيا الوسطى، خصوصاً كازاخستان وتركمانستان، بالنسبة إلى استراتيجية أنقرة لتنويع إمداداتها وتعزيز أمن الطاقة.
نفط العراق
في سوق النفط، تتحرك تركيا أيضاً لتوسيع مصادرها، في وقت تراجعت فيه وارداتها من الموانئ الروسية خلال الأشهر الماضية.
وأظهرت بيانات نقل وشحن أوردتها رويترز أن واردات تركيا من النفط من الموانئ الروسية انخفضت إلى نحو 900 ألف طن في يوليو، مقارنة بنحو 1.2 مليون طن في يونيو، وسط اضطرابات أصابت موانئ وخطوط تصدير روسية في البحر الأسود.
كما تتجه تركيا إلى تنويع مصادرها، بما في ذلك واردات من دول أخرى.
وفي هذا السياق، يبرز العراق باعتباره مصدراً قريباً يمكن لتركيا زيادة الاعتماد عليه، خصوصاً مع توسيع التعاون بين البلدين في تطوير حقول النفط والبنية التحتية.
وخلال زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى أنقرة في يوليو، اتفق البلدان على توسيع التعاون في قطاع الطاقة، فيما استحوذت شركة النفط التركية الحكومية على حصة تبلغ 15% في شركة “بي بي إنرجي أوف كركوك” التي تتولى تطوير عدد من حقول النفط الرئيسية في كركوك، ضمن شراكة تضم “بي بي” البريطانية و”كونوكو فيليبس” الأميركية.
وتزامن ذلك مع اتفاق عراقي تركي جديد، وُقّع في الأول من أغسطس، لتمديد نقل النفط عبر خط كركوك-جيهان لمدة عام، بقدرة تعاقدية تبلغ 750 ألف برميل يومياً، فيما تواصل بغداد وأنقرة التفاوض على اتفاق طويل الأمد لزيادة الطاقة التصديرية.
ويقول كوفند شيرواني، الأستاذ المساعد في جامعة جيهان-أربيل، الخبير في النفط والغاز، إن زيادة الإنتاج العراقي وتوسيع قدرات التصدير يمكن أن يتيحا لبغداد زيادة إمداداتها إلى تركيا، بما يساعد أنقرة على تقليل اعتمادها على النفط الروسي.
“يعتزم العراق رفع طاقته الإنتاجية من النفط إلى حدود 7 ملايين برميل يوميًا في نهاية 2028. وبحسب رئاسة الوزراء، هناك خطة للوصول إلى 10 ملايين برميل يوميًا، وفي كلا الحالتين وحتى لو تمكن العراق من الوصول إلى نحو 6 ملايين برميل، فإنه سيكون بوسعه تغطية كافة حاجات تركيا من النفط”، يضيف شيرواني لـ”الحرة”.
ومن بين المشروعات قيد الدراسة، إنشاء خط أنابيب يربط مدينة البصرة في جنوب العراق بمدينة حديثة في غربه، ومن ثم يمتد إلى ميناء جيهان في تركيا وميناء بانياس على الساحل السوري.
ويرى شيرواني أن تصدير هذه الكمية من الممكن تغطيتها بسهولة، إذا كان هناك عمل متسارع في خطوط الأنابيب الاستراتيجية التي تنوي الحكومة العراقية إنشاءها، وتمتد من البصرة إلى كل من سوريا وتركيا، لنقل ما لا يقل عن 3 ملايين برميل يوميًا عبر هذين المسارين.
بالمحصلة، تشير تحركات تركيا حتى الآن إلى تنويع مصادر الطاقة أكثر من كونها فكاً للارتباط بالطاقة الروسية، فأذربيجان توفر مصدراً إضافياً للغاز، بينما يمكن للعراق أن يؤدي دوراً أكبر في إمدادات النفط، في حين يمنح توسع واردات الغاز الطبيعي المسال أنقرة خيارات أوسع للتعامل مع الموردين، من دون أن يعني ذلك في المدى القريب نهاية دور روسيا في سوق الطاقة التركية.