“كرة النار”.. هل توجّه دمشق “سلاح العشائر” نحو الأكراد؟

لم تخلُ العلاقة بين قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد والعشائر العربية، خلال العقد الماضي، من التوتر.

تحرك العشائر لدعم قبائل البدو، في يوليو الماضي، أثناء الهجوم على السويداء، قوّى احتمال اشتباك العشائر مع “قسد” في شمال البلاد وشرقها، دعما للحكومة السورية الجديدة.

كانت العلاقات بين قسد والعشائر متقلبة بين تقارب وتنافر على مدى سنوات، لكن منذ تغيير النظام في دمشق ديسمبر الماضي، بدأت العشائر، على ما يبدو، تعيد حساباتها بشأن “قسد”.

أعلنت عشائر عدة رفضها تمثيل “قسد” لمناطقها، واعتبرتها “سلطات أمر واقع”.

وفي تصريحات لـ”الحرة”، يقول رئيس المجلس الأعلى للقبائل والعشائر السورية، الشيخ مضر حماد الأسعد “سيكون للعشائر العربية رأي آخر من أجل توحيد سوريا أرضا وشعبا، إذا لم تنفذ قوات سوريا الديمقراطية الاتفاق الذي وقعته في مارس الماضي مع الحكومة السورية”.

وفي أبريل الماضي، أعلنت نخب اجتماعية من أبناء الجزيرة والفرات “مناطق شمال وشرق سوريا” عن تأسيس “مجلس التعاون والتنسيق في الجزيرة السورية والفرات”.

وطالبت في بيان التأسيس بتوحيد الصوت السياسي والإعلامي والمجتمع المدني لمواجهة “قسد”، ورفض المجلس جميع مشاريع الفدرالية والتقسيم، على اعتبار أنها تهديد لوحدة سوريا.

وفي يوليو، لوح عدد من عشائر والقبائل عربية بالتحرك ضد قوات سوريا الديمقراطية، “إذا لم تسلم أسلحتها للحكومة في أسرع وقت”.

وطالبت تلك العشائر في بيان بإعادة فرض سلطة الدولة السورية على كامل المناطق الشرقية والشمالية، ودمج مقاتلي “قسد” في صفوف الجيش السوري.

“لن تأخذ العشائر دور الحكومة السورية والقوات الأمنية، لكن يجب أن تنفذ قسد الاتفاقات التي وقعتها مع الحكومة السورية من أجل وقف شلال الدم وإيقاف الحروب والمعارك التي سوف تحصل بعد ذلك،” يقول الشيخ الأسعد.

ويتهم قوات سوريا الديمقراطية بتقديم المساعدات العسكرية والسياسية والإعلامية لـ”فلول نظام الأسد” في الساحل السوري، وكذلك للفصائل الدرزية في السويداء، بهدف إضعاف القيادة السورية تمهيدا لتقسيم سوريا، حسب قوله.

ويلفت الأسعد الى أن غالبية مقاتلي “قسد” من أبناء القبائل العربية انضموا إلى صفوفها عبر التجنيد الاجباري، وأنهم سيؤيدون قبائلهم ويقفون معها عندما يتبين لهم حقيقة هذه القوات.

وكانت “قسد” قد وقعت اتفاقا مع الحكومة السورية الجديدة، في مارس، لدمج قوات سوريا الديمقراطية والهيئات الكردية التي تدير مناطق شمال البلاد وشرقها ضمن مؤسسات الجمهورية السورية ودعم وحدة البلاد.

مع ذلك، لا يزال التوتر بين الجانبين سيد الموقف.

فخطوط التماس تسجل بشكل شبه مستمر مناوشات مسلحة بين مقاتلي قسد وقوات تابعة للحكومة في دمشق. وجرى أحدث تلك المناوشات، الاثنين، في منطقة دير حافر في محافظة حلب.

وقالت “قسد” في بيان إن قواتها تصدت لهجمات شنتها مجموعات تابعة للحكومة الانتقالية على مواقعهم  في قرية الإمام التابعة لدير حافر.

مع ذلك، يستبعد  الأمين العام لحزب “الوطن السوري”، وهو أحد شيوخ قبيلة الشرابين، انشقاق أبناء القبائل عن قوات “قسد”. يقول إن أبناء العشائر هم جزء كبير من “قسد” والإدارة الذاتية في عموم مناطق شمال وشرق سوريا.

يقول لـ”الحرة” إن “أبناء القبائل متمسكون بثوابتهم الوطنية الداعية إلى ترسيخ السلم الأهلي والحوار البنّاء بين كل السوريين”.

ويصف العلاقات بين “أبناء القبائل العربية في دير الزور والرقة مع قسد بأنها “وطيدة تكاملية”، وبأنهم “يؤكدون على ثبات موقفهم الداعم لقوات سوريا الديمقراطية.

ويري جوهر الذي ينضوي حزبه ضمن الإدارة الذاتية، أن الرهان على إثارة حرب أهلية وبث التفرقة بين العشائر العربية و”قسد”، رهان خاسر.

وقال إن النظام السوري السابق لعب على هذا الوتر، لكنه فشل. ويرى أن اتفاق مارس بين الشرع وعبدي “طوق النجاة لسوريا”، وتطبيقه سيحل كل هذه العقد التي تمر بها العلاقة بين “قسد” والحكومة الانتقالية.

“الخطة التركية”

ويتهم الأمين العام لحزب اللواء السوري، مالك أبو خير، العشائر بـ”الارتهان” في قراراها لجهاز المخابرات التركي.

وأبو خير، مؤسس “حزب اللواء السوري”، يتبنى فكرة “الإدارة الذاتية”، كذلك، في السويداء.

ويشير أبو الخير، في حديث مع “الحرة”، إلى أن “تركيا متغلغلة داخل البنية الاجتماعية والعسكرية في الشمال السوري، وتمسك اليوم بخيوط اللعبة، وتوجه المشهد وفق أجنداتها الإقليمية”.

ويحذر من احتمال استخدام “هذه العشائر مجددا كأداة للهجوم على مناطق قوات سوريا الديمقراطية، تماما كما حصل في مناطق أخرى، بما ينذر بإعادة إنتاج الفوضى وتوسيع رقعة الصراع الداخلي السوري”.

ويتهم أبو خير تركيا “بالوقوف خلف خطة تهدف إلى تفكيك البنية المجتمعية، وضرب مشاريع الإدارة الذاتية، وإعادة صياغة الجغرافيا السياسية لصالح أنقرة.

أبرز المشاكل

يقول وجهاء عشائر عربية، تحدثت معهم “الحرة” في الرقة والدير الزور، إن أبرز مشاكلهم مع “الإدارة الذاتية” و”قوات سوريا الديمقراطية”، تتركز على التجنيد الالزامي الذي تمارسه “قسد” في المناطق الخاضعة لسيطرتها.

ويتهمون “قسد” بتهميش العرب في ما يتعلق بإدارة مناطقهم.

وتقول “الإدارة الذاتية” في شمال وشرق سوريا في بيانات، حصلت عليها “الحرة”، إن نسبة العرب في الإدارة تتجاوز 50%.

يؤكد وجهاء العشائر أن الدور العربي محدود في الإدارة الذاتية، ويقتصر فقط على المجالس المحلية والهيئات، بينما يحتكر الأكراد في “قسد” صناعة القرار والمواقع القيادية والمناصب الحساسة في الإدارة.

 ويؤكد ستير جلو، الصحفي السوري من مدينة كوباني “عين العرب”، أن أحد أسباب التوتر بين “قسد” والعشائر العربية هو إحساس العشائر بأنها مهمشة في إدارة مناطقها.

“هناك عوامل متعددة للتوتر بين قسد والعشائر العربية، منها سيطرة قسد على مناطق واسعة في شرق سوريا واعتمادها على قيادات كردية في الإدارة،” يبين جلو لـ”الحرة”.

ويعتبر جلو العلاقات بين “قسد” والعشائر العربية معقدة ومهمة بنفس الوقت، لتداخل عوامل سياسية وعسكرية واجتماعية. ويضيف أن “هناك جهات محلية وإقليمية تحاول إثارة موضوع العشائر واشعال الفتن لضرب مشروع قسد في شمال وشرق سوريا”.

ويلفت جلو إلى أن احداث الساحل والسويداء تسببت بتصعيد خطاب الكراهية والتحريض في شرق سوريا بشكل كبير خلال الأشهر الماضية.

شبح “مجازر الساحل”

وقتل مئات الأشخاص في المناطق ذات الأغلبية العلوية في شمال غرب سوريا، في مارس الماضي، في ما عُرف بـ”مجازر الساحل” على أيدي مقاتلين تابعين لـ”هيئة تحرير الشام” والقوات الحكومية السورية، وفق تقارير حقوقية عديدة.

ودفع التصعيد ضد العلويين قوات سوريا الديمقراطية إلى التحرك لتجنب أي اقتتال داخلي في المناطق التي تسيطر عليها.

وعقدت قيادات “قسد” اجتماعات مع وجهاء العشائر ورؤسائها، للحفاظ على الأمن والاستقرار في مناطق شمال شرق سوريا.

تتكون قوات سوريا الديمقراطية “قسد” من تحالف مجموعة من الفصائل المسلحة التي تمثل مختلف المكونات السورية، يقودها مجلس عسكري يتألف من ممثلي الفصائل المنضوية فيها، ويتزعم المجلس مظلوم عبدي وهو كردي سوري يتولى منصب القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية منذ تأسيسها في اكتوبر 2015.

خريطة الانتشار

تتقاسم العشائر العربية مع “قسد” مساحات واسعة من الأراضي السورية، ولا سيما في محافظتي الرقة ودير الزور شرقي سوريا، حيث يتبع المجلس المحلي في كل من المحافظتين الإدارة الذاتية.

عند تشكيلها عام 2015 بدعم أميركي، عرفت قوات سورية الديمقراطية نفسها بأنها “قوة عسكرية وطنية موحدة لكل السوريين، تجمع العرب والكرد والسريان، وكافة المكونات الأخرى على الجغرافية السورية”.

ويشكل العرب من أبناء العشائر والقبائل السورية، وفق بيانات حصلت عليها “الحرة” من قوات سوريا الديمقراطية، نحو 60% من مقاتلي قسد، الذين يقدر عددهم بما يقارب 100 ألف مقاتل.

في عام 2019، سيطرت قسد على مساحات واسعة من الأراضي السورية بعد معارك طاحنة خاضتها بدعم من التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة ضد داعش.

ولا تزال تحتفظ بنحو 30% من مساحة الأراضي السورية، حتى بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر الماضي، وسيطرة قوى المعارضة السورية على الحكم بقيادة “هيئة تحرير الشام”.

وتشمل خريطة انتشار قوات سوريا الديمقراطية غالبية محافظة الحسكة، ما عدا المساحة الواقعة بين منطقتي تل تمر والمبروكة اللتين تقعان تحت سيطرة قوات الحكومة السورية الانتقالية.

وتخضع الرقة بالكامل لسيطرة “قسد”، وكذلك أكثر من نصف محافظة دير الزور، وتحديدا الأراضي الواقعة على الضفة الشرقية لنهر الفرات.

وتمتد سيطرة قسد إلى الأطراف الشمالية الشرقية من محافظة حلب.

على مدى العقد الماضي، اتسمت العلاقات بين قوات سوريا الديمقراطية “قسد” والعشائر العربية بالتعقيد.

تخللتها تقلبات تقارب وتنافر، وسط انقسامات بين العشائر في الموقف اتجاه “قسد”. لكن عموما كانت المصالح المحرك الأساسي للعلاقة بين قسد والعشائر.

سبق وأعلنت غالبية العشائر دعمها لقوات سوريا الديمقراطية والانضواء في تشكيلاتها مقابل تقديم قسد الحماية لتلك العشائر ولمناطقها من تنظيم داعش.

 مع ذلك، بقي قسم من تلك العشائر مناهضا لـ”قسد”.

وفي سبتمر 2023، شُكلت “قوات العشائر العربية” من 11 فصيلا مسلحا، غالبيتها العظمى من عشائر العقيدات والبقارة  وعشائر أخرى في محافظة دير الزور.

وخاضت تلك القوات معارك عديدة ضد “قسد” خلال العامين الماضيين.

فصائل “قسد”

وتشمل الفصائل المنضوية في “قسد”:

  • – وحدات حماية الشعب الكردية “YPG”، التي تعتبرها تركيا الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني المعارض لأنقرة.
  • – وحدات حماية المرأة “YPJ”.
  • – قوات الصناديد، التي ينتمي مقاتلوها لقبيلة الشمر العربية، إحدى أبرز القبائل العربية في شمال سوريا وشرقها.
  • – لواء الشمال الديمقراطي، وغالبيته العظمى من المقاتلين العرب السوريين.
  • – المجلس العسكري السرياني المسيحي.
  • – غرفة عمليات بركان الفرات، وتتألف من عدة ألوية وفصائل وأفواج عسكرية غالبية مقاتليها من أبناء العشائر العربية.
  • – تجمع ألوية الجزيرة، وهو فصيل عربي ضمن تشكيلات قوات سوريا الديمقراطية.
  • – جيش الثوار: فصيل عسكري يتكون من مقاتلين من مختلف المكونات السورية.
  • – لواء السلاجقة، وهو فصيل عسكري تركماني.

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي

اترك رد

https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading