“نعلن بدء الهبوط في مطار رفيق الحريري الدولي..” كانت تلك العبارة بداية رحلة لا تشبه أي رحلة لمهمة صحفية أخرى قمت بها من قبل. طوال الأشهر الماضية، كنت أتابع الحرب في لبنان من العاصمة الأميركية واشنطن، أتنقل بين التقارير والصور القادمة من الجنوب والضاحية الجنوبية والبقاع، وأراقب أرقام النازحين وحجم الدمار يتصاعدان يوما بعد يوم. لكن متابعة الحرب من خلف الشاشات شيء، والعودة إلى حيث لا تزال آثارها ماثلة شيء آخر تماما.
ما إن غادرت مطار بيروت حتى بدا المشهد وكأنه امتداد للحرب لا نهايتها. على طول الطريق، لفتتني صور كُتب عليها “لبنان أولا”، قيل إن مناصرين لحزب الله أحرقوا عددا منها، فيما انتشرت صور المرشد الإيراني مجتبى خامنئي وقادة حزب الله على أطراف الطريق. كما كان الانتشار الكثيف للدراجات النارية لافتا، في مشهد يعكس تداعيات الأزمة الاقتصادية الممتدة، أو التحولات التي فرضتها الحرب على حركة السكان وتنقلاتهم. كانت المدينة تبدو وكأنها استعادت إيقاعها الطبيعي، لكنها لم تستعد طمأنينتها بعد.
لم أعد إلى لبنان لأحصي المباني المدمرة، فقد فعلت الكاميرات ذلك طوال أشهر. جئت لأتحقق من صحة رواية تتكرر في الإعلام اللبناني وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، مفادها أن الحرب الأخيرة غيرت الخريطة الديمغرافية للبنان.
لم يشهد لبنان أي إحصاء سكاني رسمي منذ عام 1932، بذريعة أن مجرد إعلان الأرقام الحقيقية للسكان قد يعيد فتح ملف التوازنات الطائفية الحساس. لهذا فالحديث عن “التغيير الديمغرافي” قد يصبح أكثر من مجرد توصيف لحركة السكان، ليستدعي تداعيات الحرب والطائفية والاقتصاد المدمرة والسلطة.
خلال الحرب الأخيرة، شهد لبنان واحدة من أكبر موجات النزوح الداخلي منذ انتهاء الحرب الأهلية. وتشير بيانات الأمم المتحدة والمنظمة الدولية للهجرة إلى أن أكثر من 1.2 مليون شخص اضطروا إلى مغادرة منازلهم، بعدما امتدت المواجهات العسكرية بين حزب الله وإسرائيل من القرى الحدودية إلى الضاحية الجنوبية لبيروت والبقاع.
يقول رئيس تحرير موقع “جنوبية”، الصحفي علي الأمين، لا يعتقد ذلك.
يقول إن الخلط بين النزوح المؤقت والتغيير الديمغرافي الدائم يقود إلى استنتاجات خاطئة. ويشير إلى أن نحو 90 إلى 95 في المئة من سكان عشرات القرى الواقعة في الشريط الحدودي اضطروا إلى مغادرة منازلهم بالكامل، بما فيها بلدات كبيرة ومحورية مثل بنت جبيل والخيام وعيتا الشعب، التي نزح منها ما بين 110 و120 ألف شخص.
لكن مع وقف إطلاق النار عاد قسم كبير من السكان، فيما بقي آخرون خارج قراهم لأن منازلهم دُمرت بالكامل، أو لأن العودة ما زالت محفوفة بالمخاطر الأمنية. ويضيف الأمين: “التغيير الديمغرافي لا يُقاس بمن غادر، بل بمن لن يعود”.
في وسط بيروت، وقفتُ في المكان الذي كان قبل أشهر يضم عشرات الخيام التي آوت آلاف النازحين القادمين من الجنوب. خلال الحرب، تحولت خيام “البيال” إلى رمز للأزمة، وأثارت مخاوف لدى فئات من اللبنانيين من أن تتحول الإقامة المؤقتة إلى استقرار دائم.
اليوم، اختفت الخيام بعدما عاد معظم النازحين إلى قراهم.
في هذا السياق، يرى المحلل الاقتصادي منير يونس أن انتشار خيام النازحين في الواجهة البحرية أثار خطابا طائفيا ومخاوف، وكأن هذه الفئة تنوي الاستحواذ على المكان، وهي هواجس شغلت الرأي العام والإعلام المحلي والدولي والقيادات السياسية.
ويوضح يونس أن التغيير الديمغرافي البنيوي لا يحدث عادة إلا عبر العنف واحتلال المنازل بالقوة كما جرى في الحرب الأهلية، مضيفا: “هنا يمكن أن نتحدث عن خلل ديمغرافي حقيقي، عندما تجبر ظروف الملاحقة أو المطاردة فئات من مناطقها على ممارسة العنف واحتلال بيوت في مناطق ذات لون طائفي مختلف، كما حدث في الماضي”.
ويختصر يونس المشهد بجملة واحدة: “الديموغرافيا تتبع القوة”. وهو لا يقصد القوة العسكرية فقط، بل القوة بمعناها الأوسع: القدرة على توفير الأمن، والعمل، والمدارس، والمستشفيات، والتعويضات المالية. فلسنوات طويلة، لم يعتمد حضور حزب الله في الجنوب والضاحية على السلاح فحسب، بل على شبكة واسعة من المؤسسات والخدمات الاجتماعية، وعلى قدرته المباشرة على إعادة إعمار ما تضرر بعد كل مواجهة. فبعد حرب عام 2006، استطاع الحزب بدعم إيراني دفع تعويضات مالية سريعة للمتضررين وإعادة آلاف العائلات إلى منازلها، حيث كانت إعادة الإعمار جزءا أساسيا من تثبيت السكان في مناطقهم.
لكن الحرب الأخيرة جاءت في ظروف مختلفة كليا: دمار أكبر، أزمة اقتصادية أعمق، وضغوط شديدة على قدرات الحزب المالية والاجتماعية.
يشير علي الأمين إلى أن النكبة التي تعرضت لها البيئة الشيعية لم تقتصر على الجانب المادي من تهجير ونزوح وفقدان للمنازل وخسائر مالية، بل امتدت لتشمل البنية الاجتماعية والقيمية والنفسية، وهو ما يطرح تحديات كبيرة على الطائفة وعلى لبنان في المرحلة المقبلة.
ويشرح الأمين قائلا: “اليوم، أصبحت المناطق التي يتمتع فيها حزب الله بنفوذ تُعد عنوانا للخطر وعرضة للاستهداف في أي لحظة. وهذا التشديد الخطر يدفع حتى الأشخاص غير المعارضين للحزب إلى الانتقال إلى مكان آخر، لحماية أنفسهم حتى لو لم يتعرض منزلهم المباشر للأذى. نحن نرى اليوم أن كثيرا من الناس باتوا يعتبرون أن الاقتراب من هذه الأمكنة أو الهيئات بات يشكل خطرا عليهم”.
لم أسمع هذا الكلام من الخبراء فحسب، بل سمعته أيضا من مواطنين التقيت بهم خلال جولاتي الميدانية. قال لي أحد أبناء الجنوب وهو ينظر إلى ركام منزله في الضاحية.
كثيرون أخبروني أنهم يحبون قراهم، لكنهم فقدوا الثقة بالمستقبل. بعضهم انتقل إلى مناطق مثل الحازمية أو بعبدا أو عاليه، وآخرون بدأوا بالفعل في معاملة الهجرة خارج البلاد. لم يكن الخوف من الدمار المادي وحده هو ما يدفعهم إلى الرحيل، بل الخوف من أن تبقى قراهم ومناطقهم، بحكم وجود حزب الله فيها، في مرمى أي مواجهة مقبلة مع إسرائيل.
هذا الخوف، بحسب ما استطلعناه خلال وجودنا في بيروت، دفع بعائلات شيعية ميسورة ومتمكنة ماديا إلى الانتقال نحو مناطق أكثر أمنا فتحت لهم أبوابها، مثل الحازمية وعاليه وبعبدا، وهي مناطق ذات غالبية مسيحية أو درزية محاذية للضاحية الجنوبية، على عكس مناطق أخرى ككسروان.
وقد أشار بيان صادر عن بلدية الحازمية قبل موجة النزوح الأخيرة بضعة أشهر، إلى أن هناك زهاء 1000 عائلة انتقلت للسكن في هذه المناطق، معظمها أتت من الضاحية الجنوبية.
خلال جولتي الميدانية في الحازمية، أكد لي عدد من السكان وسماسرة العقارات حركة الانتقال هذه لعائلات قادمة من الضاحية والجنوب منذ اندلاع الحرب، ولا سيما من القادرين ماليا. الأمر نفسه تكرر بدرجات متفاوتة في بعبدا وعاليه وبلدات أخرى اعْتُبرت أكثر أمانا. وعندما سألت أكثر من سمسار عقارات: هل عاد الناس بعد وقف إطلاق النار؟ كانت الإجابة متطابقة.
غير أنه إذا كانت الحرب هي التي دفعت الناس إلى النزوح في اللحظة الأولى، فإن الوضع الاقتصادي هو الذي سيحدد ما إذا كان هذا النزوح مؤقتا أم دائما.
يؤكد الخبير الاقتصادي منير يونس أن الحرب جاءت لتتفاقم فوق واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية في تاريخ لبنان، ما جعل كثيرا من العائلات تفقد منازلها ومصادر دخلها في الوقت نفسه. وأوضح أن أصحاب الحقول الزراعية والمحال التجارية والورش والعيادات الذين فقدوا أعمالهم، بدأ بعضهم يبحث عن بيئات أكثر استقرارا داخل لبنان، فيما اختار آخرون الهجرة النهائية.
وفي بعض مناطق البقاع، رصد يونس انتقال عائلات جنوبية وشراءها منازل جديدة، ليس بدافع تغيير طائفي، بل بحثا عن الأمان والاستقرار والعمل. ويضيف أن الفقر، وليس الحرب وحدها، هو العامل الأكثر تأثيرا في رسم الخريطة السكانية الجديدة.
فبحسب تقارير البنك الدولي، يعيش نحو 44 في المئة من اللبنانيين تحت خط الفقر. ومع تراجع قدرة مؤسسات الدولة على تقديم الخدمات الأساسية، اعتمدت شرائح واسعة من السكان خلال السنوات الماضية على شبكات المساعدات التي تديرها الأحزاب. وكان حزب الله يشكل النموذج الأبرز في هذا المجال من خلال شبكته التعليمية والصحية والإغاثية، والتعويضات النقدية التي اعتاد تقديمها عقب كل حرب.
وإذا كانت الحرب الأخيرة قد صنعت أكبر موجة نزوح داخلي منذ عقود، فإن حركة الهجرة إلى خارج لبنان بدأت قبل ذلك بسنوات. وتُظهر بيانات الأمن العام اللبناني أن نحو 800 ألف لبناني غادروا البلاد منذ عام 2012، أكثر من 70 في المئة منهم ينتمون للفئة العمرية الشابة بين 25 و35 عاما.
ويرى علي الأمين أن الحرب سرّعت هذا المسار ولم تخلقه من العدم؛ فمن فقد بيته وعمله وثقته بفرص الاستقرار بات يرغب بالهجرة كحل أخير.
من جهته، يوضح الباحث في “الدولية للمعلومات” محمد شمس الدين أن الإحصاءات المتوافرة لا تسمح بتحديد أعداد المهاجرين بحسب الطائفة بدقة، إلا أن المؤشرات الميدانية تظهر تصاعداً كبيراً في هجرة الشباب من مناطق الجنوب والضاحية والبقاع، مدفوعين بالأزمة الاقتصادية وتراجع فرص العمل، ثم جاءت الحرب لتزيد الهجرة اشتعالاً.
ويُقدّر عدد اللبنانيين المقيمين داخل البلاد بنحو أربعة ملايين، مقابل نحو 1.9 مليون لبناني يحملون الجنسية ويعيشون في الخارج. وتشير التقديرات الديموغرافية إلى أن المسلمين يشكلون ما بين 70 و72 في المئة من المقيمين، مقابل نحو 28 إلى 30 في المئة من المسيحيين، مع استمرار نزيف الهجرة الذي يطال مختلف الفئات. ولعل هذه الأرقام التي لا تصرح عنها الدولة لاعتبارات المحاصصة السياسية كشفت عن الملامح الأولى لتغير ديمغرافي غير معلن.
بعد ساعات من جمع الأرقام والمقابلات، عدتُ إلى الميدان مجددا. قدت سيارتي في أزقة الضاحية الجنوبية، كانت الأسواق تعمل بشكل شبه طبيعي والسيارات تملأ الشوارع، لكن خلف هذا المشهد الشكلي كانت آثار الدمار شاخصة، وكان واضحا أن كثيرا من الأبنية ينتظر رحلة إعمار معقدة.
من الجو، تبدو بيروت مدينة واحدة متماسكة.. لكن على الأرض، يحمل كل حي قصة مختلفة. في لبنان، لا تُقرأ الأحياء بأسمائها فقط، بل بتاريخها، وبتركيبتها، وبالحروب التي مرت عليها. لهذا لا يتحول الحديث عن السكان إلى نقاش اجتماعي فحسب، بل إلى سجال سياسي عميق.
ويعود منير يونس ليؤكد أن التغيير الديمغرافي الحقيقي لا يحدث إلا بالعنف المباشر أو بإقتلاع الناس من جذورها، مذكّرا بما شهدته الحرب الأهلية من احتلال للمنازل والشقق والوسط التجاري. ويحذر يونس قائلاً: “من يقول إن هذا السيناريو لن يتكرر؟ الغرائز والأحقاد وردود الفعل العنيفة ما زالت موجودة. قد يحصل سيناريو كارثي آخر يمارس فيه المهجرون العنف للسكن في مناطق غير لونهم الطائفي، ما يولد خللا ديمغرافيا خطيرا وصراعا على العيش والتمركز والسلطة.”
عندما بدأت هذا التحقيق، كنت أبحث عن إجابة حاسمة: هل غيّرت الحرب الخريطة السكانية؟ لكن كل مقابلة وكل رقم كان يقودني إلى سؤال أكبر. ربما لا يكون السؤال: ماذا فعلت الحرب؟ بل: ماذا ستفعل السنوات التي تليها؟
التغيير الديمغرافي لا يُقاس بحرب واحدة، ولا بأشهر معدودة من النزوح، بل بسنوات طويلة من الاستقرار أو الغياب. وما إذا كانت هذه الحرب ستغير خريطة لبنان نهائياً، يظل مرهوناً بمسار المرحلة المقبلة: إعادة الإعمار، تعافي الاقتصاد، وقدرة الدولة اللبنانية على بسط سلطتها وحصر السلاح بمؤسساتها الرسمية. عندها فقط، ستقرر الأيام المقبلة إن كان ما شهدناه مجرد نزوح عابر… أم بداية لتحول ديمغرافي دائم.