بين ماضٍ قوامه التقاليد والقيم المحلية، وحاضر سريع التغير تحت ضغط الحداثة والتحول الاقتصادي، تجد السينما السعودية نفسها مشدودة إلى لحظات مفصلية من التاريخ الاجتماعي، تحاول من خلالها فهم الذات وإعادة تصور العلاقة مع التراث والمعاصرة على حد سواء.
يرتكز كثير من الأعمال السينمائية السعودية على استحضار فترة ما قبل الطفرة النفطية في أواخر ستينيات القرن الماضي. لكن ما يبدو شكلا من أشكال الحنين إلى الماضي يعكس بحثا عميقا عن الهوية، ورغبة في تأمل التحولات الجذرية التي عاشها المجتمع السعودي خلال العقود الماضية.
هل ينطوي هذا الاشتغال على حذر مضمر من الخوض في إشكاليات الحاضر؟
الحنين كمحرك درامي
“لا أعتقد أن ذلك هروب من تعقيدات الحاضر، بل إنه امتلاك وفهم لتلك الحياة واستعادتها بدافع النستولوجيا الحميمة الإيجابية، لأنها كانت تحوي طفولة صناع الأفلام في مرحلة ما قبل الطفرة، وهي مرحلة وجدانية عاشها الشباب بل وروى لهم أهليهم أبعادها بعدما كبروا،” يقول الناقد السينمائي السعودي” خالد ربيع السيد”.
ويسلط الكاتب والمخرج السينمائي، علي سعيد، الضوء على البُعد الإنتاجي لقصص الماضي.
“كثير من المراقبين للأفلام السعودية يلاحظون أنها مشدودة نحو استعادة الماضي، خصوصًا في هذه الحقبة، أي حقبة تدشين مؤسسات لصناعة الأفلام السعودية،” يقول، مشيرا إلى تحديات أمام تحقيق هذا التوجه فنيا وإنتاجيا.
“يمكن لأي كاتب أن يكتب رواية في ألف صفحة عن الماضي، لكن هذا لا يمكن تحقيقه في صناعة السينما دون وجود ميزانية. إن إعادة بناء الماضي سينمائيًا مسألة إنتاجية بقدر ما هي مسألة فنية، أي هي معادلة متوازية لتحقيق أي فيلم تدور أحداثه في الماضي. وعليه، فإن وجود مؤسسات داعمة للفيلم السعودي هو ما مكن المخرجين والمنتجين السعوديين من استعادة الماضي وتجسيده بصورة مرئية”.
ويرى سعيد أن هناك جاذبية إنتاجية لهذه الحقبة من التاريخ على المستوى العالمي، وهو ما يتجلى أيضا في السينما السعودية.
“في الحالة السعودية، فإنها فنيا محل احتفاء بالذاكرة، فرديا (المخرج) وجمعيا (المجتمع). وكما نعرف، أن الفضاء السعودي لم يُستمثر سينمائيًا، وبالتالي سنشهد في السنوات القادمة أيضًا زخماً أكبر من هذه الأعمال، ذلك لأن أصحاب ذاكرة هذه الحقبة لا يزالون منجذبين لجمالياتها السينمائية والبصرية”.
الحاضر والماضي في سرد الهوية
يشير الناقد خالد ربيع إلى أن الانتاج السينمائي في السعودية متنوع “أن الأفكار الرئيسية التي تدور حولها السينما السعودية تنحصر في توثيق الهوية عبر الحاضر والماضي”.
ويشرح بعمق كيف تعكس الأعمال السينمائية المعاصرة نبض المجتمع والتحولات الوطنية الراهنة: “في الحاضر نشهد أفلامًا تتعلق بحياة الشباب المعاصر في المدينة وتبرز سمات التحول الوطني التي حدثت في السنوات الأخيرة بعد رسوخ أيديولوجيا رؤية المملكة ألفان وثلاثون من خلال قصص واقعية حدثت وتحدث في المدن السعودية لشباب سعوديين متمسكين بصفات تؤكد هويتهم السعودية التي تنعكس بسبب اللهجة والملبس والسلوكيات والمؤثرات البيئية والعادات والموروثات الحضارية والدينية والشعبية”.
أما في بُعد التوثيق التاريخي، فيرى خالد ربيع أن استحضار الماضي لا يقتصر على السرد فقط، بل هو تداخل وجداني بين تجارب الأجيال.
“إنها ببساطة سينما تفكر في البيئة السعودية بمكوناتها الحقيقية، أي أن السينمائيين السعوديين يريدون أن يقدموا سينما سعودية تشبههم حق الشبه؛ خالصة ومتخلصة من التأثيرات الفنية والموضوعية للسينمات العالمية أو العربية المجاورة”.
ويرى ربيع أن السينما السعودية “تتمحور حول فكرة الأصالة المعاصرة والموروث الاجتماعي المدني أو البدوي المتمثل في قصص دارت في المدينة لمجتمعات مدنية متحضرة وأخرى حدثت في الصحراء للبدو”.
ويشير المخرج علي سعيد إلى جانب آخر يميز السينما السعودية وهو التنوع بين أعمال فنية تجريبية وأخرى تستهدف الجمهور الواسع.
“هنالك عودة للصحراء والبادية (…) كما في فيلم (هجان) و(هوبال)، وأيضا هناك أفلام البطل الأوحد، الموجه للجمهور كفيلم (إسعاف) و(سطار)، وبينهما فيلم يكشف عن صوت المخرج مثل فيلم (آخر سهرة في طريق) ما يجمعها جميعا هو فرحة الجمهور السعودي لرؤية عوالمه على الشاشة الكبيرة”.
الأفلام السعودية وواقع المشاهد
عند الحديث عن مدى قدرة الأفلام السعودية على عكس واقع جمهورها، يقدّم المخرج علي سعيد رؤية متفائلة، موضحا طبيعة العلاقة بين الفيلم والمشاهد.
“إذا اتفقنا جزافًا أن الأفلام تمثل المشاهد وتعكس واقعه، فإن الإقبال الكبير على الأفلام السعودية مؤشر على ذلك، وإن كنت لا أظن أن الأفلام مهمتها تمثيل الواقع بل هي مرآة لصناعها، أي كيف يرى صناع الفيلم الواقع، إن كان بصورة درامية”.
ويتابع سعيد موضحًا أن السينما المحلية ما زالت في رحلة بحث عن هويتها الفنية خلال “أصوات المخرجين وهو ما يحتاج إلى سنوات من العمل، الذي بدأ فعلا”.
ويضيف: “أنا متفائل بمستقبل صناعة الأفلام كون التجربة في طور التحول من الاعتماد على المؤسسات لبناء صناعة مستدامة، وذلك مع وجود جمهور داعم ومتفاعل ويذهب إلى السينما”.
من جانبه، يقدّم الناقد خالد ربيع مؤشّرا عمليا لقياس مدى تفاعل الجمهور مع هذه الأفلام، مستندا إلى أرقام شباك التذاكر.
“توافد الجماهير على مشاهدة فيلم ما والعزوف عن فيلم آخر هو خير مؤشر لقياس ما إذا كانت الأفلام السعودية تمثل جمهورها أو نائية عنه. وكلا الحالتين ظهرت في السنوات القليلة الماضية، فإيرادات شباك التذاكر خير دليل. نعم ظهرت أفلام تمثل الجمهور وتستهويه، وأذكر منها فيلم “سطار” وقبله “شمس المعارف” و”مندوب الليل” ومؤخرا فيلم “هوبال” و”شباب البمب” و”فخر السويدي” و”سلمى وقمر”.. بغض النظر عن القالب النوعي للفيلم؛ سواء أكان كوميديا أو اجتماعيا أو فنيا”.
ويواصل ربيع تحليله للمرحلة الراهنة التي تمر بها السينما المحلية.
“لذا أعتقد أن مرحلة التلمس لذائقة الجمهور وما يمثله وما يعكس واقعه هي في حالة نضح متزايد، وحقيقة لم نصل إلى معادلة ‘الجمهور عاوز كدا’ التي توصل إليها المصريون في ثمانينيات القرن الماضي، عندما أطلق المخرج المصري حسن الإمام مقولته الشهيرة: الجمهور عاوز كدا. هذه النتيجة تتطلب تراكما فيلميا غزيرا وعندها سيتضح ما يمثل الجماهير ويعكس واقعه ويستحسن ذائقته”.
سكينة المشيخص
كاتبة وباحثة ومقدمة برامج سعودية


