“الوسطية” هي الإسلام. هذا ما نسمعه.
لكن ما نراه هو تصارع أقطاب حول مفاهيم متعددة للإسلام.
فهل يمكن أن نساوي بين فكر ابن تيمية وفكر الإمام محمد عبده؟
ومن يملك الحق في تحديد من هو “الوسطي” ومن هو خارج عباءة الوسطية؟
في برنامجه الأسبوعي الذي يعده ويقدمه على منصات الحرة الرقمية، خاض الكاتب والباحث إبراهيم عيسى في عمق هذه الأزمة المفاهيمية، ليكشف كيف أن رفض فكرة “الإسلام الوسطي” ليس إلا غطاءً لتطرف دفين، وكيف أن هذا النفاق هو من يقودنا إلى مزيد من الانقسام.
هذا هو نص الحلقة أُعيد تحريره ليناسب القراءة مع الاحتفاظ قدر الإمكان بحرفية النص كما قدمه عيسى على الشاشة.
وسطية الإسلام أم الإسلام الوسطي؟
طول الوقت نسمع فكرة “الإسلام الوسطي”، وصفة “الإسلام الوسطي”، وأن “هذه المؤسسات تعبر عن الإسلام الوسطي”، وهذا الشيخ الإمام يعبر عن “الإسلام الوسطي”. لكن، هل فعلًا هناك حاجة اسمها “الإسلام الوسطي”؟
الحقيقة، لو سألت السلفيين، وسألت الحنابلة، وسألت هذا المذهب الذي يكاد يكون سيطر وهيمن على العقل المسلم الراهن، سيقول لك: لا.
“إسلام وسطي”؟ هناك رفض عميق وواسع وممتد للمصطلح وللتعبير الخاص بالإسلام الوسطي، تحت دعاوى ثلاثة.
الدعوى الأولى: الإسلام الوسطي، يعني ماذا؟ تقصدون به – هم يقولون هكذا – “الإسلام الوسطي بين الكفر والإيمان”.
وكأن الإسلام الوسطي يعني توسطًا بين منطقتين: منطقة الكفر كما يظن، ومنطقة الإيمان كما يعتقد، ومن ثم هو يرفض تعبير “الإسلام الوسطي”، ولا يرى إلا إسلامًا واحدًا.
الدعوى الأخرى: أن “الإسلام الوسطي” إنما هي فكرة يروجها الغرب، من أجل أن يجعل هناك نسخة باهتة مشوهة من الإسلام، ويدعي أنها “الإسلام الوسطي”، وينزع من الإسلام مقوماته وقوامه وعناصره ومفاهيمه الأصيلة، ويقدّم الإسلام الباهت الفاتر، الذي هو “إسلام وسطي” من وجهة نظره.
الدعوى الثالثة لرفض “الإسلام الوسطي”، وهذا المصطلح، أنه يعتقد أن التعبير الأدق هو “وسطية الإسلام”.
هو يرى أن الإسلام هو الذي يحمل الوسطية في مواجهة الأديان الأخرى، فالأديان الأخرى هي أديان لا تحمل وسطية الإسلام، ووسطية الإسلام – فيما هو يظن ويعتقد – هي اعتداله، هي علاقته بالدنيا، هي تعاليمه للإنسان، هي مفاهيمه المتسامحة مع البشر.
من هنا تأتي فكرة رفض “الإسلام الوسطي”: أولًا من حيث اتهامه بأنه تعبير عن نسخة من الإسلام يريدها الغرب، الذي هو عدو الإسلام طبعًا من وجهة نظره. أو أنه نسخة من الإسلام يريدها هؤلاء العلمانيون والليبراليون والمدنيون – هم أعداء الإسلام أيضًا، رغم أنهم يقولون على أنفسهم مسلمين. أو أنه يريد أن يشوه الإسلام ويقدمه وكأنه إسلام ما بين كفر وإيمان، بينما الإسلام هو الإيمان كله. ثم هو يقول إن الإسلام هو في وسطية، إنما هو وسطي.
طبعًا هذه الحجج التي تُقال، نناقشها لو كان هناك عقل يريد أن يناقش، لا أن يحكم ويجلد، أو أنه يقضي وينفذ قضاءه.
لو كان الإسلام واحدًا، أي إسلام هو؟
هل هو إسلام ابن تيمية، أم إسلام ابن عبد الوهاب، أم إسلام الأحناف، أم إسلام المالكية؟
هذه مذاهب.
هل هو إسلام طالبان في أفغانستان، أم إسلام إيران وآيات الله؟
هل هو الإسلام الشيعي، أم الإسلام السني؟
هل هو الإسلام الشيعي الاثنا عشري، أم الزيدي، أم الإباضي؟
أم هو المذهب السني المالكي، أم الشافعي، أم الحنبلي؟
نعم، هناك إسلام وسطي طبعًا، لأن هناك مفاهيم للإسلام.
هناك مفهوم للإسلام المعتدل الوسطي، وهناك مفهوم لإسلام متشدد وخشن. بمعنى: ابن تيمية عندما يكفر تقريبًا كل الملل الأخرى، لكن الأحناف لا يكفرون. المعتزلة لا يكفرون الملل الأخرى على الإطلاق، ولا الأديان الأخرى.
أنتم الإسلام؟
أقول لك: هناك إسلام متشدد، وهناك إسلام وسطي. أقول لك: إن المعتزلة إسلام وسطي، والأشاعرة يمكن أن نعتبرهم إسلامًا وسطيًا، بينما الحنابلة، والذين يسمون أنفسهم السلفيين أو الوهابيين، ليسوا إسلامًا وسطيًا. هم إسلام متشدد، متطرف.
إذن، هناك نسخة اسمها “الإسلام الوسطي”.
هناك فتوى تصدر من الأزهر بجواز السلام مع إسرائيل مثلًا، “وإن جنحوا للسلم” – وإن السلام حلال بالمفهوم الديني، أو يجوز للحاكم أن يعقد سلامًا مع إسرائيل.
ثم فتاوى أخرى، من مشايخ آخرين، أو مؤسسات أخرى، أو من الإخوان أو غيرهم، تحرّم السلام مع إسرائيل، وتفتي بأنها حرب دائمة، وحرب من أجل الإسلام وضد اليهودية.
من فيهم الوسطي؟
حتى عندما تواجه الاستعمار الغربي. إنكلترا احتلت مصر. فالذي يقول: إن هذا احتلال غربي سياسي من دولة غربية استعمرتنا، ولابد أن نواجه هذا الاحتلال كمواطنين. هذا مفهوم. وما بين أن يخرج مفهوم إسلامي، يقول لك: هؤلاء كفرة، ولابد أن نحارب الكفرة من أجل الإسلام، لا، هذه حرب دينية، ومقاومة دينية من وجهة نظرك، وليست مقاومة وطنية.
الشيخ الذي يخرج ويقول لنا: “لا، نحن نواجه هؤلاء إنهم مستعمرون، ليس لأنهم مسيحيون”… هذا وسطي. والشيخ الذي يقول لنا إننا نواجه هؤلاء لأنهم مسيحيون، ليس لأنهم مستعمرون… يبقى هذا رجل متشدد.
في إسلام وسطي، وفي مفهوم وسطي في كل شيء.
أنا أيضًا مندهش للغاية من هؤلاء الذين يهاجمون فكرة “الإسلام الوسطي”. تريد أن تساوي ما بين مفهوم محمد بن عبد الوهاب – الوهابية – للإسلام، ومفهوم الإمام محمد عبده للإسلام، وتعتبر أنه هكذا ليس هناك إسلام وسطي؟
كل من يظن أنه لا يوجد إسلام وسطي، وأنه إسلام واحد، هو متطرف، يعتبر أن تطرفه، وتعصبه، وتزمته، هو الإسلام، ومن ثم لا يقبل بأي نسخة أخرى من المفاهيم أو الآراء التي تخالفه، أو تعارضه، أو تقدم رؤية مخالفة أو معارضة لهذا الفهم الذي متحكم في عقله.
رفاعة الطهطاوي، الواعظ الأزهري، الذي سافر مع البعثة الأولى التي أرسلها محمد علي إلى فرنسا، وهو يتحدث عن المقاربة الشديدة والاقتراب الشديد ما بين المفاهيم والأهداف الدينية في الإسلام، وما بين الحضارة الغربية – هذا “إسلام وسطي”.
على العكس هناك من “وجدوا” نفورًا كبيرًا، وفجوة هائلة بين مفاهيم الغرب، وحضارة الغرب، وبين الإسلام.
لا بد أن يكون هناك إسلام وسطي. هم يعتقدون أن التطرف الذي يقولونه هو الوسطية، وأن التعصب الذي ينشرونه هو الوسطية. وهذه الكارثة.
من الطبيعي أن أقول إن هناك إسلامًا متشددًا، وإسلامًا وسطيًا. أنا معترف بإسلامك، وأرى فيه مفهومًا متعصبًا، متشددًا، متطرفًا، يكاد يصل إلى أنه إرهابي للإسلام. قبلت أن هذا مفهوم للإسلام، أرفضه، وأدينه، وأحاربه أيضًا، لكن قبلت أنه هو الإسلام. أنا لا أنزع عنك إسلامك، ولا أقول عنك كافرًا. أنت الذي تصر، وتصمم على أن أنا، الذي أقول أفكار محمد عبده، والإمام محمد عبده، والشيخ عبد المتعال الصعيدي، حتى أبو حنيفة النعمان، حتى أفكار المعتزلة – أنت مصر ومصمم أن هذا ضد الإسلام، وإنه ليس نسخة من الإسلام، وأن الإسلام واحد، هو إسلامك أنت، هو إسلامك المتطرف.
سكتنا عليكم حتى أصبحتم أنتم الذين تُصادرون على مفاهيم الإسلام الأخرى، وتدّعون أن الإسلام مجال واحد، ورأي واحد، وفقه واحد، ومذهب واحد، هو أنتم.
ومن هنا يأتي التكفير، لأن الذي لا يعترف بـ”الإسلام الوسطي”، هو الذي يكفّر كل من يتحدث عن إسلام بغير مفاهيم السلفيين والحنابلة والوهابيين.
لذي يرفض فكرة “الإسلام الوسطي” هي داعش.
الذي يرفض فكرة “الإسلام الوسطي” هو تنظيم القاعدة.
الذي يرفض “الإسلام الوسطي” هم هيئة تحرير الشام، جبهة النصرة، أبناء وحفدة بن لادن.
هم المتعصبون، والمتطرفون، في اعتبار أنهم ملاك الحقيقة، والأوصياء على الآخر.


