واشنطن العاصمة 05:48 PM
ترامب يضع رهانا كبيرا على الحوثيين

ماغازين · سبتمبر 2026

ترامب يضع رهانا كبيرا على الحوثيين

اختارت الولايات المتحدة عدم خوض حرب جديدة مع وكلاء إيران في اليمن. فهل ينجح هذا الرهان؟

منقذ داغر

الدكتور منقذ داغر مؤسس ورئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لمجموعة المعهد المستقل للإدارة ودراسات المجتمع المدني (IIACSS) للأبحاث في بغداد.

اقرأ بـ English
· 4 دقيقة قراءة

فاجأ الحوثيون العالم بسرعة هجومهم وحجمه في محاولة للسيطرة على مضيق باب المندب. لكن ما كان مفاجئًا بالقدر نفسه هو رد الفعل الأميركي المحدود، فقد امتنعت إدارة ترامب عن الدفاع عن السعودية في مواجهة الحوثيين، رغم أن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان طلب من واشنطن التدخل مرتين على الأقل بصورة مباشرة.

ويحمل القرار الأميركي تداعيات بعيدة المدى. فعدم تحرك واشنطن لمساعدة السعودية يبعث برسالة قوية بشأن مدى موثوقية الولايات المتحدة كحليف. كما أنه قد يدفع بميزان القوى في المنطقة لمصلحة إيران، الداعم الرئيسي للحوثيين.

وطُرحت عدة تفسيرات لغياب الرد الأميركي. وتؤكد التقارير الأخيرة بشأن اجتماع أميركي-حوثي في عُمان أن واشنطن والمتمردين اليمنيين توصلا إلى تفاهم يقضي بأن يمتنع الحوثيون، المدرجون على قوائم الإرهاب الأميركية، عن مهاجمة حركة الملاحة التجارية الأميركية في البحر الأحمر، مقابل امتناع الولايات المتحدة عن مهاجمتهم.

وذهب البعض إلى أن هدف ترامب الحقيقي كان معاقبة السعودية لرفضها السماح للقوات الأميركية باستخدام أراضيها لشن هجمات على إيران. فيما رأى مراقبون آخرون أن واشنطن كانت مستعدة لتحمل تحرك الحوثيين لأنه قد يلحق ضررًا بالصين، التي تمرر عبر باب المندب تجارة تقدر بنحو 300 مليار دولار سنويًا.

لكن هذا التفسير لم يوضح لماذا قد تختار الولايات المتحدة ذلك، رغم أن إغلاق هذا الممر الملاحي سيؤثر أيضًا على الاقتصاد الأميركي.

لكن الواقع، على الأرجح، أبسط من ذلك.

لقد أدرك ترامب ومستشاروه أن تحرك الحوثيين كان فخا، وتعاملوا معه على هذا الأساس. وحتى الآن، على الأقل، نجحوا في تفادي الوقوع فيه.

فمن الواضح أن الإيرانيين درسوا بعناية توقيت الهجوم الذي شنه حليفهم اليمني. فالحرس الثوري الإيراني، المصنف إرهابيا على قوائم واشنطن، يدرك أن الجمهوريين لا يستطيعون تحمل فتح جبهة حرب جديدة عشية انتخابات التجديد النصفي. والناخب الأميركي غاضب أصلًا من الإدارة بسبب ارتفاع أسعار الوقود، التي وصلت إلى مستويات تاريخية غير مسبوقة نتيجة الحرب مع إيران وإغلاق مضيق هرمز.

وسيعني أي تدخل عسكري أميركي في اليمن بلا شك مجازفة انتخابية كبيرة، يصعب على القيادة الجمهورية وقاعدتها الانتخابية تحملها.

كما تحرص إيران على تحسين موقفها في أي مفاوضات مقبلة من خلال إضافة ورقة باب المندب، خصوصًا بعدما تراجعت أهمية ورقة مضيق هرمز نتيجة نجاح العمليات البحرية الأميركية في الخليج، التي سمحت لمئات ناقلات النفط وملايين البراميل بالمرور عبر هرمز رغم محاولات إيران وقفها.

وفي الوقت نفسه، واصلت الولايات المتحدة فرض حصار على التجارة البحرية الإيرانية، التي تمثل الجزء الأكبر من التجارة الخارجية لطهران.

وكانت إيران قد هددت في وقت سابق بأن حلفاءها سيغلقون مضيق باب المندب إذا واصلت الولايات المتحدة مهاجمتها.

كما حرص الإيرانيون من خلال دعمهم للحوثيين على استباق هجوم أميركي جديد محتمل على منشآتهم النووية الحساسة في “جبل الفأس”، وهو الهجوم الذي ظل ترامب يهدد به.

ويرى الحرس الثوري أن البرنامج النووي يمثل ضمانة استراتيجية لأمن إيران، ولذلك يسعى إلى إحيائه رغم الضربات الأميركية والإسرائيلية التي استهدفت المنشآت النووية الإيرانية.

وتخشى طهران أن تؤدي هجمات أميركية جديدة إلى تدمير البرنامج بالكامل. ومن هذا المنظور، ترى إيران أن استخدام “الورقة الحوثية” في السيطرة على باب المندب والتلويح بإغلاقه قد يكون وسيلة للضغط على واشنطن لمنعها من تنفيذ تهديدها بضرب “جبل الفأس”.

وقد يتيح دعم الحوثيين أيضًا وسيلة للتغطية على الانقسامات الداخلية في إيران. فقد أدى الانهيار الاقتصادي إلى ظهور انقسام واضح داخل القيادة الإيرانية.

وأخذت شخصيات بارزة في طهران، من بينها الرئيس مسعود بزشكيان والرئيس السابق حسن روحاني ووزير الخارجية السابق جواد ظريف، تدعو الحرس الثوري إلى البحث عن حلول دبلوماسية للحرب، في ظل الوضع الاقتصادي المتدهور.

ويبدو أن الحرس أدرك هشاشة موقعه الداخلي، فاختار المضي قدمًا بدلًا من التراجع: فتح جبهة حرب جديدة عبر محاولة استدراج الأميركيين إلى مواجهة مع الحوثيين تضعفهم أكثر وتجبرهم على العودة لمذكرة التفاهم من جديد.

ويعلم الحرس الثوري أن الهجمات الأميركية على الحوثيين ستؤدي إلى مزيد من استنزاف القدرات العسكرية الأميركية التي أنهكتها الحرب بالفعل. كما يدرك الأميركيون على الأرجح أن هزيمة الحوثيين بالقوة الجوية وحدها ستكون مهمة بالغة الصعوبة.

لكن يبدو أن واشنطن قد أدركت الفخ ورفضت الوقوع فيه.

فحتى الآن، اختارت الولايات المتحدة مواصلة استراتيجيتها القائمة على خنق إيران اقتصاديًا وعسكريًا، مع إبقاء التركيز على طهران ورفض استنزاف قواتها في حرب جديدة مع الحوثيين.

وتدرك واشنطن جيدًا أهمية باب المندب بالنسبة إلى التجارة العالمية، وكذلك المكاسب الاستراتيجية التي يمكن أن تحققها إيران من سيطرة الحوثيين عليه.

وتدرك أيضًا حجم الإحباط السعودي إزاء إخفاق الولايات المتحدة في تقديم الدعم المباشر للمملكة.

ورغم تقارير حديثة بأن واشنطن قدمت للسعودية دعمًا استخباراتيًا، لكنها تجنبت الالتزام بتدخل عسكري مباشر.

ويدرك الأميركيون تماما أن تكاليف مثل هذا التدخل العسكري إن حصل، سواء على صعيد انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر، أو على صعيد الحرب المستمرة مع إيران، تفوق بكثير الفوائد المحتملة من حرب مباشرة مع الحوثيين.

صحيح أن التقارير الأخيرة أشارت إلى أن اجتماع الأميركيين مع الحوثيين في عُمان قد أفضى إلى صفقة أميركية تضمن عدم التعرض للملاحة في باب المندب مقابل عدم مهاجمتهم، لكن يبدو من الصعب تصديق مثل هذه التعهدات عندما تصدر عن جماعة مسلحة مدعومة من الحرس الثوري الإيراني.

ومع ذلك يبدو أن إدارة ترامب تحاول التركيز على هدفها الأساسي، فترامب ومستشاروه مقتنعون بضرورة التمسك باستراتيجية خنق الاقتصاد الإيراني إلى أن ترضخ طهران.

إنه رهان كبير.

لكن في الظروف الراهنة، قد يكون هذا أفضل خيار متاح أمام واشنطن حاليا.

 الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب فقط، ولا تعكس بالضرورة الموقف أو السياسة الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN).

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة