واشنطن العاصمة 05:43 PM

"الحزام العربي".. ملف شائك في سوريا عمره عقود

أنتج تشييد سدّ الفرات أزمة لا تزال مستمرة منذ أكثر من نصف قرن بسبب عملية نقل السكان التي جرت حينها.

· 4 دقيقة قراءة
الحزام العربي هو مشروع أقيم لإعادة توطين عائلات سورية نُقلت من الرقة إلى أراض ٍ تمت مصادرتها من قبل الحكومة آنذاك في المناطق ذات الغالبية الكردية في شمال شرقي سوريا، أثناء إنشاء سد الفرات.
الحزام العربي هو مشروع أقيم لإعادة توطين عائلات سورية نُقلت من الرقة إلى أراض ٍ تمت مصادرتها من قبل الحكومة آنذاك في المناطق ذات الغالبية الكردية في شمال شرقي سوريا، أثناء إنشاء سد الفرات.

على مدى عقود ظل مشروع “الحزام العربي” أحد أكثر الملفات حساسية في شمال شرقي سوريا، وقد عاد إلى واجهة النقاش مع بدء المرحلة الانتقالية في البلاد بعد سقوط نظام الأسد.

والحزام العربي هو مشروع أقيم أثناء إنشاء سد الفرات لإعادة توطين عائلات سورية نُقلت من محافظة الرقة إلى أراض ٍ تمت مصادرتها من قبل الحكومة آنذاك في المناطق ذات الغالبية الكردية في شمال شرقي سوريا.

ويُعد المشروع من أكثر السياسات إثارة للجدل في تاريخ سوريا الحديث، إذ يرى باحثون أنه تحول إلى سياسة غيّرت أنماط الملكية والتركيبة السكانية في أجزاء من محافظة الحسكة، بينما تؤكد روايات أخرى أن آلاف العائلات العربية كانت هي الأخرى ضحية قرارات الدولة آنذاك.

ويطالب أكراد سوريون بإعادة الأراضي التي صادرتها الدولة آنذاك إلى أصحابها، وسط دعوات إلى معالجة قانونية تنصف جميع المتضررين، بمن فيهم العائلات التي استقرت في المنطقة ضمن المشروع قبل أكثر من نصف قرن.

من فكرة أمنية إلى مشروع على الأرض

تعود جذور المشروع إلى دراسة، أعدها في ستينيات القرن الماضي، ضابط في الداخلية السورية يدعى محمد طلب هلال، شكّلت لاحقا أحد مرتكزات المشروع الذي نُفذ بعدها بسنوات، عندما استُملكت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية على الشريط الحدودي، وأُعيد توزيعها ضمن سياسة عُرفت باسم “الحزام العربي”.

ويقول الباحث فارس عثمان، في حديثه لـ”الحرة”، إن المشروع لم يكن مجرد عملية لإسكان عائلات تضررت من إنشاء سد الفرات، وإنما ارتبط، من وجهة نظره، بسياسة “هدفت إلى إعادة تشكيل الواقع الديموغرافي في المنطقة.”

ويضيف أن آثار تلك السياسة تجاوزت قضية ملكية الأراضي، لتؤثر على مدى عقود في العلاقات الاجتماعية والاقتصادية بين سكان المنطقة، وهو ما يجعل معالجة الملف اليوم أكثر تعقيدا من مجرد إعادة توزيع الملكيات.

ويشير عثمان إلى أن أي تسوية مستقبلية لن تكون قابلة للاستمرار إذا اقتصرت على معالجة جانب واحد من القضية، مؤكدا أن العدالة الانتقالية تقتضي الاعتراف بجميع المتضررين، والبحث عن حلول قانونية تراعي حقوق مختلف الأطراف.

من التاريخ إلى الواقع

وبعد أكثر من خمسة عقود على تنفيذ المشروع، لا يزال الحزام العربي من أكثر الملفات حضورا في النقاش حول مستقبل شمال شرقي سوريا، إذ تتداخل فيه الذاكرة التاريخية مع التحولات الديموغرافية والاجتماعية، ما يجعل أي معالجة له تتجاوز مجرد تسوية عقارية.

فبالنسبة لكثير من الأكراد، يمثل المشروع رمزا لمرحلة يرون أنها شهدت سياسات تمييزية أثرت في المنطقة. وفي المقابل، تؤكد عائلات عربية استقرت هناك ضمن المشروع أنها لم تكن صاحبة القرار، بل وجدت نفسها جزءا من سياسة رسمتها الدولة آنذاك.

وبين هاتين الروايتين، يتركز النقاش اليوم على كيفية معالجة آثار تلك السياسات بعد أكثر من نصف قرن، في ظل مطالب متباينة تتفق جميعها على ضرورة الوصول إلى حل عادل.

“عرب الغمر”… ضحايا أيضا

يرفض الشيخ لورانس شواخ البورسان، أحد شيوخ قبيلة الولِدة في منطقة الطبقة، اختزال قضية الحزام العربي في خلاف بين العرب والأكراد، مؤكدا أن الطرفين دفعا ثمن سياسات اتخذتها الدولة في ذلك الوقت.

ويقول البورسان، في حديثه لـ”الحرة”، إن تهجير سكان منطقة الطبقة بدأ مع إنشاء سد الفرات عام 1968، بعدما غمرت مياه البحيرة عشرات القرى، ما أجبر آلاف السكان على مغادرة منازلهم وأراضيهم الزراعية.

ويضيف أن الدولة استملكت الأراضي التي غمرتها البحيرة، ثم نقلت عدداً من العائلات إلى الشريط الحدودي في محافظة الحسكة، حيث مُنحت أراضي ضمن مشروع الحزام العربي.

ويقول: “لم يكن هناك خلاف بين عرب الغمر والسكان الأصليين، لأن الجميع كان يدرك أن ما جرى كان نتيجة قرارات الدولة، وليس نتيجة نزاع بين المجتمعين.”

ويطالب البورسان الحكومة السورية الجديدة بوضع معالجة قانونية شاملة تنصف جميع المتضررين، سواء من فقدوا أراضيهم بسبب إنشاء سد الفرات، أو من صودرت أراضيهم في الجزيرة السورية، معتبرا أن العدالة لا يمكن أن تتحقق على حساب طرف آخر.

ويشير إلى أن عائلته فقدت، بحسب قوله، نحو 36 ألف هكتار من الأراضي الزراعية في محيط الطبقة، بينما اقتصر التعويض على منح كل أسرة عقد انتفاع بمساحة 200 دونم، وهو ما يراه غير متناسب مع حجم الخسائر.

أصحاب الأراضي.. مطالب باستعادة الحقوق

في المقابل، يقول المزارع والمالك الكردي فواز معصوم يوسف الحجي، من قرية قزامبوك بريف عامودا، إن عائلته كانت من بين العائلات التي فقدت أراضيها مع بدء تنفيذ مشروع الحزام العربي.

ويضيف، في حديثه لـ”الحرة”، أن الدولة استولت عام 1967 على نحو تسعة آلاف دونم من أراضي ثلاث قرى هي قزامبوك، ومعيريك، وعوينيك، قبل أن تستثمرها لعدة سنوات، ثم تُخصص لاحقاً لإسكان عائلات نُقلت من منطقة الطبقة.

ويؤكد الحجي أنه لا يحمّل تلك العائلات مسؤولية ما جرى، لأن القرارات صدرت عن الدولة، لكنه يتمسك بحق أصحاب الأراضي الأصليين في استعادة حقوقهم، أو التوصل إلى تسوية قانونية عادلة تكفل إنصاف المتضررين.

ويرى أن معالجة هذا الملف يجب أن تستند إلى القانون، بما يحقق العدالة ويحفظ السلم الأهلي في المنطقة.

الموقف الحكومي

تؤكد الحكومة السورية أن ملف الحزام العربي لا يزال قيد الدراسة، في ظل تشابك أبعاده القانونية والاجتماعية، وارتباطه بحقوق الملكية وإرث سياسات امتدت لعقود.

وقال أحمد الهلالي، نائب محافظ الحسكة والمتحدث باسم الفريق الرئاسي المشرف على عملية الدمج بين دمشق و”قسد”، في تصريح خاص لـ”الحرة”، إن “ملف الحزام العربي لا يزال قيد الدراسة ولم يُحسم بعد، لأنه من القضايا المعقدة والشائكة.”

ويعكس هذا الموقف الرسمي حجم التعقيدات التي تحيط بالملف، إذ أن أي معالجة له ترتبط بتوازن دقيق بين رد الحقوق والحفاظ على الاستقرار المجتمعي.

وبين مطالب أصحاب الأراضي الأصليين باستعادة حقوقهم، ورواية عائلات “عرب الغمر” التي تؤكد أنها دفعت هي الأخرى ثمن قرارات الدولة، يبرز التحدي أمام السلطات السورية في التوصل إلى مقاربة قانونية تستوعب روايات جميع المتضررين، بعيداً عن إنتاج مظالم جديدة.

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة