واشنطن العاصمة 06:46 PM

إيران تصعّد في قضية عسكريين فقدتهم في قطر والكويت

وجهت إيران اتهامات لكل من قطر والكويت بحجب معلومات عن عسكرييها.

· 6 دقيقة قراءة
مقاتلات تابعة للقوات الجوية الإيرانية تشارك في عرض عسكري، في جنوب طهران، 22 سبتمبر 2009. رويترز
مقاتلات تابعة للقوات الجوية الإيرانية تشارك في عرض عسكري، في جنوب طهران، 22 سبتمبر 2009. رويترز

صعّدت طهران بشكل مفاجئ خطابها تجاه جيرانها الخليجيين عبر بيان بشأن طيارين إيرانيين أسقطت قطر مقاتلتيهما وعسكريين احتجزتهم الكويت، مما فتح باب التساؤلات عن دوافع إيران وراء هذا التحرك في هذا التوقيت.

وتتهم طهران قطر بأنها أسرت سرّا ثلاثة طيارين ناجين من طائرتي “سوخوي-24”  في مارس الماضي بعدما أسقطت القوات القطرية هاتين الطائرتين اللتين اخترقتا مجالها الجوي بالقرب من منشأة أميركية.

ورغم تأكيد قطر أنها انتشلت رفات طيار واحد فقط وعرضت تسليمها، إلا أن إيران صعدت القضية إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وزعمت حدوث انتهاك لحقوق الأسرى المنصوص عليها في اتفاقيات جنيف.

وأكدت قطر أنها اتخذت إجراءات للدفاع عن أراضيها بعدما دخل الطيارون مجالها الجوي ولم يردوا على محاولات التواصل معهم.

وقال متحدث باسم وزارة الخارجية القطرية على منصة “إكس“: “نؤكد أنه تم التواصل مع الطيارين المعنيين بعد خرقهم للأجواء القطرية والتأكد من مسار الاستهداف، وبعد اتباع قواعد الاشتباك والتواصل معهم دون إجابة، تم اتخاذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن أراضينا”.

وشككت طهران الأحد أيضا في رواية الكويت بشأن أربعة إيرانيين دخلوا الكويت في مايو الماضي.

حينها، قالت إيران إن 4 عناصر من الحرس الثوري كانوا يقومون بدورية بحرية قبل دخولهم المياه الإقليمية الكويتية بسبب خلل ملاحي. من جانبها، قالت الكويت إن الأربعة مشتبه في تخطيطهم لأعمال عدائية ضد البلاد.

والبيان الأخير لطهران الذي جاء بعد نحو ستة أشهر من الحادثة، اتهم قطر بأنها لم تسمح للأسرى باللقاء أو التواصل مع عائلاتهم والمسؤولين المعنيين بمتابعة أوضاعهم، في إشارة واضحة إلى انتهاك حقوقهم كأسرى حرب، بافتراض أنها أسرتهم بالفعل.

وقالت وكالة مهر للأنباء إن مهمة الطيارين نفذت في إطار رد إيران على الهجمات الأميركية والإسرائيلية والتي تقول طهران إن بعضها انطلق من قواعد تقع في دول الخليج، وهو الأمر الذي تنفيه هذه الدول.

وأثار توقيت هذا البيان استغراب محللين خليجيين تواصلت معهم “الحرة”. وقال سامي عبد اللطيف النصف، وزير الإعلام الكويتي الأسبق إن إيران “تحاول تقديم مبررات كاذبة لأي اعتداء تشنه على دول الخليج”، مشيرا إلى أنه من الطبيعي أن تتخذ قطر والكويت إجراءات ضد أشخاص تسللوا أو اقتحموا أراضيها.

من جانبه، قال عايد المناع، الأكاديمي والباحث السياسي الكويتي إن إيران تعيش “في حالة ازدواجية وعدم يقين” لأن قطر ردت مبكرا على مسألة مصير الطيارين، “وليس من مصلحتها أن تدعي ما ليس صحيحا فيما يتعلق بوجود أسرى. وكذلك الكويت قد أعلنت اتخاذ إجراءات ضد أربعة ضباط”.

توقيت حساس

وفي تصريحات لـ”الحرة”، قال المحلل السياسي الإيراني، مسعود الفك، إن التطورات الأمنية الأخيرة تجعل توقيت التحرك الإيراني مهما، نظرا لأن الكويت باتت طرفا مباشر في تداعيات العملية العسكرية، بينما تحتفظ قطر بموقع حساس بسبب وجود القوات الأميركية على أراضيها ودورها في الاتصالات الإقليمية.

ولذلك فإن إعادة طرح قضايا العسكريين الإيرانيين في البلدين يمكن أن يكون جزءا من “محاولة طهران إعادة تثبيت حضورها السياسي في الملفات التي خلفتها الحرب، بدلا من ترك خصومها يحددون وحدهم رواية ما حدث ومصير خسائرها العسكرية”.

ويعتقد محمد محسن أبو النور، خبير الشؤون الإيرانية، رئيس المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية في القاهرة، أن طهران تسعى إلى إعادة ترتيب أوراقها السياسية والدبلوماسية في الخليج، فإثارة قضية الطيارين بعد أشهر من الحادث بالتزامن مع الاتصالات الخليجية لخفض التصعيد وملف هرمز هي محاولات “للضغط على الكويت وقطر لاختبار موقفيهما، وتحويل ملف الأسرى إلى قضية تفاوضية يمكن استخدامها في أي ترتيبات تتعلق بالأمن الإقليمي”.

ويعتقد أبو النور أن إيران تحاول منع حصر المفاوضات المقبلة في قضايا مثل هرمز أو البرنامج النووي أو الترتيبات الأمنية، وإدخال قضايا إنسانية وأمنية مرتبطة بالمواجهة الأخيرة ضمن أي صفقة شاملة.

الصحفي في راديو أوروا الحرة” إيليا جزائري، قال أيضا لـ”الحرة” إن هناك محاولة “سياسية” إيرانية للضغط على قطر لإرسال فرق إيرانية إلى هناك للبحث والتحري.

قطر.. ضغط سياسي

ولا تنفصل الأحداث عن دور الوسيط الذي تلعبه قطر بين إيران والولايات المتحدة، فقد جاءت الاتهامات الأخيرة لتشكك في هذه المكانة، ما قد يوحي بمناورة سياسية من طهران لكسب نقاط في المعركة الحالية.

ويقول الفك إن هناك نحو 6 مليارات دولار من الأموال الإيرانية المودعة في بنوك قطر والخاضعة لقيود على استخدامها، في وقت تلعب الدوحة دورا هاما في نقل الرسائل بين طهران وواشنطن.

ولا يوجد ما يثبت أن إيران تسعى للضغط على قطر للإفراج عن الأموال عبر ربطها بقضية الطيارين، لكن وجود الملفين في العلاقة الإيرانية-القطرية يمنح طهران مساحة أوسع للمناورة.

يقول الفك إن توقيت التحرك، بعد أشهر من انتهاء العمليات العسكرية، يشير إلى أن طهران بدأت التعامل مع الملفات التي خلفتها الحرب باعتبارها أوراقا سياسية وأمنية يمكن استخدامها في المرحلة التالية من الصراع، إذ تفتح ملفا لم يكن واضحا للرأي العام طوال الأشهر الماضية، ويضع قطر أمام مطالبة رسمية بالكشف عن مصير الطيارين.

ويستغرب علي الهيل، الأكاديمي والمحلل السياسي القطري، إثارة طهران للقضية مجددا في هذا التوقيت تحديدا بالتزامن مع الوساطة القطرية–العُمانية الرامية إلى تخفيف حدة التوتر والتصعيد في المنطقة.

هذا الأمر يثير بالنسبة للهيل شكوكا في أن طهران ترغب في تعطيل جهود هذه الوساطة “وإعادة المنطقة إلى مرحلة الفوضى والتصعيد، بدلا من دعم مساعي التهدئة والاستقرار”.

الكويت.. قضية منظورة أمام القضاء

وفي الكويت تعكس الاتهامات الإيرانية حالة من انعدام الثقة بين الطرفين، وتعزز المخاوف الكويتية من الأنشطة الإيرانية السرية في الكويت، التي اتخذت أيضا موقفا دبلوماسيا محايدا في الحرب.

لم تشارك الكويت مباشرة في أي عمليات عسكرية هجومية، لكنها تضم قواعد عسكرية أميركية.

وتنظر طهران إلى هذه القواعد كأهداف لوجستية يمكن استهدافها، وهو ما ردت عليها الكويت بإدانة واضحة واعتبرت أي مساس بأمنها وسيادتها “خطا أحمر”.

وجعلت الكويت قضية المتسللين قضية قانونية ينظرها القضاء بعدما اعترفوا بالتسلل إلى جزيرة بوبيان على متن قارب صيد تم استئجاره خصيصا لتنفيذ “أعمال عدائية تجاه الكويت”، وفق بيان رسمي أعقب العملية في مايو الماضي.

وقال الفك إن السؤال الذي تبادر إلى ذهن الكويتيين هو أنهم إذا دخلوا الكويت بسبب خطأ ملاحي، بحسب رواية طهران، لماذا استخدم ضباط في الحرس الثوري، بينهم عقيدان، سفينة تجارية بدلا من قطعة بحرية عسكرية؟

وتكمن حساسية القضية في أن استمرارها أمام السلطات والقضاء الكويتي قد يؤدي إلى ظهور معلومات أو أدلة تجعلها أكثر من مجرد حادثة حدودية.

وإذا ثبتت الاتهامات الكويتية، يقول الفك، فقد تتحول القضية إلى ملف موثق حول نشاط الحرس الثوري داخل الأراضي الكويتية، وهو ما ستكون له تداعيات تتجاوز العلاقة الثنائية بين الكويت وإيران إلى الأمن الخليجي بصورة عامة.

ويعتقد أن تحرك طهران الآن محاولة لاحتواء هذا الملف قبل أن يترسخ سياسيا وقانونيا.

حسابات داخلية أيضا؟

ولا يمكن استبعاد مخاوف النظام الإيراني من رد الفعل الداخلي الإيراني. فمصير الطيارين المفقودين، مثل مصير عناصر الحرس الثوري المحتجزين في الخارج، يمثل قضية حساسة للمؤسسة العسكرية.

 وبعد أشهر من الحرب، يصبح السؤال عن عدد القتلى والمفقودين والأسرى أكثر إلحاحا. ولذلك فإن الإعلان عن احتمال بقاء ثلاثة طيارين على قيد الحياة قد يخدم أيضا هدفا داخليا يتمثل في إظهار أن المؤسسة العسكرية تواصل البحث عن أفرادها ولا تغلق ملفاتهم.

يقول الفك إن إيران ترى في قطر والكويت “نوعين مختلفين من تداعيات الحرب”، ففي قطر، يوجد ملف عسكري غامض يمكن أن يتحول إلى ورقة تفاوضية في علاقة تشمل واشنطن والأموال الإيرانية الموجودة في قطر. وفي الكويت، يوجد ملف أمني وقضائي يمكن أن يسبب ضررا أكبر لصورة الحرس الثوري وعلاقات إيران مع دول الخليج.

ووفق أبو النور، هناك “رسالة إيرانية مزدوجة: الضغط على العواصم الخليجية، ورفع سقف الأوراق التي تريد طهران وضعها على طاولة التفاوض في مرحلة تبدو فيها قنوات الوساطة الخليجية أكثر نشاطا”.

وبالنسبة للمناع، تعيش إيران “أزمة حقيقية”، فرغم جهود الوساطة الخليجية، لا تعترف طهران بإيجابيات هذه الوساطة، وتريد فقط تصدير مشكلاتها إلى الخارج.

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة