تتجه الحكومة العراقية إلى التعامل مع موعد 30 سبتمبر بوصفه بداية لمسار لتنظيم سلاح الفصائل، لا موعدا نهائيا لحصره بيد الدولة، في تراجع عن الموقف الذي تمسكت به منذ الصيف، وفقا لمسؤولين ومصادر سياسية مطلعة على المفاوضات الجارية بين الحكومة والفصائل تحدثت لـ”الحرة”.
وقال قيادي في الإطار التنسيقي، الائتلاف الشيعي الحاكم، لـ”الحرة” إن بيانا “سيصدر عن كل قادة الإطار” يعلن تشكيل لجنة لـ “تنظيم السلاح” ويشمل “جميع الفصائل”، وتوقع أن يصدر خلال الأسبوعين المقبلين.
وقالت ثلاثة مصادر سياسية في قوى متعددة داخل الإطار، إن البيان سيصدر في سياق اتفاق مرتقب بين حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي والفصائل يمنح الأخيرة “مرونة” في التعامل مع الملف، ويعيد تعريف الموعد الذي حدده ائتلاف إدارة الدولة بأنه بداية مسار طويل وليس خط النهاية.
وفي يونيو 2026، طلبت واشنطن من الحكومة العراقية وضع جدول زمني واضح لحصر السلاح بيد الدولة وتفكيك الجماعات المسلحة العاملة خارج إطارها، وحددت بغداد لاحقا 30 سبتمبر 2026 موعدا نهائيا لملف تسليم سلاح الفصائل، بالتزامن مع انتهاء مهمة التحالف الدولي.
ويمثّل التحول في تعامل الحكومة العراقية مع ملف تسليم السلاح، انتكاسة لأحد أبرز تعهدات الزيدي، الذي كرر لأسابيع أن الموعد “نهائي لا عودة عنه”، وربط به انتقال العراق إلى “مرحلة جديدة” تتزامن مع اكتمال انسحاب قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة من البلاد في اليوم نفسه.
وقال القيادي في الإطار لـ”الحرة” إن الزيدي تعرض لضغوط “كبيرة” من الفصائل وضعته أمام تحدٍّ صعب، ما دفع الحكومة إلى إمساك العصا من المنتصف وتبنّي مقاربة براغماتية تقوم على اعتبار 30 سبتمبر “بداية لحصر السلاح أو تنظيمه”، من دون الالتزام بجدول زمني لإتمامه.
وأضاف أن اللجنة الرباعية التي شُكّلت داخل الإطار التنسيقي، وتضم رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني وزعيم منظمة بدر هادي العامري وزعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، بالإضافة إلى الزيدي، هي التي تعمل على صياغة الآلية الجديدة، بهدف أن تمر الأيام التي تلي الموعد “بهدوء” من دون صدام بين القوات الحكومية والفصائل.
ولم يصدر عن الحكومة العراقية تأكيد رسمي لما كشفته المصادر بشأن اتفاق محتمل على آلية جديدة لتنظيم سلاح الفصائل بدلا من تسليمه.
ووفقا لمصدرين مطلعين على المحادثات، تسعى الفصائل في المقابل إلى انتزاع ضمانات بعدم تعرضها لأي ضربات، سواء من الولايات المتحدة أو من الحكومة العراقية، مقابل قبولها بإخضاع سلاحها لصيغة تنظيمية تحدد حركته واستخدامه من دون تسليمه.
وقال برلماني مقرب من الزيدي لـ”الحرة” إن الحكومة ستركز خلال الأيام المقبلة على ملف انسحاب القوات الأميركية “باعتباره يوم سيادة”، وإنها “لن تعطي أهمية لملف الفصائل كي لا تُحرج”، في إشارة إلى رغبة الحكومة في أن تتصدر صور مغادرة آخر الجنود الأجانب المشهد بدلا من صور أسلحة لم تُسلَّم.
ويأتي التراجع بعد أسابيع من الخلاف داخل الإطار التنسيقي على مصطلحين بدا الفارق بينهما شكليا في ظاهره وجوهريا في مضمونه. “حصر” السلاح، الذي يعني تسليمه إلى الدولة أو إلى هيئة الحشد الشعبي، و”تنظيمه”، الذي يبقيه بيد الفصائل ضمن ضوابط متفق عليها. وكان الزيدي قد تمسك بالصيغة الأولى، فيما دفعت قوى تمتلك أجنحة مسلحة نحو الثانية.
ويقول حيدر الشاكري، الباحث المشارك في معهد تشاتام هاوس، إن الحكومة “حاولت أن ترفع السقف وتحوّل حصر السلاح من شعار إلى التزام بموعد محدد، لكن الاصطدام وقع داخل النظام السياسي نفسه”، مضيفا لـ”الحرة” أن “بعض الجهات رفضت المهلة ووضعت شروطا، والحكومة لا تملك توافقا سياسيا يسمح لها بالذهاب نحو مواجهة مفتوحة”.
ويرى الشاكري أن ما يجري “تراجع عن فكرة الحسم السريع، وليس بالضرورة عن مبدأ حصر السلاح نفسه، وهذا نقاش آخر”، وأن “المشكلة أن الحكومة حاولت دفع الملف فاصطدمت بحدود قدرتها وبموازين القوى داخل الدولة”، معتبرا أن الحكومة “لم تكن تدرك، على ما يبدو، مدى تعقيد الملف”.
وكان ائتلاف إدارة الدولة، الذي يضم القوى الشيعية والسنية والكردية الرئيسية، قد أعلن في بيان صدر في 5 أغسطس أن أي سلوك مسلح خارج إطار الدولة بعد 30 سبتمبر سيُتعامل معه وفق قانون مكافحة الإرهاب، وهو أشد ما ذهب إليه خطاب رسمي عراقي تجاه الفصائل منذ تأسيس الحشد الشعبي عام 2014.
غير أن الأسابيع التي تلت البيان شهدت تحركات مضادة. فقد زار إسماعيل قاآني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، الذي تصنفه واشنطن جماعة إرهابية، بغداد في أغسطس، وتبعه رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف في زيارة رسمية، وحمل كلاهما، وفقا لمصادر في الإطار التنسيقي تحدثت في حينه، رسالة واحدة مفادها أن الوقت ليس مناسبا لتسليم السلاح.
وتلقّى الزيدي في سبتمبر مقترحات من داخل الإطار التنسيقي بتمديد فترة التسليم سنة أو سنتين، رفضها في البداية، قبل أن تتصاعد شروط الفصائل لتشمل نزع سلاح قوات البيشمركة الكردية وخروج القوات التركية من شمال العراق والتأكد من خلو القواعد العسكرية من أي مقاتلين أجانب.
ويقول علي طاهر، رئيس مركز البيان للدراسات والتخطيط، إن “الحكومة أدركت أن التوقيت الزمني غير واقعي، وأن السياق السياسي الداخلي، وما يمثله السلاح من معادلة موازنة في الحالة السياسية العراقية، يقتضي أن يتحول الملف من حصر السلاح إلى إخفائه، ثم تنظيمه وإدارته لمدة زمنية شبه مفتوحة حتى هذه اللحظة”.
ويضيف طاهر لـ”الحرة” أن القوى السياسية “تدرك أن من غير الطبيعي وجود سلاح خارج نطاق الدولة، لكن النظام السياسي العراقي يفضل أن يحل هذه القضية بطريقة عراقية، ويجازف في المقابل بتعريض البلاد لضغوط دولية”.
ويتزامن الموعد مع اكتمال انسحاب قوات التحالف الدولي الذي تشكّل عام 2014 بطلب من الحكومة العراقية لمحاربة تنظيم “داعش”، الذي تصنفه واشنطن جماعة إرهابية. وكانت بغداد وواشنطن قد أعلنتا في 27 سبتمبر 2024 خطة من مرحلتين: الأولى إنهاء مهمة التحالف في المحافظات العراقية بحلول سبتمبر 2025، وهو ما تحقق مع تسليم قاعدة عين الأسد في الأنبار ومغادرة معظم القوات معسكر فكتوري قرب مطار بغداد، والثانية إنهاء الوجود العسكري في إقليم كردستان بحلول 30 سبتمبر 2026.
وتتركز المرحلة الأخيرة في أربيل، حيث كانت قاعدة “حرير” شمال شرقي المدينة نقطة تجمع للقوات الأميركية المتبقية، وحيث نُشرت بطاريات صواريخ باتريوت ومنظومات “سي رام” المضادة للقذائف لحماية القوات من هجمات الفصائل بالمسيّرات والصواريخ، التي تصاعدت بعد اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير الماضي.
وأعلنت القيادة العسكرية العراقية أن معسكر “ستيفان” في مطار أربيل الدولي سيُسلَّم إلى إدارة المطار، وأن القواعد الأخرى ستؤول إلى قوات البيشمركة، بعدما أكملت القوات الألمانية، التي كانت تتولى تدريب القوات العراقية والبيشمركة، انسحابها في أغسطس.
وتستعد الحكومة العراقية للإعلان أن الأول من أكتوبر سيكون “يوما جديدا” يصبح فيه العراق خاليا من أي وجود عسكري أجنبي.