السردية التي اعتدنا سماعها عن الشرق الأوسط تتهاوى.
لسنوات، كان المشهد يُختصر بعبارة واحدة: “محور المقاومة” بقيادة إيران يتقدم، مدعوما من روسيا والصين، متحديا النفوذ الأميركي.
هذا السيناريو يتفكك اليوم: حماس مثخنة بالجراح، حزب الله تحت ضغط غير مسبوق، سوريا شبه خاوية، وإيران نفسها تبدو أضعف مما كانت عليه منذ عقود. لكن انهيار السردية القديمة لا يعني وضوحا جديدا، بل فراغا. والفراغ في الشرق الأوسط لا يبقى فارغا طويلا.
إسرائيل، رغم فاعليتها العسكرية ضد حماس، بلا خطة سياسية لليوم التالي. السلطة الفلسطينية خارج المشهد. العواصم العربية مترددة، وواشنطن عاجزة عن بلورة استراتيجية متماسكة. غياب الخطة هو الخطر الأكبر، إذ يهدد بتحويل نصر عسكري إلى كارثة سياسية طويلة الأمد.
في تحليل حصري لبرنامج The Diplomat، يرى الدبلوماسي الأميركي السابق، إليوت أبرامز، أن الخطر الحقيقي على استقرار المنطقة ليس إيران قوية، بل غياب خطة واضحة لمرحلة ما بعد حماس في غزة.
يصف أبرامز واشنطن بأنها مشلولة، غير قادرة على تقديم مسار واقعي، وينتقد حسابات خاطئة لكل الأطراف الكبرى: إسرائيل، والسلطة الفلسطينية، والولايات المتحدة.
إجاباته مباشرة، بحدة رجل مارس السياسة في أعلى مستوياتها.
إيران أضعف: فرصة نادرة أم وهم جديد؟
سؤال: وصفت اللحظة بأنها “فرصة نادرة”. إيران تبدو أضعف استراتيجيًا. حماس، حزب الله، تلقوا ضربات، وسقط النظام السوري. إذا كانت إيران حقًا أضعف، فما هي الفرص الاستراتيجية للولايات المتحدة وحلفائها، خصوصًا في غزة والمنطقة الأوسع؟
أبرامز: هناك جانب مزدوج. أولًا، إبقاء إيران ضعيفة عبر تشديد الضغط الاقتصادي، بما في ذلك إعادة فرض العقوبات الأممية حتى لا يتدفق المال إلى حزب الله أو الحوثيين. التجربة أثبتت أن جفاف التمويل الإيراني يعني ضعف أذرعها. ثانيًا، محليًا: في لبنان، الرئيس ورئيس الحكومة يطالبان بنزع سلاح حزب الله. هنا يجب أن يدعم الغرب والخليج هذه اللحظة. في العراق، حتى شيعة كثر يريدون الاستقلال عن طهران. وفي سوريا، الفرصة ضئيلة لكنها موجودة لإعادة السيادة بعيدًا عن قبضة إيران. لم يكن لدينا لحظة أنسب لمحاولة ذلك. الهدف ليس إسقاط النظام غدًا، بل تقليص نفوذه وخنقه عن العواصم العربية.
سؤال: لكن إيران نجت سابقًا من العقوبات والحروب والانتفاضات. ما المختلف الآن؟
أبرامز: الهدف ليس إسقاط النظام فورًا، بل تجفيف موارده. حين اشتد الضغط سابقًا، تلقى حزب الله تمويلًا أقل وتوقفت عملياته. طهران حوّلت ما تبقى لحماية نفسها لا لتمويل وكلائها. هذا ما يفعله الضغط: يضعف الشبكة حتى لو بقي النظام قائمًا.
حزب الله والسيادة اللبنانية
سؤال: قلت إن لبنان أمام فرصة لاستعادة السيادة، لكن حزب الله يزعم أنه حامي البلد. كيف يُتوقع أن يتخلى عن سلاحه مع ضعف الجيش وبقاء الجنوب ساحة نزاع؟
أبرامز: مقولة “حزب الله درع لبنان” خرافة. العام الماضي أثبت أن لا حزب الله ولا الجيش قادران على صد إسرائيل. السيادة الحقيقية تعني ألا ميليشيا تتفوق على الدولة. وهذا يشمل تفكيك سلاح جماعات فلسطينية أيضًا. يمكن لحزب الله أن يبقى حزبًا سياسيًا، لكن السلاح يجب أن يكون حصريًا للدولة. عندها فقط سيتدخل الخارج لدفع إسرائيل للتراجع.
روسيا والصين: شراكة أم وهم؟
سؤال: إيران تؤكد أن لديها حلفاء في روسيا والصين. هل هو محور حقيقي أم مجرد وهم؟
أبرامز: وهم. عندما تعرضت إيران للهجوم، لم تتحرك موسكو ولا بكين. الصين تشتري نفطها بخصومات لصالحها، وروسيا تبيع سلاحًا رديئًا. هم لا يهتمون ببقاء إيران بل بإضعاف واشنطن. لكن تلك السياسة جاءت بنتيجة عكسية: الولايات المتحدة قصفت إيران لأول مرة منذ عقود، وها هي طهران أضعف مما كانت منذ 25 عامًا.
سؤال: ما أفهمه من كلامك أن روسيا والصين لا تكترثان بإيران ولا بالشعب الإيراني، ولا بما يتعرض له من قمع وانتهاكات لحقوق الإنسان. في رأيك، هل ما زالت واشنطن ترى قضايا حقوق الإنسان والإصلاح الديمقراطي في إيران أولوية استراتيجية، أم تراجعت إلى الخلفية من جديد؟
أبرامز: الأولوية تراجعت بالتأكيد، وأرى أن هذا خطأ كبير. الإيرانيون ليسوا فقط أصدقاء لبلدهم وحريتهم، بل أيضًا لأميركا والغرب. البعض في إدارة ترامب يظن أن إهمال ملف الحقوق يعكس واقعية سياسية. لكن الحقيقة أن هذا غير واقعي. إيران ليست صندوقًا أسود يحكمه المرشد من فوق، بل بلد فيه نحو 95 مليون إنسان يكرهون النظام. الأغلبية الساحقة ضده. هؤلاء هم أفضل حلفاء للغرب، وهم الأمل في إيران مختلفة: ديمقراطية، مسالمة، وهذا بالضبط ما يريده شعبها. لذلك، تقليص أولوية حقوق الإنسان خطأ استراتيجي، لأنه يضعف الرهان على الحليف الأهم داخل إيران: شعبها نفسه.
غزة: بين الحكم أو الفراغ
سؤال: ساهمت في صياغة فكرة جدلية، وهي عدم إعادة إعمار غزة بل إعادة توطين سكانها مؤقتًا. هل ما زلت تراها قابلة للتطبيق؟
أبرامز: الفكرة أساسًا كانت لترامب، لا لي. لكن لها منطق. ملايين السوريين هُجروا، الأوكرانيون كذلك، والأفغان أيضًا. لماذا يُقال لغزة فقط: ابقوا تحت القصف؟
سؤال: ربما لأنهم، بخلاف السوريين والأوكرانيين، قد يُمنعون من العودة.
أبرامز: هذا غير حتمي. سيناء مساحة واسعة. الإمارات بنت مخيمًا لثمانين ألف سوري في الأردن. لم يُطرح السؤال يومًا على الغزيين: هل تفضلون الخروج مؤقتًا بأمان والعودة لاحقًا؟ لم تُمنح لهم الفرصة أصلًا. ما يجب أن يحدث هو إشراف دولي على إعادة إعمار غزة: مصر، الأردن، السعودية، الإمارات، الولايات المتحدة، أوروبا، بدعم فلسطيني محلي. المهمة ضخمة لكن ممكنة. الفشل ليس في القدرة بل في غياب التخطيط. إسرائيل بلا خطة، السلطة بلا خطة، وواشنطن بلا خطة. وهذا الفراغ هو الأزمة الحقيقية.
سؤال: ما معنى “النصر” بعد حماس؟
أبرامز: أن لا تعود حماس لا عسكريًا ولا سياسيًا. هذا خط أحمر لإسرائيل وأميركا. الحركة تضعف شهرًا بعد شهر. لكن ما دام قادتها في الأنفاق، سيطول القتال. الانقسام في إسرائيل يزيد التعقيد: بين من يريد القضاء الكامل ومن يركز على الرهائن.
السلطة الفلسطينية: بلا وزن؟
السلطة جوفاء. حتى الفلسطينيون يرون حياتهم أفضل قبلها. الاستطلاعات تثبت انعدام الثقة في رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس. أي “إحياء” حقيقي يتطلب قيادة جديدة وشفافية مالية ومحاسبة ديمقراطية. من دون ذلك، لا معنى للحديث عن دولة أو تسوية.
حل الدولتين: انتهى؟
الحل انهار. الثقة به تآكلت عند الطرفين. الفلسطينيون لا يؤمنون بحدوثه، وبعضهم يريد زوال إسرائيل. كثير من الإسرائيليين، حتى من الوسط، يعتبرونه خطرًا بعد 7 أكتوبر. الاعتراف الدولي غير المشروط لا يحل شيئًا، بل يرسخ الجمود. الخيار الواقعي الأقرب قد يكون شكلًا من الكونفدرالية مع الأردن، البلد الذي نصف سكانه فلسطينيون، ويتقاسم اللغة والثقافة والتاريخ.
أين تدخل “اتفاقيات إبراهيم”؟
حماس أخّرت الاتفاقيات لكنها لم تقتلها. لا دولة تراجعت عن الاعتراف بإسرائيل. المسار سيصبح أبطأ لكن باقٍ: تجارة، رياضة، زيارات هادئة. على المدى البعيد، تقلص هذه الاتفاقيات نفوذ إيران.
سوريا: ورقة غير محسومة؟
قد تصمد أو تنهار أكثر. النتيجة مجهولة. لكن المؤكد أن قبضة إيران في سوريا أضعف مما مضى، وهذا يفتح احتمالات جديدة.
الخطر الأكبر
سؤال: ما يقلقك أكثر، ما قد يفعله الخصوم أم ما قد تفوته الولايات المتحدة؟
أبرامز: أكثر ما يقلقني هو ما قد نفوته نحن. الفرصة تاريخية. إيران أضعف، ووكلاؤها في مأزق. إذا انشغلت واشنطن أو ضيعت البوصلة، فسوف نندم. ما يبقيني مستيقظًا ليلًا هو احتمال أن يُسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي. الخطر تراجع لكنه يبقى الأهم.
شكراً
بالنسبة لأبرامز، الشرق الأوسط ليس رقعة شطرنج بلا نهاية، بل لحظة قرار. إيران أضعف مما كانت منذ 25 عامًا. حماس متآكلة. حزب الله منهك. السؤال: هل تتحرك واشنطن، أم تكتفي بالمشاهدة حتى تُغلق هذه النافذة النادرة؟ في كلماته: “الخطر الأكبر ليس ما ستفعله إيران لاحقًا، بل ما ستفشل الولايت المتحدة في فعله الآن”.



