تجد دول الخليج نفسها تحت ضغوط متزايدة بعدما دخلت المواجهة الأميركية الإيرانية مرحلة جديدة، الاثنين، بإطلاق واشنطن حملة تستهدف عزل طهران اقتصاديا، وتهدد الدول والشركات التي تواصل التعامل معها بعقوبات قاسية.
وتنقل الخطوة الأميركية جانبا مهما من المواجهة إلى دول ومراكز تجارية ومالية أخرى، في مقدمتها دول خليجية تستخدمها طهران للوصول إلى الأسواق العالمية.
ومع إعلان وزير الخزانة الأميركية، سكوت بيسنت، الاثنين، تفاصيل العقوبات، بدا موقف الإمارات الأكثر وضوحا بين دول الخليج.
وكانت أبوظبي استبقت، قبل أيام، الإعلان عن تفاصيل العقوبات بقرار مفاجئ بإيقاف تعاملاتها التجارية والمالية مع إيران.
لكن بقية دول مجلس التعاون لم تبد مواقف محددة على الفور، ما يشير إلى تعقد الحسابات المرتبطة بالتجارة والطاقة والوساطة وأمن مضيق هرمز بين العواصم الخليجية.
وكشفت تفاصيل “عملية العزل الاقتصادي” التي وردت في بيان الخزانة الأميركية، عن تصعيد كبير للضغوط بهدف “قطع شريان الحياة المالي عن إيران” وإجبارها على الاختيار بين العزلة العالمية أو العودة إلى الاقتصاد العالمي.
وتستهدف واشنطن “الأسطول الخفي/ الموازي” لإيران وشبكات تهريب النفط، بما في ذلك الوسطاء وشركات الشحن والوسطاء الماليين والسفن التي تنقل النفط الخام والمنتجات النفطية الإيرانية.
ويرى الباحث السياسي أحمد الخزاعي أن العقوبات ستنعكس مباشرة على العلاقات الاقتصادية بين دول الخليج وإيران، لأنها تجعل أي تعامل مع المؤسسات الإيرانية أكثر عرضة للمخاطر القانونية والمالية.
وقال في تصريحات لـ”الحرة” إن الشركات الخليجية المستفيدة من السوق الإيرانية ستجد نفسها أمام تهديد العقوبات الجديدة، ما يعني أن أي صفقة أو استثمار قد يؤدي إلى خسائر كبيرة أو الحرمان من الوصول إلى النظام المصرفي الدولي.
وكانت الخزانة الأميركية كشفت أن حملتها تستهدف شبكات تعمل عبر الإمارات والصين وهونغ كونغ وسنغافورة وسويسرا وأوروبا ومناطق أخرى.
وتتهم واشنطن تلك الشبكات بالمشاركة في نقل النفط الإيراني وتحويل عائداته إلى الحرس الثوري وفيلق القدس، المدرجين على قوائم الإرهاب الأميركية، وإلى جهات أخرى داخل النظام.
كما شملت قوائم العقوبات الجديدة شركات شحن مسجلة في دبي وعجمان وأفرادا مقيمين في الإمارات، ما يضع المراكز التجارية الخليجية مباشرة أمام متطلبات التدقيق والتنفيذ.
وأكد بيسنت أن كل دولة ستحصل على مهلة محددة لإغلاق الأنشطة المرتبطة بإيران التي رصدتها واشنطن.
لكن المحلل السياسي قيس الأسطى اعتبر أن تصريحات بيسنت، وما أعلنه من إجراءات، بحاجة إلى تقييم يرتبط بقدرة واشنطن على تحويلها إلى حصار شامل، خصوصا أن العقوبات المفروضة على إيران منذ عقود لم تنجح في دفعها إلى التخلي عن سياساتها.
ولفت الأسطى في تصريحات لـ”الحرة” إلى أن اقتصادات الخليج تعتمد على الانفتاح العالمي وجذب الاستثمارات والتعامل مع المؤسسات الدولية، ما يجعل من الصعب على الشركات أو المصارف الخليجية المخاطرة بتلك المصالح مقابل الاستمرار في سوق أصبحت محاطة بالعقوبات والتهديدات.
حسابات متباينة
وتتباين مواقف دول الخليج من العقوبات وفقا لحسابات معقدة تشمل المواقف من إيران والعلاقات مع واشنطن.
وتتصدر الإمارات المشهد الخليجي باعتبارها الأكثر صرامة في الدفع نحو مزيد من الضغوط على طهران بعد تعرض أراضيها لسلسلة من الهجمات بالصواريخ البالستية والطائرات المسيرة.
وأعلنت الإمارات قبل أيام وقف جميع الأنشطة والتبادلات التجارية والمعاملات المالية مع إيران حتى إشعار آخر، على خلفية تصعيد إيراني جديد واستهداف حركة الملاحة.
وحمل القرار أبعادا استثنائية تتجاوز العلاقات الثنائية بين البلدين، نظرا إلى الدور الذي لعبته دبي على مدى عقود بوصفها إحدى أهم بوابات التجارة الإيرانية.
وعقب إعلان العقوبات الأميركية، اعتبر أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس الإمارات، أن المواجهة انتقلت إلى مرحلة جديدة تتسم بتصعيد الضغط الاقتصادي، وإنهاء محاولات الهيمنة على مضيق هرمز، وتجاوز مرحلة مذكرة التفاهم.
وقال قرقاش إن الهجمات الإيرانية على دول الخليج أخطأت هدفها، لأنها عمقت مأزق طهران وزادت من عزلتها.
لكنه أبقى المخرج السياسي مطروحا، بقوله إن الخروج من الحرب لا يمر عبر استهداف دول الخليج، بل عبر العمل معها لتهيئة التهدئة والبحث عن حل سياسي.
ويمثل كلام قرقاش أوضح موقف يصدر عن مسؤول خليجي رفيع عقب إعلان العقوبات الأميركية، لكن تصريحات المسؤول الإماراتي لا تعكس موقفا جماعيا لدول مجلس التعاون الخليجي.
ولم تصدر السعودية أو قطر أو عمان أو الكويت أو البحرين بيانات تؤيد إعلان العقوبات الجديدة، كما لم يصدر موقف مشترك عن مجلس التعاون.
وتشير بيانات منظمة التجارة العالمية إلى أن نحو 30 في المئة من واردات إيران، بقيمة تقارب 21 مليار دولار، تأتي من الإمارات. كما تتجه إلى السوق الإماراتية نحو 13 في المئة من الصادرات الإيرانية، بقيمة تقدر بنحو 7 مليارات دولار.
وبالنسبة إلى إيران، قد ينصب الأثر الأكبر على الواردات. فدبي شكلت منذ عقود مركزا لإعادة تصدير السلع إلى السوق الإيرانية، من الإلكترونيات والمعدات إلى السلع الاستهلاكية والمنتجات الزراعية.
وحاول البلدان خلال السنوات الأخيرة توسيع علاقاتهما الاقتصادية رغم الخلافات على المستوى السياسي. وفي عام 2024، اجتمعت اللجنة الاقتصادية المشتركة للمرة الأولى منذ 10 سنوات لبحث التجارة والاستثمار والممرات اللوجستية.
وظل التعاون قائما حتى مع التزام الإمارات بالعقوبات الأميركية والدولية المفروضة على كيانات وقطاعات إيرانية.
لكن القرار الإماراتي الأخير بوقف التعامل مع طهران بدل هذه المعادلة.
ويرى الأكاديمي المختص في العلاقات الدولية عبدالله باعبود أن القرار الإماراتي بوقف التعامل التجاري مع طهران لا يمكن تفسيره فقط بوصفه استجابة للضغوط الأميركية.
ويقول إن الصواريخ الإيرانية والتهديدات التي تعرضت لها الملاحة والسفن الإماراتية بدلت حسابات أبوظبي، وجعلت استمرار التعامل مع طهران مرتبطا بتقييم المخاطر الأمنية، وليس بالعائد التجاري وحده.
وتكتسب الحالة العمانية أهمية خاصة بسبب علاقات مسقط السياسية والتجارية مع طهران، ودورها في الوساطة بالصراع الحالي.
وفي مايو 2025 وقعت مسقط وطهران اتفاقية للتجارة التفضيلية، بينما بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 512 مليون ريال عماني، أي قرابة 1.33 مليار دولار خلال 2024، بزيادة قدرها 52 في المئة عن العام السابق.
كما بلغت قيمة السلع التي أعادت عمان تصديرها إلى إيران 172.8 مليون ريال حتى نهاية مايو 2026، لتصبح إيران ثاني أكبر وجهة لإعادة التصدير العماني بعد الإمارات.
وتبدو العلاقة العمانية الإيرانية معضلة استراتيجية تتجاوز التجارة، إذ تحرص مسقط على علاقتها بواشنطن والتزامها بالنظام المالي الدولي، لكنها قد ترى أن عزل إيران سياسيا واقتصاديا بصورة كاملة لا يخدم أمنها الوطني.
ويقول باعبود إن أمن عمان يعتمد على الموازنة والحوار بحكم موقعها الجغرافي وعلاقتها بجيرانها ودورها في مضيق هرمز. ولذلك من المستبعد أن تواجه واشنطن علنا أو تحاول كسر نظام العقوبات، لكنها لن تتخلى بسهولة عن قنواتها السياسية والدبلوماسية مع إيران.
وعملت مسقط، خلال الأزمة الحالية، على انتزاع دور خاص بها، لاسيما فيما يتعلق بمضيق هرمز، في الوقت الذي تتوسط فيه بين الجانبين الأميركي والإيراني.
وتريد السلطنة حصة رسمية ومباشرة في إدارة أهم ممر مائي محل نزاع في العالم بعد انتهاء الحرب. كما تريد حصة من أي رسوم قد يتعين على ناقلات النفط دفعها مقابل المرور، بعدما كان العبور مجانيا حتى اندلاع الحرب في فبراير، رغم أن فرض رسوم عبور يصطدم بمعارضة أميركية قاطعة.
وتجري عُمان وإيران، اللتان تطلان على المضيق المتنازع عليه، مفاوضات منذ أسابيع، لكن نتائجها لا تزال غير واضحة.
ويتوقع باعبود أن تفصل مسقط بين الامتثال الصارم في القطاعات الحساسة وبين المحافظة على العلاقات المشروعة والحوار السياسي، معتبرا أن مدى المرونة التي ستمنحها واشنطن لحلفائها سيحدد قدرة عمان على الاستمرار في هذه السياسة.
أما السعودية فأعادت علاقاتها الدبلوماسية مع إيران عام 2023 برعاية صينية، لكن التجارة والاستثمارات المشتركة بقيت محدودة مقارنة بعلاقات طهران مع عمان، ومع الإمارات قبل قرار وقف التعاملات.
ويملك الاقتصاد السعودي إمكانات أكبر من جيرانه الخليجيين ما يتيح للرياض مساحة مرونة أكبر. كما تحتفظ السعودية بقدرة نسبية على تنويع طرق إخراج نفطها عبر مسارات بديلة بعيدة عن هرمز، وهي قدرة غير متاحة بنفس الدرجة إلى الدول الخليجية الأخرى.
ويرى باعبود أن الرياض تحاول المحافظة على استقلال قرارها وقدرتها على الحوار مع إيران، لكن علاقتها الاستراتيجية بالولايات المتحدة تبقى أوسع بكثير من علاقتها بطهران، ولذلك يرجح استمرار العلاقات الدبلوماسية بين الرياض وطهران عند مستوى حذر، من دون انخراط اقتصادي كبير.
وترتبط إيران مع قطر بحقل غاز مشترك، إلى جانب وجود قنوات سياسية بين البلدين، لكن العلاقات التجارية والمالية تظل أقل حجما من العلاقات العمانية الإيرانية.
وتعد قطر أحد الوسطاء البارزين منذ انطلاق الأزمة الحالية.
واكتفى المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية، الثلاثاء، بتعليق مقتضب وصف فيه العقوبات الأميركية الجديدة على إيران بأنها “أحادية”، مضيفا أن الدوحة تدعم جهود الوساطة لحل الأزمة بين البلدين.
وتحتفظ الكويت بعلاقات تجارية محدودة تحكمها اعتبارات أمنية وسياسية، بينما تبقى البحرين الأكثر تحفظا بسبب تاريخ التوتر والاتهامات الأمنية المتبادلة بينها وبين طهران.
من جهة أخرى، تزيد التهديدات الإيرانية المستمرة من تعقيد الحسابات الخليجية، بعدما أعلنت طهران أنها سترد على الدول التي تتعاون مع حملة العقوبات الأميركية.
وقال وزير الاقتصاد الإيراني علي مدني زاده إن بلاده مستعدة للعقوبات، وإن الرد الإيراني لن يبقى دفاعيا، بينما هدد مسؤول في الحرس الثوري بتوجيه ضربات إلى المصالح الحيوية الأميركية ونقاط اختناق الطاقة إذا تعرضت البنية التحتية الإيرانية للخطر.
ووجهت إيران تحذيرا جديدا إلى السفن بشأن عبور مضيق هرمز دون موافقتها. وأدرجت عشرات السفن على قائمة قالت إنها خالفت تعليماتها، وهددت بفرض غرامات عليها أو احتجازها أو مصادرتها.
ولم تعبر المضيق أمس الاثنين، بالتزامن مع إعلان الخزانة الأميركية عن العقوبات الجديدة، سوى سفينتين للسلع، في أدنى عدد يومي منذ أوائل مايو، بينما كانت هذه المنطقة تمرر قبل الحرب نحو خُمس تدفقات النفط الخام والغاز الطبيعي المسال في العالم.
وبينما تحتاج العقوبات إلى فترة قبل أن تظهر نتائجها الفعلية، يرجح الأسطى انضمام دول مجلس التعاون إلى الإجراءت الأميركية في المرحلة الحالية بسبب استمرار الهجمات الإيرانية واتهام طهران دول الخليج بالمشاركة في الحرب.
لكنه يرى أن استمرار هذا الموقف يعتمد على كيفية انتهاء المواجهة ومستقبل الملاحة في مضيق هرمز.
ويقول باعبود إن دول الخليج، خصوصا عمان والسعودية، ستبحث عن مساحة تسمح لها بالامتثال للعقوبات مع المحافظة على قنوات سياسية وأمنية مفتوحة مع طهران.
ويحذر من أن مطالبة واشنطن حلفاءها بالاختيار الكامل بينها وبين إيران قد تحول العقوبات من أداة للضغط على طهران إلى مصدر للخلاف في العلاقات الأميركية الخليجية.