واشنطن العاصمة 11:13 PM
المستقبل بوصفه جريمة

ماغازين · سبتمبر 2026

المستقبل بوصفه جريمة

هذا المقال جزء من ملف تغطيتنا للذكرى الخامسة والعشرين لهجمات 11 سبتمبر، الذي نسأل فيه خبراء عن أبرز تداعيات الهجمات التي لم تحظَ باهتمام كاف.

جمانة حداد

جمانة حداد هي كاتبة وصحفية وناشطة من لبنان

اقرأ بـ English
· 2 دقيقة قراءة

لم تغيّر هجمات الحادي عشر من سبتمبر الحدود والسياسة الخارجية والعلاقة بين الأمن والحرية فحسب، بل غيّرت أيضاً الزمن الذي تمارس فيه السلطة دورها.

كان يُفترض بالقانون أن يعاقب على ما حدث. لكن، بعد 11 سبتمبر، راحت الحكومات تطالب، على نحو متزايد، بحق معاقبة ما قد يحدث.

أطلق مهندسو هذا التحوّل عليه اسم  “الاستباق” . وسرعان ما تبيّن أن تداعياته هائلة.

بات من الممكن غزو دول بسبب أسلحة قد تكون في حوزتها، واحتجاز أشخاص — أو “تسليمهم استثنائياً“، كما كان يُقال أحياناً — بسبب جرائم قد يرتكبونها، ومراقبة مواطنين لأن محادثاتهم قد تخفي نيات مبيّتة. بل أمكن أن تصبح جماعات بأكملها موضع اشتباه بسبب فعل ارتكبه شخص ينتمي إلى دينها أو أصولها أو يشبه أفرادها في المظهر.

لم تعد الشبهة بداية التحقيق، بل أصبحت خلاصته.

بعد الحادي عشر من سبتمبر، أدركتُ أن هذا الانقلاب نفسه بات يعمل من خلال أجهزة الدولة.

كان غزو العراق تعبيره الأكثر كارثية، لكن منطقه تجاوز ذلك بكثير. فقد تسلّل المنطق نفسه إلى المطارات والحدود وسياسات الهجرة وقواعد البيانات وأماكن العمل والمدارس والتفاعلات الإنسانية اليومية. أصبح الاسم جرس إنذار، واللهجة قرينة، والصلاة اعترافاً محتملاً.

انقلب عبء الإثبات. لم يعد كافياً أن يكون المرء بريئاً، بل صار عليه أن يثبت، مراراً وبطرق مهينة في كثير من الأحيان، أنه ليس خطِراً.

ولا تكمن المأساة في أن الحكومات بالغت في تقدير بعض التهديدات فحسب، بل في أن المستقبل المتخيَّل أصبح عصيّاً على التكذيب. فكيف يمكن لأحد أن ينفي وقوع حدث لم يقع بعد؟

وما إن صار الاحتمال دليلاً كافياً، حتى كاد ينعدم كل ما لا تستطيع السلطة تبريره، بذريعة منع كوارث الغد.

ولعلّ هذا ما يفسّر أن هذا التحوّل لم يحظَ بالاهتمام نفسه الذي حظيت به الحروب والقوانين التي أفرزها. فهو لم يأتِ في صورة إلغاء معلن لمبدأ ديمقراطي، بل تسلّل إلى الحياة العامة متنكّراً في هيئة الحذر.

وقَبِل المواطنون تدابير استثنائية لأنهم تلقّوا وعوداً بأن الاستثناء سيكون مؤقتاً. لكن الخوف لا يملك تاريخ انتهاء طبيعياً، ولا سيما حين تكتشف المؤسسات مدى فائدته.

بعد خمسة وعشرين عاماً، ما زلنا نعيش داخل ذلك الانقلاب. فالشرطة الاستباقية، والمراقبة الخوارزمية، والاحتجاز الوقائي، وحظر السفر، والاشتباه الجماعي، كلها تنتمي إلى عالم يمكن فيه للاحتمال أن يرجح كفّة الحقيقة.

علّم الحادي عشر من سبتمبر الديمقراطيات أن تخشى ما قد يحدث. أما انتصاره الأشد رسوخاً، فكان أنه علّمها أن تعاقب عليه مسبقاً.

 الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب فقط، ولا تعكس بالضرورة الموقف أو السياسة الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN).

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة