واشنطن العاصمة 02:41 PM

خطة سعودية للتأمين على السفن.. كيف تعمل؟

مع ارتفاع كلفة التأمين في المنطقة، تبحث الرياض عن برنامج جديد يضمن استمرار حركة السفن.

· 5 دقيقة قراءة
سفن في مضيق هرمز تظهر بالقرب من شاطئ بندر عباس في إيران، 26 أغسطس 2026. تصوير: مجيد أسغري بور / WANA (وكالة أنباء غرب آسيا) عبر رويترز.
سفن في مضيق هرمز تظهر بالقرب من شاطئ بندر عباس في إيران، 26 أغسطس 2026. تصوير: مجيد أسغري بور / WANA (وكالة أنباء غرب آسيا) عبر رويترز.

جاء تعرض ناقلة النفط السعودية “سدر” لهجوم أثناء عبورها مضيق هرمز، الاثنين، مؤشرا واضحا على حجم الأخطار المحيطة بأحد أهم الممرات المائية في العالم، بعد مرور ستة أشهر على اندلاع حرب إيران.

وأسفر الحادث عن مقتل بحارين فلبينيين، فيما نددت الرياض باستهداف الناقلة وما نتج عنه من وفيات.

ولم يكن حادث “سدر” التابعة لشركة “البحري” الأول من نوعه، إذ تعرضت ناقلة نفط عملاقة تابعة لنفس الشركة إلى هجوم في يوليو، أثناء عبورها المضيق قرب سواحل عُمان.

وقبل ذلك تعرضت سفينتان أخريان تابعتان لـ”البحري” لهجومين في البحر الأحمر في يوليو وأغسطس.

ويخاطر عدد قليل من الشركات بالعمل حاليا في المنطقة بينما تواصل طهران تهديداتها باستهداف الناقلات التي تحاول الإبحار عبر الممر المائي الضيق دون تصريح منها، ما يعيق صادرات الطاقة من دول الخليج.

وبينما لا تلوح نهاية قريبة للصراع تتفاقم مشكلة اقتصادية أخرى منذ شهور، إذ رفعت شركات التأمين أسعارها وقيدت نطاق التغطية التأمينية للسفن والشحنات.

وفي مواجهة ذلك تخطط السعودية، بحسب صحيفة “فايننشال تايمز” لتأسيس برنامج تأمين مدعوم حكوميا لتغطية السفن والبضائع.

وقالت الصحيفة إن الرياض أجرت بالفعل محادثات مع وسطاء للتأمين في لندن لهذا الغرض، وإنها تبحث آليات لتوفير تغطية تأمينية تصل إلى 700 مليون ريال، نحو 186 مليون دولار، لكل حادث، مثل احتجاز سفينة أو تعرضها لهجوم.

ويستهدف البرنامج السعودي توفير تغطية تأمينية بسعر أقل من الكلفة المرتفعة التي تتحملها السفن حاليا في مناطق الخطر، بما يضمن استمرار حركة الملاحة.

وظهرت الحاجة إلى الخطة الجديدة في ظل تغيرات كبرى شهدها سوق التأمين البحري منذ اندلاع حرب إيران.

وفي الثاني مارس الماضي، بعد ساعات من بدء الضربة الأميركية الإسرائيلية، أعلنت نواد بحرية كبرى بينها Gard وSkuld وNorthStandard وLondon P&I Club وAmerican Club إلغاء تغطيات مرتبطة بإيران والخليج والمياه المجاورة.

كما علقت مجموعة MS&AD اليابانية الاكتتاب في مجموعة من وثائق مخاطر الحرب بالمنطقة.

وتزامنت هذه القرارات مع تراجع حركة السفن عبر مضيق هرمز، وتعليق شركات شحن وتجارة رحلاتها، بينما ارتفعت كلفة التأمين على السفن التي اختارت مواصلة الإبحار.

لكن خدمات التأمين لم تنقطع بالكامل، وكشف مسح أجرته رابطة سوق “لويدز” في مارس أن معظم شركات التأمين بقيت مستعدة لتغطية تأمين السفن والشحنات، مع زيادة التكاليف وتعديل الشروط.

ورابطة “لويدز” أحد أكبر أسواق التأمين العالمية، وتجمع شركات ووسطاء يوفرون تغطيات لمخاطر مختلفة، بينها الحروب.

ويرى عيد العيد، المستشار الاقتصادي السابق بالصندوق السعودي للتنمية، أن شركات تأمين استفادت من ظروف الحرب لرفع الأسعار وتقليص حجم المخاطر التي تتحملها. وكان هذا وراء بحث السعودية عن آلية جديدة توفر التأمين الضروري.

وتعتمد شركات الشحن على أنواع مختلفة من التأمين، بينها ما توفره نواد الحماية والتعويض المعروفة باسم P&I Clubs لتغطية مسؤوليات لا تشملها وثائق التأمين التقليدية.

كما تلجأ شركات التأمين ذاتها إلى شركات إعادة التأمين لتفتيت المخاطر وتوزيع الخسائر الضخمة.

ومع تفاقم مخاطر الحرب الحالية تراجعت شركات إعادة التأمين عن تغطية بعض المخاطر ما دفع نوادي بحرية إلى إلغاء أجزاء من تغطيات الحرب، أو تعديل شروطها.

وفي الوقت نفسه أبقت بعض الشركات على تغطياتها لمناطق الخطر، ولكن بكلفة أعلى وبشروط تختلف بحسب الرحلة والمناطق التي تمر بها.

ويؤدي ارتفاع السعر عادة إلى زيادة تكلفة الرحلة، لكن غياب التغطية التأمينية يؤدي إلى نتائج أكثر كارثية، لأنه يدفع شركات الملاحة إلى تعليق رحلاتها من الأساس.

وفي يونيو الماضي أعلن سوق لويدز تأسيس تجمع جديد للتأمين ضد مخاطر الحرب لتوفير تغطية إضافية للسفن والبضائع العابرة لمضيق هرمز، مع تقييم كل حالة بحسب مستوى المخاطر وشروط الرحلة.

وبلغت كلفة التأمين للسفن العابرة لمضيق هرمز ما بين 7.5 و10 في المئة من قيمة هيكل السفينة في يوليو، مقارنة بما بين 1 و3 في المئة قبل أسابيع، بحسب ما أفادت منصة S&P Global.

كما امتدت الضغوط مؤخرا إلى البحر الأحمر في ظل تصاعد هجمات الحوثيين، المدرجين على قوائم الإرهاب الأميركية.

ويرى العيد أن البرنامج الذي تعمل عليه السعودية يمكنه خفض كلفة التأمين، لكنه يشدد على أن دخول الدول قطاع التأمين لا يعني تحملها كافة النفقات، وإنما تغطية جزء من المخاطر التي تتحفظ شركات التأمين بشأنها حاليا، مع استمرار القطاع الخاص في تحمل جزء من التغطية.

ويمر عبر مضيق هرمز في الأوقات الطبيعية نحو 20 مليون برميل يوميا من النفط الخام والمنتجات النفطية، ما يجعله أحد أهم ممرات الطاقة في العالم.

ومنذ اندلاع الحرب تراجعت حركة النفط عبر المضيق بشدة، فاضطرت دول خليجية إلى خفض إنتاجها مع تعطل حركة السفن ومحدودية الطرق البديلة.

وتقول وكالة الطاقة الدولية إن توفير آليات مناسبة للتأمين، إلى جانب حماية السفن، يمثل عاملا أساسيا لعودة تدفقات النفط الطبيعية عبر هرمز، ما يعني عمليا تراجع أسعاره، علما بأن زيادة تكلفة التأمين لا تعني بالضرورة ارتفاع سعر النفط بنفس النسبة.

ويوضح علي الريامي، المدير العام السابق بوزارة الطاقة والمعادن العمانية لـ”الحرة”، أن الزيادة تضاف إلى كلفة نقل النفط إلى الأسواق، فيما يحدد وضع السوق الطرف الذي يتحمل تلك الزيادة.

ففي حالة شح الإمدادات يستطيع المنتج تمرير جزء أكبر من الزيادة إلى المشتري، بينما قد يضطر إلى تحمل جزء منها عندما يكون المعروض وفيرا.

وفي الوقت نفسه لا يلغي ارتفاع تكاليف التأمين الجدوى الاقتصادية للرحلات، لاسيما في ظل الارتفاع الحالي لأسعار النفط.

وفي أغلب الأحيان يعد تحمّل جزء من مخاطر الشحن خيارا أقل كلفة من خسارة الفرص التصديرية أو توقف الإمدادات بالكامل.

ويعتبر الريامي تدخل الحكومات الخليجية في هذه الظروف جزءا من نفقات ضمان تدفق التجارة، تجنباً لعرقلة الصادرات نتيجة ارتفاع تكاليف التأمين أو انعدامه.

ولا تقتصر أهمية التأمين الحكومي، بحسب خالد العوضي، مستشار الطاقة في Hawk Energy، على خفض الكلفة، لأن توفير التأمين للمناطق الخطرة يطمأن شركات الشحن والمستثمرين والموانئ التي تشترط وجود التغطية قبل التعامل مع السفن.

ويقترح العوضي أن تتركز التغطية الحكومية على المناطق عالية المخاطر في مسار الرحلة، مثل العبور في هرمز أو باب المندب، بينما تستمر التغطية التجارية المعتادة لبقية المسار.

وتختلف الخيارات المتاحة أمام دول الخليج لنقل نفطها إلى الأسواق في ظل أوضاع هرمز الحالية.

فالسعودية يمكنها نقل جزء من نفطها عبر خط شرق- غرب إلى ينبع على البحر الأحمر. كما تستطيع الإمارات تصدير جزء من إنتاجها عبر الفجيرة من دون المرور بالمضيق، بينما تعتمد الكويت وقطر والبحرين بدرجة أساسية على المضيق في صادرات الطاقة.

ويرى عواد النصافي، مستشار الاستراتيجيات المالية وصناعة القرار، إن صندوقا خليجيا مشتركا يمكنه نظريا توزيع نسب المخاطر على تلك الدول، لكنه يرجح تبني برامج وطنية منفصلة بسبب اختلاف احتياجات كل دولة والمخاطر التي تواجهها.

بينما يقول الريامي إن تدخل الحكومات يمكنه توفير شبكة أمان في الظروف الاستثنائية، لكنه لا ينبغي أن يكون بديلا عن شركات التأمين الخاصة، وإنما وسيلة لضمان استمرار حركة السفن ومنع ارتفاع الكلفة إلى مستويات تعرقل حركة التجارة.

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة