يفاقم إحكام الحوثيين، المدعومين من إيران، قبضتهم على باب المندب، واستمرار هجماتهم على بنية الطاقة السعودية، الضغوط التي تواجهها الرياض لاحتواء تأثيرات الملف اليمني على أمنها واقتصادها.
والسبت، أطلق الدفاع المدني السعودي إنذارات في كل من الطائف، وخميس مشيط، ومدينة شرورة، في محافظة نجران، جنوبي المملكة في أوقات متفاوتة، قبل أن يعلن زوال الخطر لاحقا.
وتشير هجمات الجماعة، المصنفة على قائمة الإرهاب الأميركية، إلى استمرار التصعيد العسكري والتوترات الحدودية الأخيرة، في وقت لا يبدو فيه أن الرياض تفضل الانخراط في عمل عسكري واسع في اليمن.
ومنذ انهيار تهدئة بدأت منذ عام 2022 بين أطراف الأزمة اليمينة، حرصت السعودية، في تصريحاتها الرسمية على إظهار تفضيلها الخيارات الدبلوماسية، والعمل على خفض التصعيد، ودعم جهود حل الأزمة اليمنية.
ويذهب الباحث السياسي عايد المناع إلى أن المملكة التزمت للحكومة اليمنية، بأن تكون في صف الحكومة الشرعية، ويترتب على هذا الالتزام قبول السعودية، بما قد تقبله تلك الحكومة ما يجعل الحل بيد اليمنيين، من وجهة نظره.
وسبق أن سهلت وساطة عمانية، لقاءا في صنعاء، بين السفير السعودي لدى اليمن، محمد آل جابر، ومسؤولي الجماعة، في أبريل 2023، لمناقشة وقف إطلاق النار بشكل دائم في اليمن، وتثبيت الهدنة الإنسانية.
وزار وفد حوثي في سبتمبر 2023 الرياض، وتركزت المحادثات على الملف الإنساني، ودفع أجور الموظفين، وفتح المطارات والموانئ بالكامل، وتبادل الأسرى، والتمهيد لوضع خارطة طريق للتوصل إلى وقف إطلاق نار شامل.
لكن الجماعة أعلنت في يوليو الماضي، بالتزامن مع حرب إيران، فرض “حصار بحري” على السعودية، وفق ما سمته معادلة “الحصار بالحصار” قبل أن تبدأ في استهداف سفن سعودية.
ومع تصاعد التوتر، يرى المناع، أنه يمكن لسلطنة عمان، لعب دور الوساطة الذي أدته سابقا، لكنه يضيف أن هذا يعتمد أيضا على ما إذا كان الحوثيون مستعدين للتفاهم الآن مع الحكومة اليمنية.
وتطورت قدرات الحوثيين خلال سنوات التهدئة الأربع الماضية، إذ استفادوا من التكنولوجيا الإيرانية، وصولا إلى فرض حصارهم المعلن على السعودية.
وأظهر تقرير لوكالة الطاقة الدولية، صدر الجمعة، انخفاض إمدادات الخام السعودية إلى أدنى مستوى منذ 3 عقود. وحددت الوكالة الانخفاض بنسبة 2.3 مليون برميل يوميا على أساس شهري في أغسطس، لتصل إلى 6 ملايين برميل يوميا.
وبعد سيطرتها على مدينة المخا، وأحكام سيطرتها على مضيق باب المندب، الجمعة، سعت الجماعة المدعومة من إيران، إلى تبديد المخاوف الدولية على حركة الملاحة الدولية، وأعلنت أن المضيق “مفتوح وآمن لجميع السفن”، لكنها استثنت السفن السعودية.
وتكتسب هذه السيطرة أهمية أكبر في وقت تعتمد فيه السعودية بصورة متزايدة على البحر الأحمر لتصدير نفطها، بعدما عطلت الحرب مع إيران حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز.
وخلال الأيام الماضية، نقلت باكستان المنخرطة مع السعودية في اتفاق دفاعي مشترك تحذيرا من الرياض، حثت فيه طهران على كبح جماح حلفائها الحوثيين في اليمن.
ورغم تحذيراتها تلك، يبدو أن السعودية، مازالت تعول على خيار الدبلوماسية، إذ قال وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، الخميس، إنه بحث مع نظيره السعودي فيصل بن فرحان، الخميس، تصاعد التوترات في المنطقة.
ولم يشر عراقجي، إلى اليمن صراحة، لكنه أوضح أنه وفرحان، شددا على ضرورة مواصلة التعاون والجهود الدبلوماسية لمنع تفاقم التوترات واستعادة الاستقرار.
وبسقوط باب المندب في أيدي الحوثيين، سيطرت الجماعة على ساحل اليمن الغربي كاملا، بما في ذلك أرخبيل جزر حنيش الاستراتيجية، الواقعة في قلب ممر الملاحة الدولية، غربي مديرية الخوخة اليمينة.
ويمثل نفوذ جماعة الحوثي، على البحر الأحمر، منصة تهديد واسعة تضع السعودية، أمام تحد قد يتجاوز صد الهجمات على منشآتها إلى منع الحوثيين من تكبيل حركتها في باب المندب.
وسبق أن هاجم الحوثيون منشآت نفطية في مناطق جنوب وغرب المملكة، بينها مصفاة جازان، ومصفاة ياسرف في ينبع، ومرافق طاقة، وتحلية مياه، في فترات متفاوتة خلال هجماتهم على السعودية.
ويرى الكاتب والباحث السياسي، فيصل الشمري، أن الرياض تملك خيارات بينها الجمع بين تعزيز الدفاع عن المنشآت الحيوية، ودعم القوات اليمنية لمنع تثبيت السيطرة الحوثية على الساحل الغربي، وتوسيع الضغط الدولي باعتبار أن أمن باب المندب مسؤولية دولية وليس شأنا سعوديا فقط.
وحسب تقرير لموقع أكسيوس، رفض الرئيس الأميركي دونالد ترامب، قبل أيام طلبا سعوديا للتدخل المباشر في اليمن، خلال اتصالين أجراهما معه ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، لحثه على شن هجمات على الحوثيين.
لكن الموقع نفسه كشف عن توجه الأدميرال براد كوبر، إلى السعودية، بغرض إجراء مناقشات عاجلة، على خلفية التهديدات الأمنية التي باتت تهدد استمرار تدفق النفط السعودي في اثنين من أهم ممرات الملة الدولية.
والسبت قال ترامب، إن الحوثيين اتصلوا بإدارته، وأشاروا إلى أنهم لا يريدون أن تتدخل الولايات المتحدة بشكل مباشر في الصراع.
وأضاف ترامب، بحسب ما نقلت “رويترز”، أن الحوثيين يسمحون لمعظم السفن بالمرور في مضيق باب المندب و”هناك دولة واحدة فقط ليسوا راضين عنها، وسنقوم بتسوية الأمر”.
ويعد أمن البحر الأحمر، ضمن أبرز ملفات الأمن السعودي، إذ تسعى الرياض إلى تجنب تحمل كلفة تضرر حركة الملاحة والتجارة الدولية جراء عرقلة ممر حيوي يستفيد منه العالم أجمع.
ويرى المستشار السابق في وزارة الخارجية السعودية، سالم اليامي، أن ضمان مرور وسلامة السفن التجارية وناقلات النفط السعودية، قد يتطلب في مرحلة من المراحل تأمينها عسكريا أو الدخول في تحالفات دولية لضمان حرية الملاحة، وفق القوانين الدولية.
وفي سياق جهودها لمواجهة تحديات الأمن في باب المندب وخليج عدن، تحركت الرياض، في يوليو الماضي لتأسيس تحالف بحري دفاعي متعدد الجنسيات بمشاركة 14 دولة، بحضور ممثلين عن 43 دولة في إطار تنسيق الجهود الدولية.
كما وقعت في 7 أغسطس اتفاقية دفاع مشترك مع تركيا وباكستان، تنص على اعتبار أي هجوم مسلح على أي منها هجوما على الدول الثلاث.
وعلى خلفية التطورات المتسارعة في اليمن، انعقدت الخميس، جلسة طارئة لمجلس الأمن، بطلب من البحرين، والمملكة المتحدة، وأدانت السعودية خلالها هجمات الحوثيين على مدن ومناطق غرب المملكة.
وضمن جهودها لمحاصرة الحوثيين، طالبت الرياض، مجلس الأمن، بتشديد حظر تدفق الأسلحة والتكنولوجيا العسكرية إلى جماعة الحوثي.
وخلال الأيام الماضية اتهم الحوثيون السعودية بشن مئات الغارات على مدن ومحافظات تقع تحت سيطرتهم، وأعلنت الجماعة وقوع سلسلة غارات، الجمعة، استهدفت مدينة المخا، ومعسكر خالد، وجبل النار، ومنطقة سوق الخرج، في مدينة المخا.
وردا على استيلاء الحوثيين على مديريات الساحل الغربي، أعلنت القوات الحكومية المدعومة من السعودية، منطقة عمليات حظرت حركة المدنيين في نطاقها، وتشمل المنطقة التي أطلقت عليها اسم “صندوق القتل”، مدينة وميناء المخا، وطريق تعز المخا، وطريق المخا ذوباب.