مصر وإسرائيل: صفقة أكبر من الاقتصاد

بعد عامين من التأجيلات، تستعد مصر لإتمام صفقة الغاز الموقعة مع إسرائيل بشكل نهائي خلال أيام.

الصفقة الموقعة في أغسطس بالحروف الأولى ليست مجرد اتفاق تجاري.

إنها قصة تحوّل استراتيجي يعيد رسم خريطة الطاقة في المنطقة؛ يضع القاهرة في قلب معادلة تسييل الغاز وتصديره إلى أوروبا وآسيا، ويمنح تل أبيب موقعا متقدّما كمورّد رئيسي، في سباق تتداخل فيه المصالح الاقتصادية والحسابات الجيوسياسية، مع بحث أوروبا المحموم عن بدائل للغاز الروسي.

في كل صيف تغرق القاهرة في الظلام.

انقطاعات واسعة للكهرباء تكشف هشاشة منظومة الطاقة المحلية. ومع تزايد الضغوط الاقتصادية وارتفاع أسعار استيراد الغاز من الأسواق العالمية، وجدت مصر في الحقول الإسرائيلية خيارا عمليا وسريعا لتأمين احتياجاتها، مستفيدة من بنيتها التحتية المتقدمة في “إدكو” و”دمياط” لتسييل الغاز وإعادة تصديره إلى الأسواق الأوروبية والآسيوية.

كان هدف الصفقة “مضاعفة كمية الغاز الطبيعي المسال التي تستوردها مصر من الحقول الإسرائيلية ثلاث أو أربع مرات،” تقول مريم وهبة، محللة أبحاث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية، متخصصة في الشؤون الإسرائيلية لـ”الحرة”.

تتزامن صفقة الغاز بين مصر وإسرائيل مع لحظة تشهد إعادة اصطفاف إقليمي ودولي.

بالنسبة للقاهرة، فإن أزمة الكهرباء والتدهور الاقتصادية المتفاقمة، من تضخم جامح إلى تراجع في قيمة العملة، دفعت الحكومة إلى البحث عن مصادر طاقة مستقرة وميسورة الكلفة.

ويضمن الاتفاق حصول مصر على كميات كافية من الغاز للحفاظ على استقرار شبكتها الكهربائية وتعزيز موقعها كمركز رئيسي لتصدير الغاز الطبيعي المسال.

إقليمياً، يعكس هذا التعاون لوحة شطرنج أوسع للطاقة، حيث تتسابق قوى إقليمية، من تركيا إلى قطر والإمارات، لترسيخ مواقعها في شبكة الطاقة الناشئة في شرق المتوسط، واستثمار بنيته التحتية المتنامية.

وعلى الصعيد العالمي، تندرج هذه الصفقة ضمن مساعي أوروبا الملحّة لتنويع مصادرها بعيدا عن الغاز الروسي بعد الحرب في أوكرانيا.

ورغم أن إمدادات شرق المتوسط لم يكن لها أن تنافس حجم الغاز الروسي قبل عام 2022، توفر لأوروبا شبكة أمان حيوية للتنويع، وتشير بوضوح إلى أن هذه المنطقة باتت لاعبا محوريا في مستقبل أمن الطاقة العالمي.

لاعب رئيسي

على مدى العقد الماضي، تحولت إسرائيل من بلد فقير موارد يعتمد على الاستيراد، إلى لاعب رئيسي في سوق الطاقة.

اكتشاف حقل تامار عام 2009، ثم لفياثان عام 2010، غيّر معادلة الطاقة الإسرائيلية تماما.

اليوم، يذهب أكثر من 90% من إنتاج لفياثان إلى مصر والأردن، ما يجعل القاهرة البوابة الرئيسية لتصدير الغاز الإسرائيلي.

وتشير وهبة إلى الجدوى الاقتصادية للاتفاق، فمصر تملك محطتي “إدكو” و”دمياط” لتسييل الغاز وهي المنشآت الوحيدة في شرق المتوسط القادرة على تحويل الغاز إلى غاز مسال وإعادة تصديره إلى أوروبا وآسيا.

يوضح الخبير الدولي في النفط والطاقة ممدوح سلامة لـ”الحرة” أن بناء خط مباشر من الحقول الإسرائيلية إلى أوروبا سيكلف أكثر من تريليون دولار، “فكان الحل المنطقي هو التعاون مع مصر التي تملك البنية التحتية الجاهزة”.

دخلت مصر اللعبة بقوة مع اكتشاف حقل ظهر عام 2015 الذي رفع إنتاجها بأكثر من 40% خلال عامين، لكن ورغم اكتشاف ظهر عانت مصر خلال السنوات القليلة الماضية من عجز متزايد في الطاقة. إذ ارتفع الاستهلاك المحلي بسرعة، بينما تراجع الإنتاج.

انقطاعات الكهرباتء في صيف 2023 دفعت الحكومة المصرية إلى خيار بدا قبل سنوات مستحيلا: الاعتماد على الغاز الإسرائيلي.

يؤكد الخبير المصري رمضان أبو العلا أن طاقة محطة إدكو المصرية الاستيعابية تبلغ نحو 38.23 مليون متر مكعب يومياً، ومحطة دمياط 21.24 مليون متر مكعب يومياً، وبالتالي مصر قادرة على تصدير نحو 56.63 مليون متر مكعب يومياً، لكن ذلك مشروط بتأمين إمدادات مستقرة.

في عام 2022، بلغت إيرادات الغاز الإسرائيلي 2.5 مليار دولار، ومن المتوقع أن تتجاوز 5 مليارات بحلول 2030. لكن هذه القفزة النوعية محفوفة بالمخاطر.

في الاتجاه المعاكس

منذ أكثر من عقد ونصف، بدأ خط أنابيب الغاز بين مصر وإسرائيل يكتب فصلا جديدا في تاريخ العلاقات بين البلدين. كان ذلك مع خط العريش، عسقلان الذي افتتح عام 2008، ويمتد نحو 90 كيلومترا تحت مياه المتوسط. الهدف حينها كان واضحا: تصدير الغاز المصري إلى إسرائيل بموجب اتفاق 2005. وقد صُمم الخط ليستوعب نحو 7 مليارات متر مكعب من الغاز سنويا.

لكن هذا الشريان الحيوي لم يدم طويلا. فمع اضطرابات 2011، تحوّل إلى هدف متكرر للهجمات في سيناء، وتعرض للتفجير أكثر من 15 مرة، ما أدى إلى توقف الضخ وانهيار الاتفاق.

ويقول غيث العمري، خبير العلاقات الإسرائيلية العربية في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى لـ”الحرة” أن هذه الهجمات كانت سببا مباشرا في توقف تصدير الغاز المصري لإسرائيل بعد 2011. ومع أن هذه الهشاشة الأمنية تجعل من التعاون بين القاهرة وتل أبيب ضرورة استراتيجية، لكنها أيضا مصدر قلق دائم.

غير أن المعادلة انقلبت لاحقا. فبعد اكتشافها حقول تمار وليفياثان الضخمة، أصبحت إسرائيل تمتلك فائضا من الغاز، بينما كانت مصر تبحث عن حلول لأزمة الطاقة. وهنا عاد الخط نفسه إلى الخدمة، ولكن هذه المرة بعكس الاتجاه: الغاز الإسرائيلي بدأ يتدفق إلى مصر عبر العريش، عسقلان ابتداء من يناير 2020.

ولم يقتصر الأمر على هذا الخط البحري، بل دُعِّم بخط بري آخر عبر معبر نيتسانا الحدودي، يربط شبكات الغاز في الجانبين، ليصبح بمثابة خط احتياطي يقلل من المخاطر إذا تعطّل الخط البحري.

ويؤكد سلامة أن هذه الأنابيب، رغم أنها تمثل شريان حياة للطرفين، فهي تمكّن مصر من الحصول على الغاز الإسرائيلي وإعادة تسييله في محطتي إدكو ودمياط لتصديره إلى أوروبا، بينما توفر لإسرائيل سوقا ضامنا لتصريف إنتاجها. لكن في الوقت نفسه، تبقى هذه الشبكة هشّة أمام أي توتر سياسي أو أمني، تماما كما أثبتت أحداث سيناء سابقا.

التحرك  التركي

في مقابل هذه المخاطر تتحرك أنقرة بخطوات سريعة لتأمين موقعها كممر أساسي للطاقة، عبر خط  تاناب الذي افتتح عام 2018، وتضخ تركيا الغاز الأذربيجاني إلى أوروبا بقدرة تصل إلى 16 مليار متر مكعب سنويا.

منذ افتتاحه وحتى عام 2024، مر عبر هذا الخط أكثر من 62 مليار متر مكعب من الغاز. وفي بداية 2025، وُقّع اتفاق جديد لتصدير الغاز الأذربيجاني إلى سوريا عبر الأراضي التركية، بقدرة تصل إلى 2 مليار متر مكعب سنويًا، وبتمويل قطري. هذه الخطوة عززت مكانة تركيا كممر حيوي للطاقة، وفتحت أمامها أوراقًا تفاوضية قوية في علاقتها مع الاتحاد الأوروبي.

ويشير المحلل غيث العمري إلى أنه بالنسبة لأوروبا، الغاز الإسرائيلي ليس أولوية بقدر الغاز القادم من أذربيجان وقطر، “لكن شرق المتوسط أصبح اليوم مركزًا أساسيًا في معادلة أمن الطاقة.”

بحسب هيئة المسح الجيولوجي الأميركية، يحتوي شرق المتوسط على أكثر من 3.45 تريليون متر مكعب من الغاز القابل للاستخراج.

هذه الكميات جعلت المنطقة ساحة مفتوحة لصراع الشركات الكبرى والدول الطامحة للنفوذ، خصوصاً مع دخول لاعبين جدد مثل قبرص وسوريا، وتنامي دور الجزائر وقطر.

فالحرب في أوكرانيا وانقطاع خطوط الغاز الروسية دفع أوروبا إلى البحث عن بدائل سريعة، ورغم أن كميات شرق المتوسط لن تعوض بالكامل النقص الروسي (الذي كان يتجاوز 150 مليار متر مكعب سنويا)، إلا أنها تمثل ورقة استراتيجية لتقليل الاعتماد على موسكو وتنويع مصادر الطاقة.

ويعتبر العمري أن الغاز الإسرائيلي لم يكن أبدا ضمن الاعتبارات الأوروبية في ما يتعلق في استبدال الغاز الروسي، إنما تعتمد أوروبا بشكل كبير على الغاز من أذربيجان، أو قطر أو يمكن أن تلعب تركيا دوراً أساسياً.

في قبرص اكتشفت حقول غاز عدة مثل أفروديت، كالوبسو وغلوكوس لكن التصدير منها يحتاج إلى بنية تحتية.

ويعتبر أقصر الطرق وأكثرها جدوى، بحسب سلامة، هو مد خط أنابيب قصيرة لا تتجاوز تسعين كيلومترا يربط بين قبرص وتركيا، ومنها إلى شبكة الغاز الأوروبية.  لكن هذا الخيار يصطدم بعقدة سياسية إذ لا تعترف أنقرة بجمهورية قبرص.

لذلك تلجأ قبرص إلى بدائل أكثر تكلفة كما يشرح للحرة سلامة، مثل مشروع eastmed الذي يربط إسرائيل وقبرص واليونان بخط يبلغ طوله 1900 كيلومتر وتكلفته أكثر من ستة مليارات يورو، “ولا تستطيع قبرص وإسرائيل تغذيته بالغاز، كما أن غاز حوض شرق المتوسط يشكل مصدرا متزايد الأهمية لأوروبا في ظل تراجع وارداتها من الغاز الروسي، لكنه لا يستطيع تعويضه بالكامل”.

في عام 2023، شكل الغاز الروسي أقل من 15% من إجمالي واردات الاتحاد الأوروبي بعد أن كان أكثر من 40% في 2021، فيما ساهمت واردات الغاز من حوض شرق المتوسط، بما يشمل إسرائيل وقبرص ومصر، عبر خطوط الأنابيب ومشاريع الغاز الطبيعي المسال، بزيادة ملموسة في التنويع، لكنها لم تتجاوز جزءا محدودا من الطلب الأوروبي الإجمالي، مقارنة بحصة دول شمال أفريقيا التي شكلت نحو 14.1%.

يؤكد الخبير المصري رمضان أبو العلا لـ”الحرة” أن الغاز المكتشف في هذه المنطقة يمثل فرصة كبيرة، إذ تمتد المنطقة على نحو 380 ألف كيلومتر مربع وتشمل المياه الاقتصادية لدول عدة، منها قبرص ولبنان وسوريا وإسرائيل وفلسطين ومصر. كل هذه الدول يمكن أن تستفيد من الثروات الغازية الموجودة في المنطقة. ويضيف أنه كلما عاد الهدوء إلى المنطقة، تعود الشركات العالمية للتنقيب دون أخطار، ما يرفع حجم الاكتشافات، وبالتالي الكميات المتاحة من الغاز.

من القاهرة إلى تل أبيب، ومن أنقرة إلى بروكسل، تخطّت صفقة الغاز بين مصر وإسرائيل كونها مجرد اتفاق اقتصادي، لتتحول إلى تحالف إقليمي تمليه ضرورات الطاقة وقد يغيّر موازين المنطقة. فهل يصبح الغاز جسرا للاستقرار والتعاون، أم شرارة لصراعات جديدة في شرق المتوسط؟


اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي

اترك رد

https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading