أعفت إدارة ترامب 320 مليون دولار من المساعدات العسكرية لمصر من الشروط المتعلقة بحقوق الإنسان، مشيرة إلى أهمية القاهرة للأمن القومي الأميركي في خضم الحرب مع إيران، في وقت يرى فيه نشطاء حقوقيون أن واشنطن تتخلى عن ورقة ضغط على حكومة تواصل سجن منتقديها وصحفييها.
وكشفت وزارة الخارجية الأميركية أن الوزير ماركو روبيو وقّع مذكرة الإعفاء في الرابع من سبتمبر، وأنها أبلغت الكونغرس رسميا بالقرار في 21 سبتمبر. ثم، هذا الأسبوع، اعتقلت السلطات المصرية ستة صحفيين من منصة “متصدقش”، وهي مؤسسة إعلامية مستقلة.
وأفاد متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية “الحرة”، الجمعة، بأن روبيو وافق على الإعفاء المتعلق بتمويل السنة المالية 2025، استنادا إلى صلاحيات الأمن القومي التي منحها الكونغرس.
وقال المتحدث: “يعكس قرار الوزير أهمية مصر بالنسبة إلى مصالح الأمن القومي الأميركي، والتعاون الأمني الملموس الذي توفره مصر للولايات المتحدة”.
ويخضع مبلغ الـ 320 مليون دولار لشروط تلزم مصر باحترام حقوق الإنسان والممارسات الديمقراطية، وكان حجب هذه الأموال مصدرا متكررا للتوتر بين القاهرة وواشنطن. وكان الرئيس السابق، جو بايدن، قد حجب أجزاء من التمويل قبل أن يفرج عن المخصصات كاملة في عام 2024، مشيرا إلى دور القاهرة في الجهود الرامية إلى إنهاء حرب غزة.
ويُسقط إعفاء سبتمبر هذه الشروط، ويكشف مدى الأهمية التي توليها واشنطن الآن للقاهرة، إذ وصف متحدث وزارة الخارجية التعاون الأمني المصري بأنه مهم “في وقت تشهد فيه المنطقة تحديات أمنية كبيرة”.
وتُعد مصر من بين أكثر دول العالم سجنا للصحفيين، وفقا للجنة حماية الصحفيين. وقالت المنظمة المعنية بحرية الصحافة إن مصر تحتجز حاليا 25 صحفيا، من بينهم الصحفيون الذين اعتُقلوا هذا الأسبوع.
وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، اعتقلت السلطات المصرية ستة صحفيين من منصة “متصدقش”، التي يعني اسمها بالعربية “لا تصدق ذلك”. وقالت لجنة حماية الصحفيين الجمعة إن مكان وجود الصحفيين لا يزال مجهولا، ودعت إلى الإفراج عنهم.
واتهمت وزارة الداخلية المصرية المنصة بنشر معلومات كاذبة، وربطتها بجماعة الإخوان المسلمين المحظورة، وهو ما نفاه عبد الرحمن منصور، الشريك المؤسس للمنصة.
وقال منصور للجنة حماية الصحفيين: “لا تربطنا أي صلة بجماعة الإخوان المسلمين، والسلطات تعرف ذلك”.
وأضاف: “يستحق صحفيونا التقدير على عملهم. وبدلا من ذلك، جرى احتجازهم لأكثر من 72 ساعة، ولا يزال مكان وجودهم مجهولا، من دون السماح لهم بالتواصل مع عائلاتهم أو محامينا”.
المساعدات الأمنية
استندت المذكرة التي وقّعها روبيو إلى “الدور المفيد” الذي أدته مصر عقب إطلاق الحملة العسكرية الأميركية ضد إيران، بحسب ما أفادت رويترز الخميس.
ولم توضح المذكرة طبيعة هذا الدور.
وعندما سألت “الحرة” عما تحتاجه واشنطن من مصر في هذه المرحلة من الصراع مع إيران، لم تحدد وزارة الخارجية الأميركية أيضا أي تفاصيل.
لطالما سمحت مصر للطائرات العسكرية الأميركية بالتحليق فوق أراضيها، ومنحت السفن الحربية الأميركية أولوية المرور عبر قناة السويس. كما تدعم هذه العلاقة معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل، وهي عنصر محوري في السياسة الأميركية في المنطقة منذ عقود.
وفي تحليل نشرته في أبريل مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، أشارت أنجي عمر، رئيسة تحرير مطبوعة “صدى” التابعة لمؤسسة الأبحاث، أيضا إلى تقارير عن استخدام مصر قنوات استخباراتية لنقل رسائل بين واشنطن وطهران، بهدف المساعدة في توضيح الخطوط الحمراء لكل من الطرفين.
نزاع طويل الأمد
يعود الخلاف بشأن سجل مصر في مجال حقوق الإنسان والمساعدات الأميركية إلى ما قبل إدارة ترامب. فقد واجهت إدارات أميركية متعاقبة معضلة كيفية الضغط على مصر لتحسين سجلها في مجال حقوق الإنسان، مع الحفاظ في الوقت نفسه على العلاقات العسكرية والدبلوماسية معها.
وقال سيث بيندر، مدير السياسات والعلاقات الحكومية في اللجنة الأميركية لحقوق الشرق الأوسط، إن واشنطن لم تكن مضطرة إلى الاختيار بين الحفاظ على تلك العلاقات وحجب المساعدات المشروطة.
وقال بيندر لـ “الحرة” : “نعرف ذلك لأن إدارتي بايدن وترامب الأولى حجبتا في أوقات مختلفة جزءا من المساعدات العسكرية لمصر، ولم تكن لذلك أي عواقب سلبية ملموسة أو يمكن إثباتها على التعاون أو العلاقة”، مضيفا أن ورقة الضغط التي وفرتها المساعدات ساعدت في تأمين الإفراج عن آلاف السجناء السياسيين.
لكن حتى من دون مبلغ الـ 320 مليون دولار، ستظل مصر ثاني أكبر متلقٍ للتمويل العسكري الأجنبي الأميركي، أضاف بيندر. وتتلقى مصر نحو 1.3 مليار دولار سنويا من المساعدات العسكرية الأميركية منذ ثمانينيات القرن الماضي.
ضغوط الكونغرس
وعندما سُئل المتحدث باسم وزارة الخارجية عن كيفية موازنة الإدارة بين التعاون الأمني ومخاوف حقوق الإنسان التي ربطها الكونغرس بهذه المساعدات، قال إن هذه القضايا لا تزال جزءا من تعاملات الوزارة مع القاهرة.
وقال المتحدث: “نواصل التواصل مع الحكومة المصرية بشأن المجموعة الكاملة من القضايا التي تشملها علاقتنا الثنائية.”
وقال بيندر إن أي مساهمات مصرية في الأمن القومي الأميركي لا تبرر التخلي عن شروط حقوق الإنسان المرتبطة بالمساعدات العسكرية الأميركية للقاهرة، مضيفا أن القرار بعث “برسالة مقلقة من الدعم الكامل لحكومة السيسي، رغم استمرار أزمة حقوق الإنسان داخل البلاد”.
وقال إن لدى الكونغرس قائمة معروفة جيدا من المخاوف المتعلقة بحقوق الإنسان في مصر، “بما في ذلك حرية الصحافة والاحتجاز غير القانوني، وينبغي له أن يجدد هذه الدعوات”.