تغطية مباشرة انتخابات 2026: إسرائيل تختار بين نتنياهو ومنافسيه واشنطن العاصمة 03:13 PM

هجوم كنيسة حمود.. "رسالة" دموية إلى الدولة الأردنية

فتح مسلحون النار على مشيّعين خلال جنازة في بلدة حمود، فيما تلاحق السلطات المنفذين وسط تساؤلات بشأن هويتهم ودوافعهم.

اقرأ بـ English
· 5 دقيقة قراءة
مواطنون وقوات أمن يتجمعون خارج كنيسة أرثوذكسية يونانية في قرية حمود بمحافظة الكرك في الأردن، وذلك في أعقاب حادث إطلاق نار وقع في 23 أكتوبر 2026 – فرانس برس.
مواطنون وقوات أمن يتجمعون خارج كنيسة أرثوذكسية يونانية في قرية حمود بمحافظة الكرك في الأردن، وذلك في أعقاب حادث إطلاق نار وقع في 23 أكتوبر 2026 – فرانس برس.

كان وليم هلسا يقف إلى جانب جثمان قريبته داخل كنيسة الروم الأرثوذكس في بلدة حمود بمحافظة الكرك الأردنية، بعد ظهر الجمعة، عندما سمع صوت إطلاق نار في الخارج. اقترب من النافذة ليرى ما يحدث، فوجد مسلحا يصوّب سلاحه نحوه. ارتمى أرضا ليحتمي من الرصاص.

في ساحة الكنيسة، حيث تجمع عشرات المشيّعين لتوديع امتثال الهلسا، كان مسلحون يطلقون النار على الحاضرين في هجوم أسفر عن مقتل سبعة أشخاص وإصابة 34 آخرين، وفق السلطات الأردنية.

وفي مقابلة مع “الحرة”، قال هلسا، وهو ابن عمة المتوفاة، “خرجنا لنرى ما حدث.. كان فعلا مشهدا مرعبا.. شباب مطروحون أرضا، جثث وصراخ ومشاهد دم وجرحى. كانت الصدمة كبيرة، والخوف يزداد”.

وقع الهجوم في بلدة تنتمي إلى منطقة عُرفت تاريخيا بالتعايش بين المسلمين والمسيحيين، وأعاد إلى الأذهان هجمات شنها متطرفون في الأردن خلال العقدين الماضيين، بينها هجوم تبناه تنظيم الدولة الإسلامية في مدينة الكرك عام 2016.

ووصف وزير الداخلية الأردني مازن الفراية الهجوم بأنه “عملية إرهابية” نفذتها “مجموعة من المتطرفين”، لكنه قال إنه من السابق لأوانه تحديد ما إذا كان المنفذون مرتبطين بجهات خارجية.

ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم حتى مساء الجمعة، فيما كانت قوات الأمن تواصل البحث عن المشتبه بهم.

دقائق من الرعب

كان هناك عدد من النساء المسنّات والأطفال داخل الكنيسة، التي تتسع لنحو مئة شخص، فيما تجمع قرابة مئة شاب في ساحتها الخارجية للمشاركة في مراسم الجنازة.

وبحسب شهود عيان وتسجيلات كاميرات المراقبة عند مدخل الكنيسة، وصل ثلاثة شبان إلى المكان، أحدهم يرتدي ملابس توحي بانتمائه إلى التيار السلفي الجهادي. وكان أحدهم يحمل مسدسا، والثاني بندقية كلاشنيكوف ويغطي رأسه. وبدأ المسلحان بإطلاق النار بالتناوب على الموجودين في الساحة، قبل أن يفر الثلاثة في شاحنة صغيرة زرقاء اللون. ولم يتضح دور الشخص الثالث، الذي بدا غير مسلح.

وقال هلسا إن المسلحين لم يدخلوا إلى داخل الكنيسة، حيث كان يقف مع أفراد من العائلة.

“الرب لطف وستر، ولم يدخلوا الكنيسة”، قال.

وأضاف أن المهاجمين استغلوا تجمعا عائليا وأقارب كانوا يودعون فقيدتهم، ووصفهم بأنهم “أناس بلا شفقة”.

وبحسب شهود، وصلت فرق الدفاع المدني إلى الموقع وبدأت إجلاء المصابين والضحايا، الذين قالوا إنهم جميعا من الرجال.

وقال مدير الأمن العام، اللواء عبيد الله المعايطة، خلال مؤتمر صحفي في الكرك مع وزير الداخلية، إن البلاغ وصل إلى الأجهزة الأمنية نحو الساعة الثانية وعشر دقائق بعد الظهر، وإن 27 مصابا كانوا لا يزالون يتلقون العلاج.

وأكد الفراية أن الأجهزة الأمنية تعمل على ملاحقة الجناة، وأن لديها أسماء مشتبه بهم يجري البحث عنهم، من دون الإعلان عن هوياتهم.

وشدد على أنه لا يمكن حتى الآن الجزم بوجود ارتباطات خارجية للمهاجمين أو تحديد الجهة التي تقف وراء العملية.

وزار الملك عبد الله الثاني مستشفيات بالكرك لتفقد المصابين، وتوعد بمحاسبة المسؤولين عن الهجوم.

وقال في منشور على منصة إكس: “من توهّم أن رصاص الغدر يشق صف الأردنيين خاب مسعاه أمام صلابتنا ووحدتنا”.

أما رئيس الوزراء جعفر حسان فوصف الهجوم بأنه نتيجة “الفكر التكفيري الإرهابي والتطرف الأعمى”، متعهدا بمواجهة محاولات نشر التطرف وإثارة الفتنة.

من يقف وراء الهجوم؟

مع بدء التحقيق، رجّح خبراء تحدثوا إلى “الحرة” أن يكون الهجوم مرتبطا بجماعات تتبنى فكر تنظيم الدولة الإسلامية، داعش، مستندين إلى طبيعة الهدف وطريقة التنفيذ. لكنهم أكدوا أنها تقديرات تحليلية، وليست نتائج تحقيق أمني.

وقال مراد بطل الشيشاني، مؤسس مجموعة ريماركس لتحليل العنف السياسي، إن استهداف مدنيين خلال مراسم دينية يحمل سمات هجمات التنظيمات السلفية الجهادية، وفي مقدمتها تنظيم داعش.

وأوضح أن اختيار تجمع مدني في دار عبادة يهدف إلى إثارة الخوف وإحداث صدمة واسعة، وقد يسهم في إضعاف ثقة المواطنين بالأجهزة الأمنية وتشجيع متطرفين آخرين على تنفيذ هجمات مماثلة.

واتفق معه وليد العويمر، عميد كلية العلوم الاجتماعية والمتخصص في مكافحة الإرهاب، الذي رأى أن الهجوم يحمل مؤشرات على تخطيط مسبق، وليس مجرد تصرف فردي.

وقال العويمر إن المهاجمين فجّروا عبوة صغيرة قرب الكنيسة قبل إطلاق النار لصرف انتباه الحاضرين، وفق المعلومات التي استند إليها في تحليله. ولم تؤكد السلطات هذه التفاصيل.

وأضاف قوله: “أميل إلى أنهم من جماعة داعش أو من التنظيمات التي تتبنى فكر داعش، وهي ليست عملية رد فعل فردي من أحد”.

ويرى العويمر أن الهجوم يشير إلى احتمال استمرار وجود خلايا متطرفة قادرة على التحرك داخل الأردن، رغم الضربات الأمنية التي تعرضت لها هذه الجماعات خلال السنوات الماضية.

لكنه رجح أن العملية ربما تحمل رسالة إلى الدولة الأردنية بشأن مواقفها من النزاعات الإقليمية، بما فيها الحرب مع إيران والتوترات المرتبطة بإسرائيل والسعودية واليمن.

ولم تظهر حتى الآن أدلة علنية تربط المهاجمين بهذه الملفات أو تؤكد أن الهجوم نُفذ ردا على سياسات الحكومة الأردنية.

الكرك.. وذاكرة الهجمات السابقة

لم تكن محافظة الكرك بعيدة عن هجمات التنظيمات المتطرفة.

ففي 18 ديسمبر 2016، شن مسلحون هجمات على قوات أمنية قبل أن يتحصنوا داخل قلعة الكرك التاريخية. وأسفرت المواجهات عن مقتل عشرة أشخاص، بينهم سبعة من رجال الأمن وسائحة كندية، وإصابة عشرات آخرين.

وتبنى داعش الهجوم، الذي انتهى بمقتل أربعة مسلحين.

وفي أغسطس 2018، استهدفت خلية متطرفة دورية أمنية قرب مهرجان في مدينة الفحيص، غربي عمّان، قبل أن تتعقبها قوات الأمن إلى مبنى في مدينة السلط. وأسفرت العمليتان عن مقتل خمسة من رجال الأمن، وفق السلطات.

وقال وزير الداخلية آنذاك إن أفراد الخلية كانوا يتبنون فكر تنظيم الدولة الإسلامية، وإنهم خططوا لشن هجمات على منشآت أمنية وتجمعات عامة.

وتعود إحدى أكثر الهجمات دموية في تاريخ الأردن الحديث إلى نوفمبر 2005، عندما نفذ تنظيم القاعدة في العراق تفجيرات انتحارية استهدفت ثلاثة فنادق في عمّان، وأوقعت عشرات القتلى.

كما أثار تنظيم داعش غضب الأردنيين عندما أحرق الطيار الأردني معاذ الكساسبة حيا بعد أسره في سوريا، في جريمة أعلن عنها التنظيم عام 2015. وكان الكساسبة من أبناء الكرك.

ورغم هذه السوابق، فإن استهداف تجمع مسيحي خلال مراسم جنازة يمثل تطورا لافتا في طبيعة الهجمات التي شهدتها المملكة.

بلدة عُرفت بالتعايش

تقع حمود شمالي مدينة الكرك، في محافظة تضم عشائر مسيحية عريقة تعود جذورها إلى قرون مضت، وتربطها علاقات اجتماعية وثيقة بالعشائر المسلمة.

وكانت الكرك تاريخيا من أبرز مناطق الوجود المسيحي في الأردن، حيث شاركت العائلات المسيحية والمسلمة في الحياة السياسية والاجتماعية، قبل أن تسهم الهجرة والتحولات السكانية في تراجع نسبة المسيحيين.

ويشكل المسيحيون اليوم أقلية صغيرة في الأردن، تُقدَّر نسبتها بنحو 2 إلى 3% من السكان، وفق تقديرات كنسية وتقارير عن الحرية الدينية. ويخصص النظام الانتخابي الحالي تسعة مقاعد للمسيحيين في مجلس النواب المؤلف من 138 عضوا.

ويرى العويمر أن بعض مناطق الجنوب الأردني تعاني ظروفا اقتصادية واجتماعية قد تستغلها الجماعات المتطرفة في تجنيد الأتباع، ولا سيما بين الشباب الذين يواجهون البطالة وضعف الفرص الاقتصادية.

لكن حجم التيارات السلفية الجهادية في الأردن يصعب تحديده بدقة. ويقدّر العويمر عدد المنتمين إلى هذه التيارات بنحو ثلاثة آلاف شخص، وهو تقدير لم يتسن التحقق منه بصورة مستقلة.

وتبقى هوية منفذي هجوم حمود ودوافعهم غير معروفة، في انتظار ما ستكشفه التحقيقات.

أما في البلدة التي خرج سكانها لتشييع إحدى نسائها، فقد تحولت مراسم الجنازة إلى يوم من الحداد على سبعة قتلى آخرين.